الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 186الرجوع إلى "الرسالة"

وحي القلم، تأليف الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، اقرأ وربك الأ كرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم

Share

أنا معجب بالرافعي منذ قرأت له . وأحذر أن يغطي الإعجاب على بصري ، وتكل عين الرضا عن العيوب , وقد اتهمت نفسي : ولتكافئ التهمةُ الإعجاب , ويعادل الحبّ الارتياب الرافعي نسيج وحده , تقرأ له فتشعر أنك فى اختراعه وتصويره ، وبيانه تفكيره ، لا يذكّرك بأحد , ولا يذكّرك به أحد . وحسب الكاتب أن يكون كونًا مستقلًّا يستملي الضمير ، ويُبدع فى التصوير ، وكثير من الكتاب قوالب تختلف أحجامها وأشكالها ، ولكنها صور مستعارة لا تفتأ تستعير مادة عملها

بين شعراء الفرس شاعر تَسمَّى " خلاق المعاني " ؛ والرافعيّ فى وحي القلم جدير بهذا اللقب . وما أعسر الخلْق هنا , وما أصعب الإبداع . يعمد إلى الحدث الصغير ذي المعنى المحدود فيحطم حدوده ويصله بالبشرية كلها , أو يُشيعه فى العالم كله , ويصوّره صورًا تلقى القارئ بجدّتها وروعتها . والكاتب الملهم يرى الخليقة أسبابًا متصلة , ومعاني متجاوبة , وصورًا متجاذبة , فما يبصر ذرة إلا رأى وراءها الفلك , ولا يملك شعاعًا إلا جذبه إلى الشمس ، وكأن كل شيء فى الوجود عين تطل على العالم غير المحدود . تنثال عليه الفِكَر وتتزاحم أمامه الصور , فيكون همه أن يشق طريقه بين المعاني المتزاحمة , ويحدّ سبيله بين الطرق المتشعّبة , وأن يطرد المعاني التي لا يريدها عن المعاني التي يقصدها . فهو من الخصب فى نصب - نصب الكاتب المقلّد من الإجداب والإجبال

العالم أمام الرافعي كتاب مفتوح , يدرك فيه جمال الحروف وحسن السطور , ثم ينفذ إلى ما لا ينتهي من المعاني . وما يزال يعرض المعنى الواحد فى صور رائعة حتى يدع القارئ معجبًا حيران , قد اجتمعت على القراءة خفقاتُ قلبه , ونظرات عينه ، وأسارير وجهه . فلو أن الرافعي صور هذه الخفقات وبيّنَ هذه النظرات والقَسمات لاستردّ البيان الذي أفاضه على قارئه

والرافعي يُغرب أحيانا , أو يدقّ فينبهم معناه . وفي هذا ثورة بعض الأدباء عليه , ولكن الذي آمن بقدرته فما وضح واستبان من كلامه يؤمن أنه حين يغمض يتحيل لمعنى دقيق خفيّ لم تَرُضه الألفاظ , ولم يذلِّله الكتاب ، أو يتلطف لفكر نَفور آبد ليختله . وكثيًرا ما يخيّل إليَّ وأنا أقرأ آبدات الرافعي أني أُتبع بصري طائرًا يرتفع فى اللُّوح ثم يرتفع حتى تُضمره السحب ! فلا تراء العين ولكنها تعرف أنه فى جوّ السماء . فإن قيل إن هذا حُكم الإعجاب والرضى ، قلت فإني أتهم نفسي فلا أدفع عن هذه الأوابد . ولكن وحي القلم بريء من الغموض والانبهام ، وإنما أكتب اليوم عن وحي القلم

وهذا الكاتب النابغة نزَّاع إلى الجمال , طماح إلى الفضيلة , مولع بكل خلق كريم ، فلا يعالج أمرًا إلا حلّق به إلى الجمال والرأفة والرحمة والإحسان والحرية والإقدام وهلم جرّا وقلبه فياض بالإيمان والطهر , فإذا كتب فى الدين وما يتصل به ارتقى إلى حيث تنقطع المطامع . اقرأ مقاله : " سمو الفقر في المصلح الاجتماعي الأعظم " . إنها تملأ القاري إعجابًا , وتسمو به حتى يحسب نفسه ملكا محلّقًا يرى مآتم الناس ومصائبهم من حيث لا تتعلق به ولا تستهويه ؛ ولا يوفق لهذا البيان إلا مسلم ملهم كالرافعي , يكتب فى حقيقة علوية كالنفس المحمدنة ..ثم اقرأ في مقاله : " الله أكبر " وصف المسجد ونشيد الملائكة ، لقد قرأت فكانت تنبعث التكبيرة من قرارة نفسي , فأمسكها مؤثرًا الاستماع إلى هذا الكبير الذي بدوي به المسجد ؛ فلما انتهى

المقال لم أملك أن رفعت صوتي بآخر كلمة منه " الله أكبر " هذه التزعات الملونة , والسمو الروحي يتجلى فى مقالاته : الإشراق الإلهي , فلسفة الإسلام , حقيقة المسلم , وحي الهجرة , فوق الآدمية , درس من النبوة , شهر للثورة , ثبات الاخلاق الرافعي كاتب الإسلام والعربية , يتناول الحديث الصغير في تاريخ الاسلام ومآثر العرب فيجعله عنوان فصل بليغ من الحكمة والموعظة , يسايره فيه القارئ متعجبًا : كيف ولدت الواقعة الصغيرة هذه المعاني التي تحاول أن تكون تاريخ جيل ؟ . اقرا " زوجة إمام " و " السمكة " . وأقرا " يا شباب العرب " و " يا أيها المسلمون "

وهذا الكاتب السماوي أبرع الناس تحليقًا بالحب الطاهر , وأعظمهم ترفعًا به , وأبصرهم بالمهاوي والمهالك التي يحلّق عنها هذا الحب العليّ الأبيّ . نظرة إلى السماء تصف العلاء والمضاء والطهر والسمو الروحي الذي لا يحد , ونظرة إلى الأرض تصف السقوط الحيواني , والهوِيّ الشيطاني ؛ فترى القارئ مدعوًّا إلى السماء , مطرودًا عن الأرض , طائرًا إلى الخير , نافرًا عن الشر وإذا وصف صاحبنا الجمال , بث فى العالم معانيه , ونفض عليه ألوانه , فكأنما خلق العالم خلقًا جديدًا . يخلق من الشعاع شمسًا , ومن القطرة نهرًا , ومن الوردة حديقة ؛ ثم يغرد فلا يُدرى أهذا التغريد تفسير هذا الجمال , أم هذا الجمال تصوير هذا التغريد .. ولا يدري القارئ أهو فى ربيع باهر , أم فى بيان ساحر ؟ . وما أشبه قلمه وهو يشقق المنظر الغُفل عن سرائر الجمال بإبرة الحاكية , تسلط على الصفحة الجامدة السوداء فترُدها كلامًا وأنغامًا وألحانًا ؛ واقرأ "عرش الورد " تر كيف جعل ابنته على عرشها مركزًا يحيط بها الجمال فلكا دائرا

ولله مصطفى حين يتغلغل فى الجماعات , فيحس آلامها , ويصف أسقامها , ويعرب عما فى ضمائر البائسين , وعما فى رؤوس المتكبرين ؛ ولا يزال بالمعنى الذى يراه الناس جمادا , يقدحه حتى يخرج منه النار والنور . ويأخذ الحادثة الصغيرة ينطقها بما وراءها , ويكشفها عما انطوت عليه حتى يقيم بها للإنسانية عرسًا أو مأتمًا . اقرأ " أحلام الشارع " تسمع أنات البشرية وتر عبراتها وتلمس مصائبها مصورة ملونة بدم المهج وماء العيون ونار الزفرات وحر الحسرات وسواد الفاقة والذلة ؛ ثم تسمع لعنة الإنسانية على لسان ما خلفت الإنسانية من قوانين . والعجب

أنك كلما أسال الحزن عبراتك طبع البيان الساحر على شفتيك بسمة إعجاب لا تملك نفيها . واقرا " عربة اللقطاء " تر أنه صاغ من أساريرهم حروفا للهجاء تسع كل معنى , وتتمثل الآثام التي ولدت هؤلاء , والمصائب التي يحملها هؤلاء , والمفاسد التي سيلدها هؤلاء . وتقرأ " لحوم البحر " فتستمع إلى الشيطان والملك , كل ينشد أناشيده . ويستخرج الرافعي منها دعوة إلى الفضيلة ولعنة للرذيلة , وهو قادر على تسخير الشيطان لبيانه فقد أعطي فى البيان مُلك سليمان .

وإذا وعظ مصطفى الصادق نفذ إلى السرائر , وصور للإنسان فضائله ورذائله تصويرًا لا يدع له أن يختار إلا الأولى وأن يهجر إلا الثانية . وهو لا يعمد إلى النذُر يصبها على النفس صب السياط , يألم لها الجسم , ويموت القلب , بل يعمد إلى الحياة يصورها هنا على حقائقها نافيًا عنها تلبيس إبليس , وإلى القلب ينفخ فيه العظمة , ويبث فيه الفضيلة والطهارة والطموح إلى كل خير , والنفور من كل شر. واقرأ " وحي القبور"

وهذه المقاصد الجليلة والنزعات السامية بخالطها دعابة دقيقة ، وسخرية نافذة ؛ ترى الكاتب يرتفع فوق العالم ثم يسخر مما عبَّد الناسَ من أباطيل وأهواء ، فإذا التماثيل التي يسجدون لها تهاويل ، وإذا الهول الذي يفزعون منه تهويل ، وإذا العظمة والكبرياء والسلطان والجاه والغنى وكل ما عدًّه الاجتماع عظمة لقوم وحقارة لآخرين ، أضاحيك يخلقها الجهل ، ويهدمها العقل , ويقدسها الإنسان حيوانًا , ويحطمها الإنسان إنسانًا - وأعوذ بالله من الرافعي إذا انطلق ساخرًا يرسل بيانه طعنات دراكا وهو يضحك ضحك البرق فى السحاب الراعد ، أو لمع السيف فى يد الضارب .

وبعد ، فهذا وصف الروض فى كلمات لو كانت أزهارًا ما مثلته , ونعت البحر فى سطور لو كانت أمواجًا ما صوَّرته . فأما الروض فى بهجة جماله ، والبحر فى روعة جلاله ، فهما ما خطه الرافعيّ . فإن شئت فقل جنات فى صفحات ، وعباب فى كتاب ؛ وإن شئت فقل إنه العالم فى سطور قد انتظم ، ووحي إلهي سماه الرافعي " وحي القلم " " ذلك الفضل من الله "

اشترك في نشرتنا البريدية