الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 448الرجوع إلى "الثقافة"

١ - صمت جاك فارجيون

Share

كان الكاتب الروائى الفرنسى بول بورجيه علما من اعلام الأدب الفرنسي فى الربع الأول من هذا القرن ، وقد اشتهر بالرواية النفسية التى تقوم على وصف العواطف وتحليل المشاعر ، وتعارض الرواية الواقعية او الطبيعية التى تعتمد على الوصف الخارجي .

ويغلب على بورجيه التمعق فى التحليل ، ونفاذ النظر ، واستنباط النظريات الفلسفية ، والآراء الاجتماعية ، وقد يعجب الإنسان ما يظهره بعض الروائيين من المهارة فى تناول الحبكة الروائية والسرد القصصى ، ولكنه يحس وراء ذلك تفاهة الموضوع ، وسطحية الآراء . أما بول جورجية فهو ابعد ما يكون عن التفاهة والإسفاف فهو على الدوام عميق الملاحظة ، فلسفى الرأى ، طب بالنفس الإنسانية والقلب البشرى ، قوى القبضة على موضوعه ، بارع اللمسات ، ثابت الخطوات ، غزير المادة ، واسع الآفاق .

والأقصوصة الآتية تبين جانباً من خصائصه ولون أديه ، وهو يثير فيها مسألة هل يذيع الرجل سر امرأة او يحتفظ به ويبقية على الكتمان ؟ ولكلا الجانبين مدافمون ومحبذون ، ولو ان جاك فارجيون سارح صديقه الحميم لوشيان بما كان يعلمه من خطيئة زوجته لاغرق سعادة صديقه وسلبه الطمأنينة والمثالية التى كان ينعم بها ، ويستريح فى ظلها ، ولذا آثر الاعتصام بالصمت ، ورضى ان يفقد صديقه فهل كان على حق ؟

وقد كان لوشيان كلبرباك يعيش فى جنة الغفلة ، وكان يمكن ان يتهدد وهمه فى لحفلة من اللحظات ، وينتقل من عالمه الخيالي إلى العالم الواقعى . والآن أترك بورجيه يروي الأقصوصة عن لسان أحد أصدقاء الصديقين الحميمين : - أراد القدر أن أكون بكليرمون فيران - تلك المدينة

القديمة فى مقاطعة أوفرن التى نضوت بها طفولتى - فى عقب موت لوشبان كليراك اقدم اصدقائى ، وبالرغم من اختلاف سبلنا فى السنوات الأخيرة فقد دفعتنى ذكريات صداقة خمسة عشر عاما القوية النضرة إلى تشييع جنازته

ولقد كان أحد الفكهين الذين يميلون إلى الدعابة الحزينة يعلل فيه من مثل هذه الحفلات المهيبة بقوله : " فى نبني أن لا أحضر سوى جنارات معارف الذين يحضرون جنازتى " ومما يثير الاسف اننا حينما نصل إلي سن معينة نوارى فى الثرى جزءاً صغيراً من نفسنا عندما نقف إلي جانب قبر صديق من اصدقاء الطفولة .

وقد زادت هذه الفكرة الحزينة الشعور بالعزلة الذى آثاره فى نفسى الجمع الحاشد من الغرباء وقد عاش لوشيان كليراك فى ريوم بعد ان اشتغل بالمحاماة ، والرغم من انى كنت مثابرا على زيارته حينما كنت فى أوفرن ، فقد كان أصدقاؤنا المشتركون قليلين

ولذا شعرت بالارتياح حينما لمحت بين الوجوه الغريبة صديقا آخر من أصدقاء الدراسة ، وكان قد التحق بالجيش واعتزل الخدمة برتبة كولونيل ، وأقام فى باريز ، وكنت من الحين إلى الحين أصادفه فى النادى أوفى بعض الاجتماعات والحفلات ، وكان اسمه جاك فارجيون ، وتذكرت أنه كان هو وكليرياك صديقين متحابين متلازمين ، وكنت ارى أنه من المناسب ان يكون بالكنيسة لو لم لأكن قد علمت من كليرياك نفسه أنهما قد تشاجرا وفسد ما بينهما فسادا لا يرجي زواله

وحينها ذكرت اسمه لوشيان فى عرض الحديث قال لى : أرجو منك الا تذكر لى اسمه مرة ثانية ، لقد أساء إلى إساءة لا تغتفر ، وقد أصبح غير موجود فى مجال اهتمامى . وقد علمتنى الحياة من زمن طويل الا أسأل الناس عن احوالهم الخاصة والتماس الثقة التى لم تمنح باختيار وبغير تكلف ، فضلا عن كونه عملا خاليا من التبصر قد بنكاً

جرحا لم يكد يندمل ، ومن المحتمل أن يكونا قد اصطلحا أخيرا ، ولما كانت مدينة إسوار موطن فارجيون فلا شك فى انه كان له بها أقارب ، وفى اثناء إقامته عندهم سمع بموت كليرياك وجاء وفاء بحقوق ذكرى تلك الصداقة ، وبعد انتهاء الصلاة حينما اصطف الحاضرون لتقديم العزاء لأرملة المتوفى لاحظت ان فارجيون بدلا من ان ينضم إليهم قد اتجة نحو باب الكينسة ، فقصدت إليه ورأيت عينيه مغرورفتين بالدموع ، ولم أدهش لرؤيته ، وهو كذلك تلقى حضورى بهدوء .

وسألته : أجئت لتتحدث إلي مدام كليرياك ؟ فقال فى اقتضاب : لا .

- أتريد اللحاق بالقطار التالي الذاهب إلى إسوار ؟ - لا ، إنى ذاهب إلى المقبرة - سأذهب معك أنتظرنى ؟ . فقال : نعم أنتظر

وأدهشنى العنف المكظوم الذى تحدث به ، كما ادهشنى رفضه تقديم كلمات العزاء العادية لأرملة المتوفى .

ولا بد أن مدام كليرياك كانت امرأة فهداء قسيمة ، وقد عين جاك فارجبون وهو ضابط ناشئ فى مدينة ريوم ، فهل حدث بين هذين الاثنين شئ يستوجب المداء الاصم والخصومة المداء ؟ وهل اثارت الجنازة ذكرى مرة اليمة فى نفس صديق كليراك ؟ وبينها كنا سائرين إلى المقبرة اترددت يقيناً من أن شيئا من هذا القبيل قد حدث ، وأحسست وجود سر خفى فى الموضوع

ووقف فارجبون عند أبواب المقبرة كما وقف عند باب الكنيسة بند دقائق قليلة وقال : ساأنتظر ذهابك ، وستجدنى هنا حينما تعود .

فسألته : أتتناول الغداء معى ؟ سنتحدث عن لوشيان

- أشكرك

ولا تزال ذكرى تناولى الغداء مع فارجيون باقية الأثر فى نفسى ، فقد كانت من تلك المناسبات الخاصة التى تنفذ فيها ببصرنا  الى صميم قلب إنسان ؛ ولما كان صاحبى يتحدث تراءى وجه امرأة ، وتكشفت لى ملامحها لمحه لمحه وسمة بعد سمة ؛ وكان يزيد وجه هذه المرأة غرابة وغموضا انى رأيت أرملة المتوفى واقفة إلي جانب القبر تسكب الدموع التى لم يشك أحد فى صدقها ، وكانت همسات المعزين ما تزال تطن فى أذنى .

- لقد كانت مشغوفة به - لقد أخلص كل منهما للآخر . - إنها ستقفو أثره بعد قليل .

فهل كانت هذه هى المرأة التى تحدث عنها فارجيون ونحن جالسان معا ؟ وانثالت عليه الذكريات ودفعته إلى الثقة بى ، وأخبرني وقد بلغ منه التأثر كل مبلغ بالإتهام الذى وجه إليه ، ذلك الإتهام الذى لم يرد أو لم يستطع ان يفقده ، وبذلك انحسر الاتهام عن كلمات كليرباك التى قالها لى

وسألنى : ألم تتحدث قطأنت ولوشيان هى فى السنوات القلائل الأخيرة ؟ فقلت لم نتحدث عنك قط ، فقد أفهمنى أن ما بينكما قد أصبح خراباً ، ولما كنت أعرفكما كليكما فقد اعتقدت ان شيئا من سوء التفاهم قد وقع بينكما . فقال فارجيون نعم ، لقد كان هناك سوء تفاهم وهذه المرأة السافلة التى رفضت أن أتحدث إليها اليوم كانت سببه ،إنى لن اسامحها ما عشت ، وحى العميق للوشيان يجعلنى لا أفكر فى الصفح والسماح

فقلت مرضا ، إلى إخالها كانت تغير منك ، فقد لاحظت أن النساء شديدات الغيرة من أصدقاء ، أزواجهن ، وهو أمر مخالف المعقول ، ولكنه من بعض الوجوه طبيبى . فقال جاك : إن للغيرة أثرا فى ذلك كما يميل بى

الظن، ولكن المسألة فى مجموعها كانت أكثر تعقيداً من ذلك

وكانت فترة صمت، ثم استأنف الحديث بعد هنيهة قائلا : لم يكن هناك أخوان بينهما من القرب والود أكثر مما يبنى وبين لوشهان ، وقد بدأت صداقتنا منذ عهد الدراسة لما توجه إلى باريز لدراسة القانون وذهبت للدراسة الحربية فى سنت كبر، أتذكر كيف بدأت تلك المعرفة ؟ لقد ذهبنا لتجول على ضفاف نهر ألبير، وكنت أنت واثنان آخران معنا، واقترح أحدنا فى شئ من التسرع والاندفاع أن نستحم فى النهر، ولما أكن أحسن السباحة، فسرعان ما وقعت فى الضيق والحرج، وكنت أبذل جهدى لأنفاذى الفرق حينها خاطر لوشيان بحياته لينقذنى، ولم يكن أعرف من بالسباحة، وأصبحنا بعد ذلك صديقين متلازمين.

ونشأت بيننا علاقة لا ينشأ مثلها إلا فى أيام البراءة، حيث يكون كل شئ غضاً لامعاً طبيعيًا صادقاً، وأنت تعرف لوشيان وتعرف هدوء واحتجازه، وكيف كان يبدو عاكفاً على نفسه، ووراء هذا المظهر كان يستتر لوشيان الحقيقى، فقد كان مرهف الحس إلى أقصى حد، وكان ينفر من مجرد طروء فكرة أى شئ قط غليظ أو مبتذل شائه، ويمثل هذه الطبيعة كان لابد أن يشقى حينما تتقدم السن ويبلغ مبلغ الرجولة ويخالط النساء .

ولم يكن الإقبال الرفيق على الحب من خصائص التربية الحربية، وفى أثناء وجودى بسنت كبر كانت تختلف أراؤنا فى الجنس اللطيف، وتزايد إعجابى بأسلوبه فى التفكير حينها رأيت تأبيه على إغراءات الحمى اللاتينى وأكبرت رقة شعوره، ولذا تستطيع أن تتخيل فرط سرورى حينها بلغنى أنه قد تزوج، وأنفق أنى كنت حينذاك فى وهران، وحاولت أن أنبين فى رسائله اليومية أثر انقشاع الوهم واليقظة من الحلم، ولكنى لم ألمح شيئا من ذلك ؛ كانت

السعادة تنبثق من كل كلمة، وحينما وطئت قدمى أرض فرنسا ثانية أسرعت إلى ريوم حيث قدمت إلى أنجيليك - أنسب الأسماء لها كما كان يقول - وسترى مقدار صدق تفكير هذا المنتر المخدوع .

وقد قال ذلك فى مرارة صارخة حتى اعترضت حديثه بكلمة هى عندى أقوى فكرة صاغها أخلاقى عظيم .

" لا تحزن من أجله، وتذكر قول جوبير : " الرجل الذى يخشى أن يخدع عليه أن يتنازل من مثله العليا ،

فهز فرجيون كتفيه وقال ساخرا : " فرق كبير بين أن تترك نفسك يخدع لانك متعلق بالمثل الأعلى، وبين أن تترك نفسك فريسة لانك لا نستطيع أن تبصر . فهل عرفت مدام كليرياك وهى شابة " ؟

- لا، لقد رأيتها اليوم لأول مرة

- إن المرأة التى تحدثت إليها منذ قليل لا تعطيك فكرة عن الفتاة فى الخامسة والعشرين من عمرها التى وجدتها تزين منزل لوشيان الذى كان يغلب عليه الزهادة والصرامة حينما عدت من إفريقية، فتقاطع وجهها الدقيقة وقوامها الاهيف وعيناها الزرقاران الصافيتان، كل ذلك كان يشعرك بفرط رهافها وشدة رقتها، ويجمل الإنسان راغبا فى أن يحميها ويكون لها وقاه، وهذه الرشاقة هى التى اجتذبت قلب لوشيان ؛ أما فيما يخصنى فقد كنت أكثر تجرية من أن أثق بالظاهر، واسترمى نظرى فى الحال عرضاً تناقض خاص، فقد لا حظت أن لها أسلوبين فى التعبير عن نفسها : الاسلوب الاول برىء وخال من التكلف والتعمل، وكانت محتفظ بهذا الأسلوب لزوجها ،

والأسلوب الثاني يتجلى فيه الفتور والبرود وكثرة الحساب والتقدير، وكانت فى بعض الاحيان تواجهنى به وكذلك كان لها صوتان، صوت ناعم رقيق هادئ، وصوت حاد أجش، وكان يمكن أن لا يدل ذلك على أكثر من اختلال

الأعصاب واضطراب المزاج - ولو ان صديقى لوشيان لحظ شيئا من ذلك لفسره هذا التفسير، ولكنى وجدت نفسى مضطرا إلى الاعتقاد بأن أنجيليك تحمل نفسها حملا على أن تبدو فى براءة الحمامة، على حين تعمل فى جهد على إخفاء الجانب الآخر من طبيعتها؛ ولقد تحدثت فى التو واللحظلة عن غيرة الزوجة من صديق زوجها، ولا شك فى ان موقفها منى كان نتيجة هذه الكراهة الغريزية، وقد تيقنت هذا، وعلمت انهما كانت تسيطر على مشاعرها ،

ولقد تمت لها الغلية على مشاعرها إلى حد انه حينما ظهر اسمى فى الجريدة الرسمية ضابطاً وبناء على طلبى عينت فى ريوم أظهرت سروراً كسرور لوشيان، وقال لوشيان حينما عبرت عن سرورها : " إنها تعلم حبى لك" ولقد أجادت القيام بذلك إلى حد أنها خدعتنى، ورغم عدم اطمئنانى الداخلى لها أخذت أعجب وأتساءل : هل كانت التأثرات التى قامت بنفسى من ناحيتها مصدرها شعور غامض بسعادتهما وحسد خفى لها ؟ ولكن حادثة غير منتظرة بددت كل شك.

وأوعزت إليه حينما توقف عن الكلام قائلا : ربما تكون قد أحببتها من غير وعى .

فقال مسترسلا فى الحديث : سنرى وتحكم . ولقد ظلت فى ريوم عامين، ولم يحدث شئ يثبت سوء ظنى، وقد كانت أنجيليك تبالغ فى إكرامى والتحفى لى، ولكنها كانت غاية فى اللباقة والكياسة، فلم تحم حولها الأحاديث السيئة ولم تقر أديمها الآلسنة الطويلة، وأنت تعرف حال المدن الصغيرة، فأي لفظة أو إشارة خارجة عن المألوف تكبر وتتضخم وتشوء وتمسخ حتى تصبح صالحة لأحاديث النميمة والإفك ؛ ولقد كانت من الحين إلى الحين تسافر وتتغيب، ولكن كان معروفا انها تذهب لزيارة والديها، وقد كان والدها محامياً فى ريوم، ولكنه اعتزل العمل وأقام في باريز، وكانت فترات غيابها قصيرة، فقد كانت تقول

إن شدة تفقدها لزوجها لا يمكنها من أن تتركه طويلا، وكان نجاحه فى االمحاماة يمنعه من الذهاب معها، وفى أحد أيام فبرابر حينما يكون الشتاء على أشده فى أوفرن أصيبت بنزلة وافدة حادة، ولم تستطع الخلاص منها والتغلب عليها . وكانت قد هدها المرض وأسقمها إلى حد ان لوشيان صمم على ذهابها إلى هيبرز لتقضى عدة أسابيع فى ضوء الشمس عملا بنصيحة الاطباء؛ وشاءت المصادفة أن يستحثنى على السفر إلى طولون واجب عائلى.

وقال لوشيان حينما أخبرته بذلك : إنها مصادفة حسنة، فسوف تستطيع ان ترى أنجيليك وتعرف كيف حالها .

فقلت معترضا : ليس عندي سوى إجازة ثلاثة أيام . فقال لوشيان : ولكنى اعلم ان المسافة بين طولون وهيبرز لا تتجاوز بضعة أميال، وقد عدت لألحق القطار السريع بعد أن سرت مع أنجيليك إلى الفندق.

وفى ليلة وصولى وبعد أن حللت بمنزل عمى بقليل ذهبت إلى هيبرز لأجيب طلب لوشيان واكتب إليه عن تقدم صحة أنجيليك . بحيث يتلقى رسالتى قبل عودتى بيوم وأخبرني كاتب الاستقبال أنها خرجت فى التو واللحظة، وانى استطيع لقاءها فى غابات كوستقبل الواقعة على مسافة ياردات قليلة.

اشترك في نشرتنا البريدية