نعم اين نحن اليوم ، من عالم اليوم ، ولكي أجيب على هذا السؤال الذي دار بخلدي زمنا طويلا يجب أن ألم بحقيقة الواقع لأعرف بالضبط اين نحن من عالمنا ؟
إنني فرد من هذه الكتلة الضخمة التي يقال لها العالم الإسلامي . ولكل فرد في هذه الكتلة حق التفكير فيها وفي مصيرها . ومعرفة موضعها بين مواضع مثيلاتها من الأمم المتكتلة
وذلك الحق من الحقوق التي منحها الإسلام لكل فرد من أبنائه " فالمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا " وما دام الإسلام أعطاني هذا الحق فلماذا أمتنع عن أخذه .
إن الذين يثبطون العزائم بقولهم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " لم يفهموا هذا الحديث النبوي الكريم حق الفهم أو انهم يفهمونه ولكنهم يموهون على الناس الحقائق متخذين من الحديث الشريف أداة للتمويه وللمغالطة . كيف يكون المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص إذا كان إخوانه في العقيدة ووضعهم في الحياة لا يعنيانه ؟ إن " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، لا يعني أكثر من الحث على حسن سلوك المسلم مع إخوانه المسلمين في حياتهم الداخلية الخاصة ، فإن ذلك لا يعنيه حقيقة في كثير أو قليل ما لم يطلبوا إليه العناية والاهتمام بذلك .
أما حياة المسلمين العامة فيجب أن يعنى بها كل فرد من أفراد المسلمين بدافع من نفسه ، ويفكر فيها ويهتم بها ويساهم في خدمتها وتقوية بنائها والدب عنها . وإلا كان مقصرا في حق دينه وأمته وأبناء ملته .
إن السياسة العالمية قد انتهت من تقسيم العالم إلى قسمين لا ثالث لهما : القسم الشرقي وتعني به الاتحاد السوفيتي والقسم الغربي وتعني ، أمريكا وحليفاتها . أما الكتلة الإسلامية فلا تتحدث عنها إلا أنها تبع لإحدي الكتلتين . ولم ترض السياسة العالمية ان تجعلها قسما ثالثا ، بل اسقطتها من هذا الحساب . وهي على حق فيما ذهبت إليه - كما هو
منطقها - أو كما هو منطق الواقع - لأن كتلتنا لم تثبت جدارتها لأن تكون معسكرا ثالثا له ما للمعسكرين من قوة تدعو إلي الاحترام .
وكلا المعسكرين الشرقي والغربي عدو لدود للآخر بحكم نظامه الإداري والاقتصادي ، فالنظام الرأسمالى لا يمكن أن يهادن النظام الشيوعي ، والحكم الأنوقراطي عدو الحكم الديموقراطي ولا يمكن أن يلتقيا بوجه من الوجوه ، وكلا المعسكرين مخلص لفكرته ومبادئه إخلاصا لا يرده شئ عن التضحية في سبيل رسوخه وانتشاره بأغلي ما يحرص عليه الإنسان . ولذلك فقد كلا المعسكرين حياة الاستقرار والهدوء حتى صار الناس في الأتحاد السوفيتي كما قال " فيكتور كرافتشنكو " في كتابه اثرت الحرية : " يعيشون في مطحنة ويموتون في مجزرة " وهو قول لا يصدق على الاتحاد السوفيتي وحده . لكنه يصدق علي الأمم الغربية ، وعلينا أيضا من حيث الجملة وإن كان من حيث التفصيل يختلف بإختلاف نظم الحكم التي تسير عليها كل مجموعة في فلكها ، لأن الناس ، إما في حرب أو في استعداد للحرب ، وكلتا الحياتين حياة الحرب وحياة الاستعداد للحرب لا تدعو للطمأنينة مطلقا ، وإن كانت الحياة في الشرق وفي الغرب - كما هي عندنا زاخرة بالمنغصات مكظوظة بالمآسي إلا أنها حياة تختلف عن حياتنا اختلافا بينا ؛ فهي حياة لفكرة ، حياة واعية عالمة لا تنقصها اليقظة في جميع مرافقها ، حياة الذين يملكون أمورهم ويعرفون مواضع أقدامهم ولا يتخطون أهدافهم ، ولا يسمحون للغش والخداع والزيف أن يغشي أبصارهم فيعميها عن الغرض الذي يسعون له والفكرة التى يعيشون لأجلها . ولم يسمحوا لبريق الحياة الزائف أن يلتهمهم كما التهمنا .
إن المجموعة الإسلامية تقدر بأكثر من ثلاثمائة مليون نسمة تنتشر في بقعة كبيرة مترامية الأطراف ولهذه البقعة شأن خطير من حيث موقعها الممتاز وخصب تربتها وغناها
بمناجم الفحم وابار الزيت وكنوز الذهب والفضة وكافة الخامات التى لا تستغني عنها مطالب الحياة الحديثة بوجه من الوجوه في زمن السلم وزمن الحرب . ومع هذا فقد ألغتها السياسة العالمية من حسابها كمعسكر ثالث يخشى خطره ، أو له خطره على الأقل . فماذا ألفنا من الحساب ، والجواب على هذا السؤال سهل ميسور لوضوحه وبداهته ؟ فمجموعتنا لا تعتنق مبدأ من المبدأين المتطاحنين . فليس لها روح الحماس الذي يدفع للأخذ بأسباب القوة التي تفرض الاحترام والخشية علي الغير . وليست هي كذلك متحمسة للدين الذي تحمل اسمه وتزعم أنها من اتباعه ومعتنقيه أو أنها صاحبته وحاميته . وكيف تتحمس لدين تجهله جهلا فاضحا بالرغم من انتسابها إليه ؟ إن مجموعتنا كما يبدو لنا ، لا تعرف من هذا الدين إلا اسمه . ولا تفهم من تعاليمه إلا طقوسا كطقوس النصاري وإلا رسوما شكلية لا تغني في بناء الأمم فتيلا
وإن أى مجموعة في الدنيا لا تجهل فكرة تعمل لها ولا تتخذ مبدأ تعيش من اجله لا يمكن أن يكون لها في الحياة خطر أو شأن . ومثل هذه المجموعة التي افتقدت روح الحماسة لدينها ولم تتحمس لأي شئ اخر لا تصلح إلا لأن تساق إلى مبادئ القتال دفاعا عن أى مبدأ من البادىء التي يدين بها الأقوياء من ذوي الحماسة للأفكار والعقائد . فإذا استطاع الاتحاد السوفيتي امتلاكها جندها راغمة للدفاع عن المبدأ الشيوعي ؛ ويصح العكس فيما لو استطاع المعسكر الذي يقابلة امتلاكها وقد استطاع كلا المعسكرين أن يقبض على ناصية الجماعة التي تحاذيه من الكتلة الإسلامية ويسخرها لأهوائه ويقذف بها في أنون الحرب المشتعلة دفاعا عن فكرته ووقف الصبي المسلم والفرغاني المسلم يصوب رصاصه إلى أخيه المغربي المسلم والسنغالي المسلم والسوداني المسلم في ميادين القتال ، كما رأينا ذلك في الحربين العالميتين . وكما رأينا الهنود المسلمين يقمعون الحركات الوطنية المسلمة في العراق . والسنغال المسلمين يقمعون إخوانهم المسلمين في سوريا ولبنان ليخضعوهم لفرنسا وبريطانيا ، خطرنا من حيث إننا وقود لحروبهم وجنود لقمع الحركات المعادية ثم غير منكور عند راسمي السياسة العالمية العليا .
فنحن إذا أدعينا الإسلام فإن كلا المعسكرين : الغربي والشرقي يعرف مدى ما في هذا الادعاء ، من حق وصدق .
فما هو بالجاهل حقيقة دعوانا . وما هو بالجاهل أيضا حقيقة ديننا وما ينطوي فيه من نظم وتعاليم . فكلا المعسكرين يعرف الإسلام حق المعرفة ، كما يعرف المسلمين معرفة تامة . فقد كان بين الشرق والغرب من جهة ، والعقيدة الإسلامية وأصحابها الأولين من جهة اخرى ،تاريخ طويل لنضال عنيف استمر أجيالا طويلة . وقد أغني هذا النضال الذي لا يكاد ينتهي حتى يبتدئ - الغربين والشرقيين على السواء . فلمسلمي الشرق مع قياصرة الروس ملاحم عنيفة ما زال التاريخ محتفظا بها ، ولمسلمي الغرب ملاحم اكثر عنفا مع اروبا كلها ، ما زالت ذكراها عالقة في الأذهان
وقد رأي الغرب أن يتجه - بعد هذه الملاحم - اتجاها آخر لهدم العقيدة الاسلامية في قلوب معتقديها يكون أسهل منالا وأبعد اثرا . وكان هذا الاتجاه هو مهاجمة العقيدة في معاقلها من قلوب المسلمين مهاجمة لينة ولكنها خبيثة فتاكة ؛ وفعلا فقد كانت أفتك من الجيوش الفتاكة التي كانت تساق لقتالنا في حره ، وحقد في عقر بلادنا أيام الحروب الصليبية الطاحنة . لقد هاجمونا في تؤدة وصبر وأناة هجوما لينا رفيقا هادئا بكل طرائق اللين والرقة والهدوء حتى استطاعوا قتل الحماس الديني في نفوسنا وإبادته ابادة ذريعة مفزعة ، فلم يعودوا يخشون سلطانها . وقد أصبحت نتيجة ذلك الهجوم الرقيق الهادي اللين عودة الحماسية للدين رجعية وجمودا ودعوة إلى الهمجية ، والاستمساك به استمساكا بالعاديات القديمة التى لا تصلح إلا للمرض في المعارض والمتاحف ، وصارت أصوات القائلين بالعودة إلى الإسلام أقوالا لا تصلح إلا لأن تبدد في الهواء
لقد عمد الغربيون إلي الدعائم الأولى في الإسلام والتي هي مبعث الحماسة في القلوب وأجلبوا عليها بخيلهم ورجلهم حتى ذكوها في قلوب أجيال منا ، واستطاعوا أن يستهووا بريق مدنيتهم جماعة من كل مجتمع إسلامي ويكونوا منها طبقة من الحكام والعلماء لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه ، وإلا هذه الأطلال الدارسة من هذه البنايات التي أقيمت تحت ستاره ، وجعلوهم حفظة عليها وسدنة لها . وأمدوا هذه الطبقة المختارة بكل أسباب القوة وأحاطوهم بكل أنواع الإغراء ، وبذلك صرفوهم عن معاناة البحث عن جوهر الإسلام وروحه . فاكتفي هؤلاء الحفظة بالاقتصار على اتخاذ القرآن تراتيل
وانغاما يتغني بها في المآتم والأفراح ، وافتتاح الحفلات واختتامها ، وجعلوا مقامات الأولياء وقبور الصالحين محل عنايتهم واهتمامهم لتكون هذه الأماكن وما يقام فيها من مراسيم ملهاة تتلهي بها الجماهير المؤمنة بذلك إيمانا تقليديا ، ولتساق الجموع بهذه المراسيم المحتفي بها إلى حيث يراد لها أن تساق باسم الإسلام وتحت ستاره ، وقالوا : هو هذا الإسلام ، والويل لمن خرج عن ذلك ، ومهدوا للخرافة والأضاليل الطريق لغزو الأفكار والأفئدة ، فاعتنت بالقشور وحظر على المسلمين السلوك في طريق الحياة الصحيح بالفهم السليم والعقل المتبصر لتعاليم الإسلام الصحيحة ومن سلك برغم ذلك الحظر المضروب طريق الصواب وجاهر به رمي بالخروج على الملة والمروق من الدين .
وأمدت الطبقة الحاكمة طبقة العلماء السائرة في موكب الهدم بكل ما يجعل هؤلاء العلماء في الطليعة ، والجمهور تخدعه المظاهر ، فصارت الزعامة الروحية ملكا لهم لا تتعداهم إلي غيرهم ودانت لهم المجتمعات حتى ساقوها إلي هذا المصير المحزن .
لقد تآمر هؤلاء العلماء ، وهؤلاء الحكام أو هكذا يبدو لنا وما زال يبدو لنا أنهم متآمرون مع أعداء الإسلام الصرحاء في الشرق والغرب على اغتيال الإسلام واغتيال بنيه ، وقد ثم هذا الاغتيال منذ
أمد بعيد ، ولم يبق إلا اغتيال بلاده وخبرائها واستصفاء ما فيها استصفاء نهائيا ، واغتيال تلك القلوب التي لم يزل فيها شئ من الحنين إلى حياة الإسلام الصحيحة ؛ وها هي بلادنا بفعل هذه الحرب الخبيثة الماكرة آلة تتنازعها أيدى الأقوياء المسيطرين على زمام السياسة العالمية يحركونها كيفما شاء لهم الهوي وكيفما شاء لهم الطغيان ، ينتقصون من أطرافها ويعطونها لمن شاءوا كيفما شاءوا ، وصرنا في ديارنا كالحول والأجراء ! أستغفرالله كالأرقاء في ضيعة كبيرة ، نشقي بالعمل الدائب لسعادة مالك الضيعة ، ولا يهمنا من مالك الضيعة ، لأننا لسنا أصحاب عقيدة تجعلنا نحب ونكره ونعمل أولا نعمل ، وكيف يتسني لنا أن نهتم بالسؤال عن صاحب الضيعة التى نعمل فيها بعد أن غزت عقولنا الضلالات وقبضت على أعناقنا أيدي التآمر والمؤامرات ؛ وما أشبه حكامنا بالحارس الذي لا يهمه إلا ارضاء من هيأ له العيش الناعم والكرسي الوثير والتحكم في الجماهير ؛ تلك هي حالة كتلتنا أو مجموعتنا الإسلامية في كل بقعة من بقاعها دون أن تستثنى شبرا من هذه البقعة المترامية الأطراف التى تسكنها ؛ ذلك هو موضوعنا اليوم من عالم اليوم . . ولم يبق لنا محل لأن نسأل - بعد هذا السؤال الذي بدأنا به كلمتنا - أين نحن اليوم ؟ .
يتبع
) القاهرة (

