كان العصر الذى نشأ فيه الشيخ محمد شهاب الدين عصر صناعات لفظية ومحسنات بديعية . وهو أثر من آثار عصر الأتراك الذى اتجه فيه الشعر إلى هذا النوع من الكلام اتجاها نقص من قيمته وحط من شأنه ، وجعله مجرد ألفاظ مرصوفة ، وجمل مصفوفة ، لا عناية فيها بمعنى جليل ، أو تفكير سليم ، أو حس دقيق .
وكان من الطبعى أن يجول الشيخ محمد شهاب فى هذا الميدان ويصول ؛ ما دامت الأذواق لا تزال على حالها من ولوع بالزخرف من الكلام ، والموشى من القول ؛ ولهذا نرى ديوان هذا الشاعر زاخرا بفيض لا نهاية له من هذه المحسنات البديعية . فهو يتكلفها تكلفا ، ويتصيدها تصيدا ، ويحتال فى الوصول إليها بكل حيلة ممكنة لديه .
ومن الظاهرة الغربية فى شعره أنه اتخذ من اسمه " شهاب " آلة ميسورة لاصطناع الكناية الرقيقة ، أو التورية الخفية ، أو الجناس الذى يحلو حينا ويسمج أحيانا .
فهو يقول فى صفحة ٣٩ من ديوانه الذى لم يطبع غير مرة واحدة ، مادحا الخديو عباس باشا الأول ، قبل توليته أريكة الحكم :
هاك منى خريدة بنت فكر ما اعترتها يد الخنا بمساس
لو أتاها الشيطان يسترق السم ع رماه (شهابها) بانتكاس
فهو هنا يحشر الشيطان حشرا فى القصيدة لكى يسلط عليه اسمه (شهابا) ، مشيرا بذلك إلى قوله تعالى فى سورة الحن : " وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ، فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا " .
وقد تكون هذه التورية مستملحة ومقبولة ، لو أن الشاعر لم يكثر استعمالها ؛ وبطل إدارة المديح عليها ، فقد أنهكها بذلك ، حتى كادت تكون مملولة فى الأذن ، مرددة ثقيلة على السمع. فهو يقول مادحا ومهنئا أدهم باشا مدير ديوان المدارس بمناسبة عودته من أوربا :
هاك منى وصيفة بنت فكر مثلها خادم ومثلك يخدم
حرست فى سماء حسن حلاها (بشهاب) به الشياطين ترجم
ويقول فى مدح الشيخ أحمد الصائم شيخ الجامع الأزهر ، وتهنئته بالسلامة من مرض اعتراه :
هذا (شهابك) بالمرصاد يثقب من
يستمعون وترديهم قوافيه
ويقول موريا أيضا باسمه شهاب :
إن بين الشهاب والبدر بونا
هل تساوى فرع وأصل أصيل ؟
أما " الجناس " - وهو اتفاق الكلمتين فى اللفظ مع اختلافهما فى المعنى - فشائع فى شعر " الشهاب " . ولا شك أنه كان يتعمله تعملا كما اقتضته طبيعة عصره ، وذوق أهله . فالشاعر فى زمانهم كان يقاس ويوزن ما حوت قصائده من هذه الصناعات الكلامية التى لا تعدل شيئا فى زماننا . وأغلب (جناسه) كان فى مفتتح قصائده ومستهل أبياته ومقطعاته . ولو أخذنا نحصى عليه ما استعمل من أنواع الجناس لخرج بنا القول عن المقام فنكتفى بإيراد بعض الأمثلة للدلالة على ما نقول .
فهو يخاطب عباس باشا الأول ويستهديه " بغلة " بقصيدة مطلعها :
أكئوس تجلى ببنت (الدوالى) أم شهى الرضاب فيه (الدوالى)
ويلاحظ الجناس بين الدوالى الأولى وهى جمع دالية ، والدوالى الثانية وهى مركبة من كلمتين (الدوا) وأصلها الدواء ، ومن حرف الجر مع ياء المتكلم (لى) .
ويقول " مجنسا " أيضا فى مطلع قصيدة يهنئ بها " عباسا " بعودته من الآستانه :
شرح الصدور قدوم أعدل (وال)
فأدر مدام الأنس صاح (ووال)
ويقول فى مطلع قصيدة يهنىء بها سموه بسلامته من الهواء الأصفر :
تاب الزمان وقال إنى (نادم)
فادعوا الندامى والمدام (ونادموا)
ويقول فى مطلع أبيات يهنىء بها سموه بولده محمد الصديق :
جاد الزمان وأبدى ليلة (القدر)
بوضع نجل جليل الشأن (والقدر)
وهكذا نرى التكلف المرذول فى استعمال الجناس واصطياد الألفاظ التى بها يتم ما ذهب إليه وقصد له . وقد يكرر الجناس فى قصائده اكثر من مرة ، فتراه فى هذه القصيدة أو فى تلك ، و تحس حين تقرؤه بسماجة النغمة المكررة ، وثقل الكلام المردود . وأحسن مثال على ذلك جناس (الدوالى) ! فقد أعاده فى قصيدته التى يهنىء بها (عباسا) بقدوم الأميرة شقيقته من الاستانه حيث يقول :
صاح هيا بكأس بنت (الدوالى)
واسقنيها فان فيها (الدوالى)
على أن بعض هذه (الجناسات) والتوريات كان يختفى من مطالع قصائده ويظهر فى أثناء القصيد ، وفى وسط الشعر ، كقوله فى مدح صبحي بك نجل عبد الباقى بك الذى كان فى ذلك الحين أمينا لخزانة الخديو :
كم أرى (سائل) دمعى فى حمى فضلك ينهر
والتورية فى كلمة سائل ظاهرة واضحة ، وفيها إشارة إلى قوله تعالى : " وأما السائل فلا تنهر " .
وأغرب من ذلك كله هو إغراق هذا الشاعر فى استعمال مصطلحات العلوم وخاصة علم النحو والصرف . فهو يذكر " الحال " موريا بين الحال بمعنى الشأن والحال التى هى من منصوبات الأسماء فى علم النحو . ويذكر الضمير (ويورى) بين الضمير (الإنسانى) والضمير (النحوى) . ويذكر (الأمر) و (النهى) ويقصد التورية بمدلولهما فى علم النحو .
اسمعه يقول فى مدح مصطفى بك مختار مدير المدارس :
رأيت " حالا " " مضى " " فعل "
" أبرز " فى " شأنه " " الضمير "
فكل كلمة فى هذا البيت تحمل خلفها تورية نحوية
من حال إلى فعل ماض إلى إبراز الضمير إلى ضمير الشأن .
واسمعه يقول مادحا سامى باشا ناظر الوقائع :
هو الفلك المحيط بكل معنى وفياض الفضائل فى الأنام
(بيان) حلى (معانيه) (بديع) وسحر حديثه حكم الكلام
فهو يورى هنا بعلم البيان والمعانى والبديع فى شطر واحد .
واسمعه يقول مادحا حسن باشا محافظ المحروسة وموريا فى الحقيقة والمجاز من علم البيان :
ما لأيديه فى (الحقيقة) شبه
إذ (مجاز) النوال فيها (مرسل)
فاستعمل هنا كلمات الحقيقة والمجاز والمرسل ، وهى من اصطلاحات علماء البيان .
ويقول فى القصيدة نفسها مشيرا إلى علل الصرف :
علل الصرف فى الضرورة ثانى
كيف ذو الصحة اختيارا يمثل
ويورى فى قصيدته لابراهيم بك رأفت وكيل ديوان المدارس ببعض مصطلح الحديث فيقول :
إني علي دعوى الهوى والحب لى حجح قويه (وحديث) أشواقى إليك (مسلسل) بالأوليه
وكان الشهاب أولع فيما أولع به من المحسنات الكلامية بالكنايات الكثيرة ؛ فهو لا يدعو القمر قمرا ، ولكن يسميه " سليل الشمس " . ولا يسمى الخمر خمرا ولكن يدعوها " ابنة الكرم " ولا يسمى قصائده قصائد ولكن يدعوها " وصائف " أو " أبكارا " أو " أوانس " أو ما إلى ذلك . ولا يسمي المطر أو الماء ماء ولكن يدعوه (ابن السحاب) أو (ابن المزن) .
اسمعه يقول من قصيدة لعبد الباقى بك خازن الخزانة الخديوية :
تزوجت (ابن مزنة) بنت كروم العنب
ويقول ممتدحا السيد محمد البكرى شيخ السادة البكرية ونقيب الأشراف فى زمنه :
(بنت كرم) عذراء شهد لماها
كشذا المسك فى مذاق العقار
ويقول فى القصيدة نفسها :
زوجوها (بابن السحاب) فجاءت
من درارى حبابها بذرارى
والمعنى لطيف فان الخمر لما مزجت بالماء حدث من هذا المزج أو الزواج ذرية كثيرة هى الحباب الذى يطفو على وجهها كالدرارى المنثورة .
ويقول فى مدح عارف بك شيخ الاسلام فى تركيا :
أرجو قبول (وصيفة) قد قلدت
بحلاك عقدا لم تنله وصائف
فهو هنا يكنى عن قصيدته (بالوصيفة) ويقول فى مدح الخديو عباس باشا الأول :
هاك منى (خريدة بنت فكر) ما اعترتها يد الخنا بمساس
ويكرر الشطر الأول بنفسه فى قصيدة أخرى يمدح بها الشريف " محمدا بن عون " ولاشك أن هذا التكرار فى الأشطار والألفاظ والمعانى والجناس دليل على إفلاس الشاعر وقلة بضاعته . فهو يقول للشريف :
هاك منى خريدة بنت فكر بهرت فى منصة وزفاف
ويكنى عن قصيدة أخرى للشريف عون بأنها " وليدة فكر " فيقول :
خذها (وليدة فكر) راق منظرها
كأن ريقتها ضرب من الضرب
ومما ذهب إليه الشيخ محمد شهاب فى شعره " استعمال التاريخ " وهى بدعة شاعت فى عصور الشعر المتأخرة ؛ وكان لها فى ذلك الزمان شأن أى شأن . وإذا راجعنا دواوين الشعراء منذ أيام محمد على باشا إلى العشر الأولى من مطلع القرن العشرين وجدناها مشحونة باستعمال
التاريخ ؛ ولم يسلم من ذلك شاعر واحد . حتى امتدت العدوى إلى شعراء فى العصر الحديث نعدهم من الفحول ، ونحصيهم فى شعراء الطليعة ؛ كالمرحوم اسماعيل باشا صبرى ، فان المتصفح لديوانه الذى طبع أخيرا فى ثوب من العناية والرونق ، وجلى فى حلة من التدقيق وحسن الذوق يرى الشاعر الكبير يستعمل التاريخ فى بعض مقطعاته .
على أن هذه البدعة الشعرية قد ماتت فى زماننا هذا ولم يعد بحمد الله من يبكى على موتها ، أو يتطلع إلى إحيائها؛ فقد أدرك شعراء العصر الحديث ما تقتضيه صناعة التاريخ الشعرى من التكلف والعنت والضرورات التى قد تضحى باللفظ الفخم النبيل ؛أو الأسلوب العالى المستوى إلى لفظ ساقط أو اسلوب مرذول لتستقيم الحسبة التاريخية .
أما الشيخ شهاب فقد عنى بالتاريخ الشعري عناية فائقة ، واختص به جزءا كبيرا من ديوانه ، فهو يؤرخ لكل حادثة فى زمانه ، أو لكل حدث من أحداث عصره بالبيتين أو الثلاثة أو الأربعة أو الخمسة ، ولم يزد تاريخ من تواريخة عن ستة أبيات ، ولم يقل عن بيتين .
فهو يؤرخ لبناء القناطر الخيرية سنة ١٢٦٣ هجرية فى خمسة أبيات ، وبؤرخ لتولية عارف بك مشيخة الاسلام فى تركيا ببيتين ؛ ويؤرخ لقتطرة جددها ابراهيم باشا نجل محمد على باشا سنة ١٢٦٤ ه ؛ ويؤرخ لستر الكعبة الشريفة سنة ١٢٤٣ ه ، ويؤرخ لباب قبة الامام الحسين رضى الله عنه سنة ١٢٢٩ ه فى ثلاثة أبيات ؛ ويؤرخ لوفاة الأميرة حواء هانم اخت الخديو عباس باشا الأول سنة ١٢٢٩ ه ؛ ويؤرخ لكثير غير ذلك مما عظم أوهان من أحداث الزمان ، فيؤرخ لانشاء منظرة أو بناء حمام ، أو وضع غلام . . .
ويظهر من مطالعة ديوان الشهاب أنه كان خفيف
الظل ، بارعا فى الطلب ؛ وكثيرا ما عاد من مطالبه مجاب الدعاء ، محقق الرجاء . فهو يطلب (بغلة) من الخديو عباس باشا الأول فى شعر خفيف ظريف ، فتجاب طلبته . . . وكان (السمن) نادر الوجود فى زمن من الأزمان ، فيكتب إلى على بك حسيب امين جمرك بولاق قصيدة طويلة يطلب فيها مقدارا من السمن بثمنه . . ويقول فيها :
ألية بالسمن أو بزبدة لله در أصلها الحليب
لأعرضن الحال للفتي الذى رجاء من يرجوه لا يخيب
ولقد مدح الشيخ شهاب كثيرا من أعلام عصره ، ورجالات دهره . فمدح منشىء مصر الحديثة " محمد على باشا " ونجله ابراهيم باشا وعباس باشا الاول . ومدح ادهم باشا ومصطفى بك مختار ناظرى المعارف أو مديرى إدارة المدارس كما كان الاسم فى ذلك الحين . ومدح الشريف محمد بن عون وعارف بك شيخ الاسلام بتركيا والسيد محمد البكري نقيب الاشراف والسيد محمد العروسى والشيخ حسن العطار والشيخ حسن القويسنى والشيخ أحمد الصائم شيوخ الجامع الأزهر والشيخ محمد العباسى المهدى المفتى ، والشيخ محمد عليش شيخ السادة المالكية وغيرهم .
وكان يخاطب ممدوحيه بالكنى الملائمة لأسمائهم ! فتراه مثلا يخاطب عبد الرحمن بك مظهر بقوله :
فأبشر (أبا عوف) بعفو وحظوة
وطب طربا واشرب على رنة المزهر
وعلى الجملة فهو مثال جيد لشعراء مصر فى النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادى ، وشعره صورة صحيحة لعصره ، ومرآة صادقة لبيئته التى كانت خاتمة لمفتتح عصرنا الحديث .
(القاهرة) .

