الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 669الرجوع إلى "الثقافة"

يد الإنسان

Share

في هذه المقالة فكرة جديدة جريئة صادقة في كثير من نواحيها ، لولا أن الكاتب قد أسرف وبالغ في اردرائه للطبيعة ، ناسيًا أن الإنسان الذي نعلى من شأنه هو نفسه طبيعة . " الثقافة "

اعتدنا في حياتنا أن نمتدح شيئا ونطريه فنقول : إنه طبيعي ، وإن يد الإنسان لم تعبث به . ولكن هذا الإطراء - لو تعلم - لا يدل على فهم صحيح لحقائق الأمور ، ولا يبعث على الإحساس بصدق دعوانا . فإن نظرة يسيرة إلى نظام الحياة وأسلوب المعيشة في جملة من الدول الراقية تشعرنا بأن هذا الحكم خاطئ من أساسه ، وأنه لا معنى على الإطلاق لدعوى الطبيعة في شئ إلا إذا أحسسنا بخموله وكساده . ولو كنا من ذوي الفهم الصادق لما يجري على الأرض من أحداث ، لأطرينا الشئ وامتدحناه على أساس أنه وليد التفكير الإنساني ، وناتج عن العبث اليدوي بأطرافه . أعني أنه من الضروري - وقد وصلنا إلى هذه الدرجة من التحضر - أن نفطن إلى قيمة التدخل الذي تقوم به يد الإنسان في محيط الحياة من حولنا ، وفي نظام الأشياء والموجودات الماثلة . فكأنما قد تركز السحر في أصابع الإنسان وأنامله ، حتى لا يكاد يلمس شيئًا من الأشياء إلا ويحيله إلي كيان له قيمته وجدواه . ولا يكاد يعبث بمشاهد الطبيعة إلا ويجعلها ذات فائدة وذات معنى عملي مفهوم .

كنت أجلس في ليلة من ليالي الربيع الماضية مع أسرة فرنسية على سطح إحدي العمائر الكبيرة بالقاهرة . وكان المنظر رائعًا حقًا ... سطوح وأقبية ومآذن تحت أشعة القمر الفضية . . خلاء من كل جانب تموج به أشباح أغصان وأشجار باسقات . . سكون لا هو بالمطبق فيوحش الليل ، ولا هو بالضائع بين دواعي السمر واللهو البريء . فقالت السيدة : ألا تشعرون بنعمة الله عليكم، إذ من عليكم بهذه النسائم الصابحة ، وبهذا السماء الصافي ، وبهذا القمر المتلأليء . فوقكم ، كأنه رب لأمسيائكم الجميلة . قلت : إني لا أجد في

هذا المنظر - البهيج في رأيك - أي داع من دواعي المسرة ، وتكون نعمة الله أكبر إذا استبدلت لي بهذا القمر المتلأليء مصنعًا للأدوية . وأقمت لي محل هذه النسائم مداخن تملأ أنفي برائحة الحديد المصهور ، ونصبت لي في هذا الخلاء ورشة أو معملًا أو آلة ضخمة لتفتيت الحجارة ؛ قالت : وئ يء . . لو أنك رأيت ما تعانيه شعوب أوربا من المتاعب والألام بسبب القاذورات التي تنفسها المصانع ، والغبار الذي تنثره المداخن . والذل الذي يقاسيه العامل . . لو أنك لمست عن قرب هموم الأهلين في القري الصناعية لاثرت أن تعيش هنا إلى الأبد بجانب الصحراء المترامية ، وخلف أشجار الزيتون والبرتقال ، وقريبًا من مياه النيل الصافية العذبة .

قلت : هذا صحيح ولا شك ، ولكن بقدر ما تدفعون وتبذلون تحصدون على الكرامة والمكانة اللائقة بأمتكم . وما من إنسان يقول إنه سيحقق الكرامة لبلده . وسيرفع من شأن أمته ، وهو جالس يحصي مناعمه بين الرمال الصفراء والبحر المترامي والشمس الساطعة والهواء المنعش الجميل . فبقدر ما يضع الفرد من نفسه ترتفع أمته ، وبقدر ما يبذل من الجهد والنشاط تنال بلاده ثمرة أعماله . ثم إنني لا اعتقد في الطبيعة بقدر ما أعتقد في الصناعة . . أحب التكلف لأنه عنوان الجهد المبذول ، وأحب التصنع لأنه دليل على التدخل البشري ، وأفضل المدنية على الفطرة . وأعتقد في أن ما لم تممسه يد الإنسان هو مجرد طاقة خالية من المعنى وقوة هوجاء تبعث على القرف والاحتقار .

ولا أدري إلا أي حد يشاطرني القارئ رأيي فيما ذهبت إليه عندئذ ، ولكنني متيقن من صدق دعواي . وأنه ما من شيء يفسد علينا حياتنا ، ويحول بيننا وبين التقدم ،

ويحرمنا من الحياة الكريمة سوى جنوحنا الغريب إلى مظاهر الطبيعة ، وغرامنا الشديد بمشاهد الكون واحترامنا العميق لكل ما لم يمسه بشر . إننا أنانيون . . نحب البكارة في كل شئ . ونتمني أن تبقى هذه البكارة دون أن ننفضها ، كأنما نحرم على أنفسنا أن نغير ما رسمته يد الطبيعة على صفحة هذا الكون ، من معالم وخطوط . وهذا يدل أول ما يدل على انعدام الروح العلمية في نفوسنا وعلى أننا أقرب إلى الخرافة منا إلى العمل العقلي السليم . فلا زالت الأوصاف البلدية سارية عند معظم الناس بحكم اعتقادنا في أن المواد الطبيعية أدعى للشفاء من تلك الأدوية الطبية التي ركبتها يد الإنسان ، وعبث بها الكيماويون ! ولا زلنا نفضل الهواء النقي علي الدخان المتناثر في الجو بحكم الكراهية الكامنة فينا للصناعة وما تتطلبه من تغيير . ولا زالت الراحة والهدوء وجمال الطبيعة يغرينا بالإبقاء على مظاهر الحياة كما هي ، وعدم إدخال المدنية في القرى والريف حتى يظل أمام الإنسان متنفس ، وحتى يجد الحماية من آثار المدن المتعبة للأعصاب الخانقة للروح .

إن الغربيين يأتون للسياحة في بلادنا ، ويستمتعون بالهواء والصحراء والمزارع والهدوء . فيوهموننا أن هذه الأشياء لها قيمتها ، وأنها تساوي ما يتكلفة السائح من جهد ومال في سبيل الحضور إليها من أقصى بقاع الأرض . وإلا فهؤلاء السائحون مجانين يلقون بأموالهم في سبيل أشياء خرافية ؛ والواقع أن الأمر بالنسبة إليهم في غاية المعقولية . ومن صالحهم دائمًا أن تظل هذه المعالم قائمة في بلاد غير بلادهم حتى لا تتعلق برقابهم مسئولية هذه الأوطان . ويستمتعون ، في الوقت نفسه ، بما يتوفر لها من دواعي المسرة والبهجة وهدوء البال . أما بالنسبة إلينا فعار ، فيما أعتقد ، أن نباهي بهذه المناظر الفريدة ، وأن نفخر بالأرض الخلاء ، وأن نشيد بمعالم الطبيعة في كل جانب . بل يحس الإنسان بالحسرة والألم عندما يجد من بين مواطنيه من يحارب المدنية ويكفر بالأدوات الصناعية ، وينظر بعين الشك إلى الأساليب الحضارية في المعاش اليومي . وقد جعلنا السائحون . لكثرة مارددوه عن جمال مصر وبهائها ،

نشعر بقيمة أشياء لو أنها كانت في بلادهم لاحتقروها غاية الاحتقار ، ولأسرعوا إلى تبديلها وتحويلها إلى مصانع وورش ودور عمل وتجارة . ولكننا بسطاء إلى حد كبير ، ونصدق الأكاذيب ولو كانت في غير صالحنا ، لا لشئ إلا لأنها توافق ما في نفوسنا من ضعف وخمول ورغبة في الراحة والبلادة .

وأنا شخصيًا لا أكره شيئا قدر ما أكره هذه المجالي الطبيعية التي لم تتدخل في تحويرها يد الإنسان ولم تعمل على تغييرها إرادة الأفراد . وعلى أساس هذه الكراهبة أوجه حياتي . . فتجدني مثلا أنفر من شاطئ البحر الذي أعدته الطبيعة ولم يتكلف الإنسان جهدًا من أجل تجميله وتزيينه ، وأشعر بالاشمئزاز أمام الصحراء الممتدة بغير أن تظهر على رمالها أقدام بشر ، وآنف من حياة البدو الذين يتأثرون في مزارعهم بما يهبط من الغيث ، وأبتعد عن كل ما يتطلب استسلامًا وارتكانًا إلى شئ خارج عن إرادتي الشخصية .

وليتنا نستطيع أن نجول بهذه النظرة بين أنواع النشاط عندنا لندرك إلي أي حد هي تافهة عقيمة . ليتنا نقوى على مصارحة أنفسنا بأن هذه " الطبيعة " التى نفضل على أساسها الأشياء ونفرض بمقتضاها القيم ليست سوى أكذوبة ضخمة ، وأننا أحوج ما نكون إلى إقحام أيدينا في إمكانيات الطبيعة حولنا كيما تصبح مصبوغة بصبغة الفرد مدموغة بدمغة الإنسان . ونكون مقصرين في حق أنفسنا بقدر ما نرى في بلادنا من الأراضي المترامية بغير استثمار ، والأيدي العاملة بغير تشغيل ، والقوى الكامنة بغير استغلال ، والمظاهر الطبيعية بغير تحويل . بل ننظر بهذا المقياس في أخص خصائصنا لنرى كيف أن هذه النظرة الضيقة أفسدت علينا استطعامنا للفنون وتذوقنا للأدب والشعر . ترى النقاد عندنا يستملحون القصيدة لأنها جاءت نفحة موحاة بدون أن يتكلف صاحبها عملية الإخراج . وأفسد الشعر فيما أعتقد هو ذلك الذي يأتي عن طبيعة ولا يحاول صاحبه تجويده وإتقانه . فالصنعة ضرورة لازمة في العمل الأدبي ، ولا تعدو الروح الطبيعية أن تكون أسطورة لدى الكتاب والشعراء . وأصحابنا الفطريون الذين يجدون اللذة في قراءة الآداب المطبوعة

ليسوا منافقين ، وإنما جهلاء بحقيقة العمل الأدبي الذي يتطلب درجة شديدة من الوعي وقدرة فائقة على الصناعة وامتيازًا كبيرًا في استخدام العناصر والأدوات البيانية

وفي الفنون ترانا نكره المذاهب الجديدة في الرسم لبعدها الكبير عما تعودناه في مشاهد الطبيعة الخارجية . لا زلنا حتى الآن نرتاح لمشهد الشجرة والوردة والبحر والسماء والسحاب . لازلنا نؤله قوى الطبيعة ونسخر من قدرة الإنسان ونحارب روح الابتكار ونتفنن في التصغير من شأن أنفسنا . لازلنا نكبر قواعد الوجود الطبيعي ونسخر من الأخلاق الفردية ، ونرفع قوانين العالم الطبيعي على قوانينا الشخصية ، ونضحك ملء أفواهنا من الفتى الطائش الذي يريد إخضاع الحياة لإرادته ويفرض على الوجود قانون فكره . وبدل أن نتكاتف من أجل أن نعلي كلمة الإنسان في الأرض ، حارب كل منا الآخر وهزأ منه وحاول أن ينال من آرائه بشأن الطبيعة الخارجية التي لا يصح في رأيه أن تعادى طالما كانت صاحبة الحول والطول في حياتنا . والحقيقة هي أن الإنسان مضطر إلى مواجهة الطبيعة ومعاداتها في كل حين وعدم مهادنتها بمحال من الأحوال . . فلو تمكنت منه لأنزلت به أقبح ألوان البلاء وأشد ضروب المحن . ولو لم يسع لمقاومتها وتسخيرها لفرضت قوانينها عليه وأخضعته لظروفها وجعلته رهن إشارة من سحاب مار أو جبل منهار . وليتنا نلاحظ بهذه المناسبة أن الإنسان موجود في الكون رغم أنف الطبيعة . فهي تحاول إفناءه بشتى السبل وتسعى لإبادته وتبدع الوسائل المختلفة لمحوه ، ولكنه - بفضل المخلصين من البشر - قد وقف على رجليه وصار يقاوم مظاهر الفناء في جوانب الكون ، ويقحم إرادته في الظروف المحيطة به ، ويحاول التحكم في القوى الغاشمة التي يناله منها الأذى .

فالفن إذا خالف الطبيعة صاحبه التوفيق وامتاز بالشذوذ والغرابة وأثار الدهشة في نفسية المتأمل . وذلك هو الأصل الأول في تقدير العمل الفني . ولا تحاول أن تثير في قلبك الشك بشأن ما أزعمه ها هنا قبل أن تحاول النظر في الأمر بعقلية مستنيرة وبمزاج متحرر . فما من شئ يدعو إلى الفتور

مثل رؤية صورة للشجرة مائة مرة ، ملقاة في أحد جوانب اللوحة ، ولا يختلف شكلها إلا في عدد الأوراق ومقدار الليل في الأغصان وعدد العصافير المعشة عليها . أما الفن الحديث - خصوصا الرسم - فيحاول إعطاء فكرة ولا يهمه أن يأتي الشيء مطابقًا لما هو قائم بالعالم الخارجي ، وإنما يهمه أن يبرز فكرته الشخصية من باطن روحه وأن يجمعها عناصر حية ، وأن يطلب من الطبيعة محاكاة ما يرسمه ولا يجعل رسمه محاكيًا للطبيعة . . إذ يكون عمله في هذه الحالة مجرد تقليد باهت .

يد الإنسان هي رمز لقوى الفرد ودليل على ما يبذله في نطاق الوجود . هي العصا السحرية التى أمكنها أن تهب الحياة معنى الجمال وأن تسبغ على الكون روحا سامية وأن تخف من وقع المأساة على الأفراد في معاشهم المحدود . وصرنا الآن نتحسس يد الإنسان في كل شئ . والحياة الطوبوية إنما تتحقق بأن يمتد النفوذ البشري إلى كل ما يدور في داخلية هذا العالم الأرض المرذول .

اشترك في نشرتنا البريدية