الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

وحي العودة . .!

Share

. . وصبا صاحبنا وحن الى صباه واشتد به النزوع ووجد من الشوق ما احسه كالحداء يستحثه وكان قد لج فى الهجر وطال به البعد ، فاخذ جرابه وعزم على العودة مسلسا قياده ، مصيخا الى الهاجس الخفي يعاوده الهاتف الملح يتجاوب فى صدره والقى بنفسه فى السيارة..

واحس فيما احس انه يريد ان يعود الى البلدة عودة الفلك الى المرفإ وان يدخلها مغسولا من الذكريات واحس فيما احس ان من الذكريات ما يذيب كبده ويرمض حشاه ويوتر اعصابه ويحجر منه الاحساس ، فقال " هل من نسيان ونظر فاذا الكون حوله يخفق ويبتسم واعاد النظر كرتين فاذا هو كانما يرتعش ارتعاش البعث وينتفض انتفاض اليقظة ووجد له اشعاعا لم يكن يعرفه وراى إشراقا ناعما ليس له به عهد ، فاذا هو اشعاع الامل يعود الى الكون واذا هو اشراق الحياة يغمره من جديد واذا هو النسيان يسدل الستار على الماضى ويضع البسم على الجراح ويطوى صفحات الاسى ، فيجلى الكون فى يوم عيد !

لقد كانت السيارة تمشى وكان صاحبنا يلج فى احلامه وكان كلما قارب بلدا الا وبدت له صومعته ممتدة فى الافق ، ترنو إلى السماء وتصبو الى فوق دافعة لليأس ، مذكرة الناس ، متحدية العواصف ومنتصبة كالدليل امام القافلة : عزم ثابت ، ورمز الى الانطلاق وايمان وشدة وبأس . . فيشتد به الحنين ويهزه الطرب ويشعر بالنشوة الجذلى والفرحة العذراء ويشق البلد فاذا اهله كانما القى عنهم وكثر قيدهم وغسلوا من الخزي والعار وزال ما بهم من مسكنة وذل ، فاذا هم كالمعدن صفا جوهره ، واذا هم حرية وتوق!

لقد كان النسيم يتسلل اليه من نافذة السيارة ، طاهرا نديا فيملأ رئتيه ويدخل عليه الانشراح وكان منظر الفلاح يخدم حقله والحراث يحرث ارضه وكل ما يمتثل امام عينيه يغمره بهجة ويوحى اليه .

انها لانفاس الحرية يتسمها فى كل شئ ، حتى فى اهتزاز الفراشة وشدو الطير انها لعودة الروح وانه ليستوعب كل ما يرى ويسمع ، فكانما كان يكتشف نفسه ويحلل امكانياته ويطل على عالم خفي ويصيخ لهاجس بعيد . . بعيد فيبتسم لغرثى الامانى ، تبدو اليه من وراء الضباب ، وباسمات الرؤى تقتحم عليه دنياه وتنتشليها الى دنياها العجيبة

وصاح به السائق ان قد انتهينا الى البلدة ، فكانما ايقظه من غفوة ، فانتفض وترك عينيه ونزل يجر جرابه ورفع بصره فاذا هو فى باب الشهداء وتمثل امامه الدم القاني مسفوحا كما كان رآه قبل اليوم ، فأحس بدمه كالنزيف في عروقه واحس بالوخز بين جنبيه وتراقصت له اشباح الماضى القريب مكشرة عن انيابها وتوزعته الافكار وتكالبت عليه الاحاسيس وعجت به الذكرى فاصفر وجهه وتوترت اعصابه وقال : اكلما دخلت البلد ، تذكرت الدم والدموع وتراقصت لى اشلاء الموتى ومزقت كبدي صيحات اليتامى ؟ انها لكالحمى تعاودني الاويح نفسي من نفسي!

وتذكر ليلة الهول وتذكر صديقه احمد وكيف كان يلقاه كلما حط الرحال ثم كيف اخذ من داره ذات ليلة نكراء فقتل القتلة الجبان ! وتذكر . . وتذكر فقال لقد بذل الثمن فنحن فى رهان!

وواصل المشى الى دار صباه ثقيل الخطا كسيرا كانما كان يجر وراءه جيلا من الذكريات وعاج الى المقبرة وئيدا فاذا هو امام احمد ومصطفى والحاج سعيد وبقية الشهداء واذا هو امام ثوب من المرمر يضفيه بعض الاحياء على بعض الموتى فكانما هو ايمان احمد ومصطفى والحاج سعيد وبقية الشهداء صلد خالص صميم وكانما هم فى اجداثهم المتقاربة المتلاصقة يتحدون الموت والزمان

وهاجت به الذكرى من جديد متواصلة الوجيب فهزت كيانه فوجدها رصاصا فعج وقال : ليس هذا الموت عدما ، أفليس هو فى صميمه نداء وايحاء واعتزاز وتحد ؟ افليس هو فى صميمه استنهاض وصمود وبعث ؟ وهل من بعث بلا موت ؟

انه لموت الموت وانه لكالصوت المذكر يولول فى كل ضمير وكالايمان يقيم في كل نفس ويدفع حتما الى الامام ، انه المرشد الحكيم اذا اربد الدرب وادلهمت

الغاية ونغلت القلوب فهو المشعل يشير الى المرمى ولا ينطفئ وهو الموت اليقظ النابض وليس بالموت البارد العقيم!

وتقهقرت بصاحبنا الايام وتقهقر هو بها الى ايام صباه فتذكر " ابن الارقش " وكيف كان باعثا للوعى ومثيرا للهمم فى هذه البلدة وراى نفسه صبيا فى "كدرونه" الخش الاسود وقد جاء ابوه يقول لقد وقعت الواقعة وتجالد القوم مع الجند فاحسنوا الضراب ووقفوا سدا فى وجه الفرنسة والتجنيس فجرح الكثير واستشهد ابن " الارقش " وسمع اباه يجيب امه : او لا تعلمين ما التجنيس ؟ انه المروق عن الدين والكفر بالماضى والشعور بالحقارة فكانت تلك أول صدمة في نفسه واول حادثة جعلته يشعر بكيانه ويفكر فيما حوله ويشك فيما يرى ويسمع ! وقريبه العملاق اذن ؟ الم يكن متجناسا اليس هو من نقاوة القوم ؟ ايكون هو ايضا مارقا عن الدين كافرا بالماضى ويكون اصحاب الكدارين " انفذ منه بصيرة واسلم عقلا واصح عقيدة ؟ ولماذا اذن يتقرب اليه " اصحاب الكدارين " ويهشون له ؟ او لا بد من نفاق؟

انه لم يعد يفهم شيئا ! فلقد كان يمنى النفس بان يكون مثل قريبه عملاقا وان يتخلى بدوره عن " كدرونه " الصوفى الخشن الاسود ليلبس ذلك الزي الناعم الافرنجى ويضع على هامته مثل ذلك الطربوش الاحمر ويجلس ساقا على ساق ويتحدث من عليائه حديث العالم بكل شئ ويحلل ويدبر ويامر فهل معنى ذلك كفر ومروق

ولماذا اذن يمر ابناء حاره المتوظف الغني فيزورون عنه ويانفون من اللعب معه ؟ اليس لانهم فى زى يشبه زى قريبه العملاق وهو فى "كدرونه" الخشن الحقير

واحس لاول مرة بنخوة "كدرونه " والاعتزاز به وقرر فى نفسه ان ينظر هو ايضا لابناء جاره الغني مثلما ينظرون اليه فلا يجد فى "كدرونه" غضاضة ، ولا يستحيى منهم ولا يغض بصره عنهم اوليس هو من اصحاب الكدارين الصوفية الخشنة الذين يدركون الواجب ، فيحمون الحمى ويابون الضيم ويسوون الريغ؟ ومن يكون " ابن الارقش " اليس هو مثله صاحب " كدرون" خشن حقير؟

وتذكر صاحبنا وتذكر ثم نظر حوله فاذا هو مازال بين القبور فعبس وقال : انه الموت ! وكم فى الموت من عبرة . . ثم اخذ جرابه وبقى يمشى

اشترك في نشرتنا البريدية