ملكت حوادث السياسية العالمية والحرب الثائرة في أطراف الأرض اليوم كل اهتمام الناس في مصر ، كما ملكت اهتمامهم في سائر الأقطار حتى كأنهم قد أصبحوا جميعا وليس لهم إلا وطن واحد هو العالم كله ، وقد ثارت في ذلك الوطن حرب أهلية بين حزبين أو بين شيئين تنادي كل منهما بمبدأ وتسعى إلي الاستيلاء على الحكم ، والناس يترقبون سير المعركة ، ويترقبون نهايتها بقلوب قلقة وشجون ثائرة .
ولم تخل النفوس في كل شعوب الأرض من هزة خفية أو لذعة ألم كمينة في قرارتها كلما شاهدت ما في هذه
الحرب العنيفة من كوارث تهدد المدنية بالانتقاض من أساسها . حتى الأمم التي تخوض المعركة في أقسى صورها ، لم تخل شعوبها ممن يرددون رثاء العالم ويظهرون الجزع على المدينة الحاضرة . تلك المدنية التي تعاونت الشعوب كلها على بنائها ، والتي بذلت في سبيل إقامتها أعمار ثمينة وعبقريات فذة ، والتي علقت عليها آمال عظام في مستقبل البشرية عامة . ولقد سمعنا في أقوال زعماء السياسة آيات نقيض بالأسف على ما تقاسية الانسانية من ويلات ، وتلوح في ثناياها عواطف الانسان نحو الإنسان ، وإن كان ذلك الانسان من شعب قد ساقه
قادته إلي التدمير والتفاني ، وأثاروه إلي الحقد والعداوة التي لا تعرف هوادة . فلا يسع المتأمل في هذا كله إلا أن يرى أن هذه الحرب الثائرة لم تدع إليها عداوة بين الشعوب من أمثال تلك العداوات التي كانت تدفع بشعوب الشرق والغرب في القرون الحالية ، وتجعلها تجتاح الأرض وتدك ما تجده في سبيلها من آثار العدو الممقوت . ليس الحال اليوم قريبا من حال تلك الأيام الغابرة ، فقد قطعت الإنسانية مرحلة التقاطع والتنابذ ، وكادت تبلغ أملها في التعاون بين الأقوام ، وفي إقامة السلام العام بينهم على أساس من التفاهم والتوافق لولا أن أصيب العصر الحاضر بمرض اعترض سلامته ونقض كل ما كان مؤملا من التقريب والتعاون بين شعوبه ؛ فقد تمكن أفراد قلائل في بعض البلاد من انتزاع أزمة الحكم قهرا من جمهورها ، وقاموا على رأس دولهم يوجهون سياستها كما شاءت لهم نفوسهم المريضة ، وكما صورت لهم عواطفهم الشاذة ، وبذلك شهد العالم مشهدا لم يسبق له مثيل في دول لها مثل ما لدول الوقت الحاضر من رقي فكري وبصر عميق بأمور العلم والثقافة
وليس من شأننا هنا أن نناقش الدوافع التي دفعت هؤلاء الزعماء المرضى إلي موقفهم ، الذي أدى إلي إشعال تلك النار المدمرة في العالم ، مجازفين بتحطيم المدنية وإزالة آثارها التليدة . ولكن علينا أن ننتبه إلي ما يجري حولنا ، وأن ننظر اتجاه الحوادث لمعرفة مكان مصر منها . فقد وقف شعب مصر في وسط هذه الحوادث كما وقفت الشعوب الأخرى ، وقد غلب عليه الأسى والاهتمام حتى كاد ينسيانه نفسه ، ويجعلان حوارته الخاصة كلها أمور ثانوية ترد إلى ظهر المنظر ولا تبرز في صدره .
ولكن الواجب واضح ؟ فنحن إذا نظرنا حولنا إلى معركة العالم ، كان علينا أن نذكر دائما اين موقفنا منها ، وأن تناول أن نعرف موضع أقدامنا في الوقت الحاضر ،
وفي مستقبل الأيام ، بصفتنا شعب مصر العريق في القدم ؛ التطلع إلي آمال المستقبل .
ليس بين أقطار العالم قطر يشبه مصر في ظروفها الجغرافية والسياسية ، فهي بلاد فذة منذ طلع فجر التاريخ من الناحية الجغرافية ؛ فليس يوجد قطر آخر تنتهي عنده مواصلات الشرق من جهة ، ومواصلات الغرب من جهة ، وإذا قلنا (( مواصلات )) فلسنا نعني بها مواصلات البحر وحده ، بل نعني كذلك مواصلات البر والهواء ؛ كما انه لا يوجد قطر آخر يصح تشبيهه كله بأنه قلعة حصينة تحوي في داخلها كل ما يسمح لها بالمقاومة وتقوم على حدودها جدران هائلة من الصحاري الفسيحة التي تمكن حميتها من الدفاع عنها بغير أن تصاب هي بآثار الهجوم الخارجي وبكوارث الغزو . فإذا وجدت في مصر الحامية القوية وخطوط المواصلات السليمة كان من السهل ان تمدها مصر بما تحتاج إليه من المؤونة اللازمة لمواصلة القتال ، وأن تجعلها فارغة للدفاع وحده لا تنظر إلي شئ غير قتال العدو ، وتفسح أمامها المجال للحركة في مدى واسع النطاق ، لا تقيدها قيود الطرق والأنهار ، ولا تعترضها القرى الآهلة .
وأنا من الناحية السياسية فإن شعب مصر شعب فدعم قد شعر بنفسه منذات القرون . شعر باه شعب ناتج بنفسه متجانس في كل مميزاته معتز بماضيه حريص على استقلاله ووحدته في مستقبله .
وهو شعب هادئ وديع يرحب بمعاملات العالم كله ، ويحرص على تدعيم علاقاته بسائر الشعوب ، قريب إلي تفهم ثقافات العالم المختلفة ، وراغب في الانتفاع بكل ما هو مفيد منها ، غير ضنين بأن يبذل للعالم خير ما عنده ، في سبيل خير الإنسانية الأعم . ولكنه مع هذه الأوصاف ثابت العقيدة في وجوده لم يتزعزع عنها في عصر من عصوره ؛ فقد قاوم الرومان والتمس لهذه المقاومة وسائل شتى ، لم ينزل أثناء حكمهم له عن مقاومته ، ولم يتهاون فيها في جيل من
الأجيال- ثم قاوم الحكم الأجنبي كله حتى أيام الترك ، فما زال حريصا على التميز عنه والاحتفاظ باستقلاله النفسي ، حتى آل أمره إلي الاستقلال السياسي المنشود . وقد أبدى في ذلك الجهاد حرصا شديدا وعنادا قويا لم يضعف شيء منهما على توالي الكروب والأهوال .
ولا يمكن لاحد يريد أن يرسم لمصر سياسة أن يهمل كل هذه الاعتبارات جميعا وهي كلها تؤدي إلي نتيجة واحدة ؛ أن مصر بطبيعتها الجغرافية وطبيعتها السياسية وحدة تامة مستقلة ، لم يكن من الممكن في وقت من الأوقات أن تندمج في غيرها ، أو تتنازل عن شخصيتها ، أو تفنى في غيرها . بل لقد دلت حوادث التاريخ على أنها مثلت كل الشعوب التي ظنت في وقت من الأوقات أنها غلبتها ، وضعت ابناء تلك الشعوب إلي أفراد شعبها وخلطت دماءهم بدمائها .
فكل سياسة مستنيرة لابد أن تعتد بكل هذه الظروف وأن تقوم على أساس واحد واضح ، وهو أن تكون مصر وحدة مستقلة تتعاون مع الوحدات الأخرى التي يضمها العالم في الشرق والغرب . وإن كانت حوادث الحرب اليوم تجعل الجو مظلما غير واضح المعالم ، فإن على الساسة أن يخترقوا حجب الظلام الحاضر لكي يجعلوا خطاهم متجهة نحو هذا القصد الواضح ، حتى تؤمن العثرات وتتحاشى الأخطاء .
وقد استقر مركز مصر السياسي منذ أبرمت معاهدة الصداقة الوثيقة بينها وبين بريطانيا العظمى ؛ ولم تكن تلك المعاهدة حادثة مفردة ناشئة عن الصدفة أو الاتفاق الوقتى بل كانت نتيجة سير تيار الحوادث منذ سنين طويلة . فإن بريطانيا العظمى بحكم ظروف إمبراطوريتها قد وجدت نفسها مرتبطة بمصر ، ووجدت مصر بحكم ظروف موقعها أنها مرتبطة ببريطانيا العظمي ؛ وكانت بين الامتين وجوه عظمي من التلاؤم مع اختلاف البيئتين ، وذلك لأن المصالح
قد جمعت بينهما عند نقطة قوية كانت أساسا صالحا لعقد تلك المعاهدة المباركة .
فمصر الحريصة على استقلالها قد رأت أن ذلك الاستقلال يستلزم انضمامها إلي جانب بريطانيا في نضالها حتى تطمئن إلى عدم الانفراد أمام الدول الأخرى التي قد تطمع في الاعتداء عليها ، كما أن بريطانيا قد رأت أنها محتاجة في ذلك الجانب من العالم إلى صديق تطمئن إلى صداقته للأمن على مواصلاتها الامبراطورية ، ولا تخشى منه طعنة توجه إلى نقطة هامة من كيانها ، وتجد عنده في وقت الأزمات ما يساعدها على حفظ مصالحها . فاستقلال مصر بالنسبة لمصر أساسي لحياتها ، واستقلال مصر بالنسبة لبريطانيا أساسي كذلك لضمان وجود الصديق على طريقها الحيوي .
هذا هو ملخص الموقف في نظرنا ، وهو ما يجب أن يوضع أمام الأنظار دائما لكي تتوفر المصالح جميعها وتطمئن الخواطر من نواحيها . ومنذ أحست مصر أنها قد صارت حليفة لبريطانيا سادها اعتقاد قوي بأن مصلحتها هي أن تكون بريطانيا سالمة قوية ، وأصبح أهم ما تصبو إليه أن يبعد عنها خطر الاعتداء من أية دولة أخرى قد تطمع في الاعتداء على استقلالها ، ولذلك قد بذلت في هذه الحرب كل ما تستطيع قلعة حصينة أن تبذله في سبيل المعاونة على تحقيق سلامتها . حقا أنها ليست عدوة لبلد من البلاد المتحاربة بالمعنى المفهوم من العداوة الدولية ، ولكنها حريصه كل الحرص على أن تدفع عن أرضها كل محاولة المساس باستقلالها . حتى وإن كانت هي غير مقصودة بالاعتداء في نفسها ؛ فإذا كان القتال الدائر بين الأمم يؤدي إلي المساس بذلك الاستقلال استرخصت في سبيل الذود عنه كل غال من الأموال والآنفس ، حتى تكون أرضها حرما معصونا . وهي اليوم واقفة مع حليفتها العظمى وقلبها ثابت وغرضها واضح ، ونفسها سخية بكل ما يستلزمه الجهاد في سبيل المحافظة على أرضها من تضحيات .
وقد بذلت مصر من تلك التضحيات ما نعتقد أن الدولة
الخليفة العظمي تقدره لها حق قدره . ولم تتردد في إنقاذ عهدها بحرفه وروحه ، كما يجب على أيه أمة شريفة .
ولسنا في حاجة إلي بيان ما يجب علي مصر أن تقوم به من التجهز لكي تكون قادرة على تأدية واجبها كاملا في الدفاع عن نفسها ، فأن كل مصري يعرف ذلك ويرغب فيه أشد الرغبة ؛ وإذا كانت ظروف الماضي قد عاقت ذلك التجهز فإن ظروف اليوم مواتية للمضى فيه بغير تردد ؛ فإنا نحمد الله على أن عقيدة الحليفة العظيمة في صداقة مصر قد صارت اليوم تامة بفضل ما أظهرته الأيام من فائدة تلك الصداقة وإخلاصها ؛ فليس في الوقت الحاضر ما يمنع من أن تسير مصر في تجهزها إلي مداه لتكون أقدر على تأدية واجبات الدولة المستقلة الصديقة .
ولكن يجب ألا يبعد عن أذهان أبناء هذه البلاد ، ولا عن أذهان أبناء الشعب البريطاني الصديق أن مصر
إذا كانت ترغب في الاستمرار على التجهز وإتمام وسائل صيانة الاستقلال فأنها قد بذلت إلي اليوم في سبيل الدفاع عن نفسها جهودا لا تقدر ، وإنه بفضل هذه الجهود العظيمة وبفضل إخلاصها في انفاذ معاهدتها المباركة قد مكنت حليفتها العظمى من أن يصاحبها الفوز في هذا الركن من الأرض ، وهي تنتظر ذلك اليوم الذي تنجلي عن العالم غمة هذه الحرب القائمة ، وتنتهي المعركة بنصرة الحق والمدنية والديمقراطية ، لكى تكون أقدر على تدبير شئونها وعلي معاونة العالم في أيام السلم وعلى تطمين صديقتها الكبرى على أمنها في هذه النقطة التى يصافح فيها الشرق الغرب . فمصر القوية المستقلة بغير شك خير ضمان لأمن صديقتها وشد أزرها والمحافظة على مصالحها ، ولاشىء أضمن في علاقات الدول من صداقة قائمة على الثقة وحسن النية وإخلاص الأحرار .

