المقصود باستخدام البكتريا فى الحروب أن ينثر العدو أمراضا بكتيرية على أفراد خصمه ، المحارب منهم وغير المحارب . وهو سلاح لا يضر الخصم فقط بل قد يضر شاهره . وليس الغرض الأساسي من حرب البكتريا قتل الأفراد فقط ، بل المقصود تعطيل أكبر عدد من السكان . لأن الوفاة لا تسبب كثرة عناء فذاكرة الانسان يعدو عليها الزمان وتطوي الذكريات في عالم النسيان . أما
المرض فانه يعجز الأشخاص ، ويلقيهم بين الحياة والموت ، فلاهم أحياء فيرجوا ولا أموات فينسوا . فإذا تمكن العدو من نشر مرض من الامراض مثل التيفود أو الطاعون أو غيرهما من الأمراض الخطيرة ، عاد ذلك عليه بأعظم الفائدة وتمكن من التغلب على خصمه ، إذ علاوة على ما يسببه المرض من تعطيل المصاب ، فإنه يشغل عدوا آخر من أفراد خصمه يقوم بتمريض المريض وخدمته ، فضلا عما يعانيه أهل المريض من تفكير قد يشغلهم عن تأدية عملهم أثناء الحروب على أكمل وجه .
ومما يعزينا ويلقي الطمأنينة في قلوبنا ، أن نشر وباء بطريقة صناعية ليس بالأمر الهين ، فمن السهل أن نتصور الطائرات تحلق فوق رءوسنا ، وتمطرنا بقنابل مشحونة بالبكتريا ، ولكن تحقيق ذلك عمليا يكاد يكون مستحيلا . فما حجم القنبلة ؟ أيقل عن مائة سنتيمتر مكعب ؟ وما مقدار البكتريا التي تملأ هذا الحجم ؟ من المعروف أن جراثيم الأمراض تعيش على أنسجة حية ، وإذا حوول تربيتها على وسط صناعي ، فقدت جزءا كبيرا من أثرها وقل بذلك خطرها .
ومن حظ البشر أن معظم الأمراض ، لا تنمو جراثيمها على مزرعة صناعية ، لأنها لا تلبث أن تفقد نشاطها ويضعف أثرها في إحداث المرض . ولكن قد يتجه
التفكير إلي تربيتها في الحيوانات مثل الخيول والأغنام، فتشحن أنسجها بجراثيم المرض ، إلا أن تضحية المواشي في الحروب ليس بالأمر الهين ؛ فهي وسيلة للنقل كما أنها قد تكون غذاء ، وعلى فرض التضحية بهاتين الفائدتين ، فإن نقل البكتريا بواسطة هذه الحيوانات قد يؤدي إلى نشر المرض في موطنها ، وإذا أمكننا أخذ كل احتياط لوقاية السكان من خطرها ، فالجراثيم لا بد أن تؤخذ من جسم الحيوان وتملأ بها القذائف ، وفي هذه العملية تفقد شيئا كبيرا من نشاطها . على أن الخيال قد يجرنا إلى القول بأن تفرم الماشية ، ويمطرنا العدو بوابل من غثائها المشحون بالجراثيم ، كما يجب أن تعمل الطائرات على دفع السكان نحو الجراثيم حتى تنتقل إليهم العدوي .
على أنه تمشيا مع الفرض النظري يمكننا أن نتصور القذائف وقد عبئت بالمقادير اللازمة من الجراثيم ، فيجب استخدامها في الحال ، وقبل أن يمضى عليها وقت تفقد فيه نشاطها . على أننا نفرض أنها احتفظت بأثرها الشديد حتى انفجرت القديفة ، لا شك أن شدة الانفجار تولد حرارة مرتفعة تكون كافية لقتل أي نوع من البكتريا ، على أنه قد يقترح استخدام نوع من القنابل الزجاجية ذات الجدار الرفيق ، لتنفجر بمجرد اللمس ، ولكن ذلك
يعرض الصناع وعمال النقل لخطر محقق . ولو استخدمت قنابل معزولة وأخذ كل احتياط ممكن ، فانه لا بد لها لتحدث أثرها أن تسقط الجراثيم بين أفراد العدو المحتشد ، كأن تسقط في الأسواق أو المدارس أو الجوامع أو الكنائس . أما إذا سقطت في شارع أو ميدان أو حديقة ، تعرضت الحراثيم للضوء والحرارة والهواء ، هذا إلى أن عدد الأشخاص الذين يحتمل أن ينتقل إليهم المرض يكون صغيرا . وقد يحاول العدو أن يسقط قذائفه على مستودعات مياه الشرب ، ولكن في هذه الحالة يحتاج إلى مقدار كبير ليلوث المستودع ، في حين أنه يمكنه أن يسمم المستودع بمادة كيميائية ، فهي أرخص وأيسر .
ويمكن للعدو أن يعد سائلا يحوى ملايين الجراثيم عالقة به ، ثم يرشها بواسطة الطائرات ، على أن ذلك يتطلب مجهودا كبير للحصول على مقدار كاف من البكتريا ، وأخذ كل احتياط لبقائها محتفظة بحيويتها وأثرها في إحداث المرض ، وفي هذه الحالة لابد للطائرة من أن تنثر هذا الرذاذ من ارتفاع منخفض ، مما يعرض الطائرات للاصابة بالمدافع المضادة . وإذا ارتفعت عالية ، تناثرت الجراثيم في الجو وقل احتمال الاصابة بها ، لأن الجراثيم قد تتعرض لأثر الرياح والضوء مما يقلل من نشاطها . على أنه لو فرضنا
تلافي كل الصعوبات السابقة فلا بد من احتشاد الأفراد في مكان تناثرها لتتلقي الجراثيم وأمراضها ، فإذا لم يكن هناك تجمهر قلت نسبة الإصابة ، كما أن باقي الجراثيم ستقع على الأسطح أو الطرقات فلا تلبث أن تكتسحها مياه الامطار أو الرياح أو المعقمات والمطهرات ، على أنه لو استخدم العدو جراثيم الأمراض فان ذلك يكون أكبر أثرا ، لأنها تحتفظ بنشاطها وتقاوم مختلف العوامل ، ولكن في هذه الحالة لا يضمن إحداث الجراثيم للمرض ، فهي تتطلب ظروفا خاصة لا يتحكم فيها العدو .
فيكتيريا التسمم مثلا لا تؤثر جراثيمها إلا إذا وقعت فوق جرح ، فلا بد من جرح الشخص ثم تلويث الجرح بجراثيم التسمم ، وقد يلوث العدو قنابله بجراثيم التسمم ، كما كانت قبائل البربر تلوث رءوس حرابها في العصور البعيدة ، ولكن في هذه الحالة لا يتعدى أثرها زيادة نسبة الوفيات بين المصابين بشظايا القنابل الملوثة ، ولكن لا تسبب انتشار وباء التسمم بين السكان . ومن ذلك يتبين أن العدو لن يتمكن من نشر وباء بأي من الطرق المتقدمة .
والطريقة العملية أن يعمل العدو على تلويث مصدر المياه الشرب أو الألبان أو الأغذية ، ولا يتم ذلك بواسطة الطائرات ، لأن هذا يستلزم دقة في الرماية ، كما أنه يمكن قتل الجراثيم بمطهر . ولذا وجب علي العدو أن يكون له أشخاص في السكان المراد نشر الوباء به ، وهؤلاء الاشخاص
يجب أن يكونوا مندمجين بين السكان بحيث لا يشك فيهم أحد ، وهؤلاء يحملون جراثيم المرض بدون أن تظهر عليهم أعراضه إذ اكتسبوا مناعة قوية تنقذهم من هذه الأعراض . فالتيفود والدوسنطاريا البكتيرية والكوليرا ، كل هذه أمراض تكثر جراثيمها مع براز المريض ، وفي حالة التيفود يخرج مع البول أيضا . ولا يمكننا أن نميز بين شخص سليم وآخر حامل لجراثيم المرض في الحياة العادية ، كما أن الجراثيم يمكنها أن تعيش في جسم الانسان مدة محتفظة بحيويتها ؛ ولا شك أن هذه طريقة قد يلجأ إليها العدو ، فيرسل ممثليه ممن يحملون جراثيم المرض لنثرها في
البيئة المناسبة ؛ ولهذه الطريقة مميزاتها ، فهي توفر على العدو مزرعة صناعية للبكتيريا وحملها بواسطة الطائرات واحتمال تناثرها وعدم وصولها إلى الوسط المناسب ؛ كما أنه يضمن موردا مستمرا لجراثيم نشطة تصل إلى السكان مباشرة .
وحامل الجراثيم يلوث مياه الشرب واللبن والأغذية بكل سهولة ، وخاصة إذا كان ملما بلغة عدوه وكان بينهم كمواطن لا يشكون فيه . على أن الماء إذا عومل بالكلور واللبن إذا عقم كان ذلك أكبر ضمان للقضاء على جراثيم المرض ، ولكن الخطر في وجود حامل الجراثيم ممن يعملون في تعبئة الألبان مثلا ، ففي هذه الحالة قد يتمكن من تلويث عدد من الزجاجات ، على أنه لا يلبث أن يفتضح أمره . أما مياه الشرب التي لا تعامل بالكلور فهذه تحتاج إلي تلويث مستمر ، ولا يمكن لشخص واحد أن يقوم بهذه العملية إلا إذا داوم عليها ، مما يؤدي حتما إلي ضبطه ، ففي البلاد المتمدنة تعين حراس على موارد المياه لحفظها من العبث وخاصة أيام الحروب .
على أن الدفاع ضد هذه الأخطار إنما يكون بما تتخذه السلطات التنفيذية من إجراآت صحية وطبية ، وما يتعلمه الشعب من طرق للوقاية من أخطار هذه الأمراض . وفي البلاد الأوربية نجد أن كلا من الحكومة والشعب يعملان على حفظ الصحة العامة من أخطار هذه الأمراض ،
فلكل دولة معمل بكتيريولوجي يعمل به جمهرة من الأخصائيين في هذه الناحية ، ولهم من يمثلهم في كل بقعة من بقاع الدولة ؛ فإذا ظهر أي أثر لمرض من الأمراض ، بادر المختص بأخذ التدابير اللازمة للقضاء عليه . ويشرف هؤلاء العلماء إشرافا تاما على مياه الشرب والأغذية ،
فيقومون بتحليل عينات منها من وقت لآخر ، ضمانا لخلوها من الجراثيم المعدية ، كما يكشفون عن كل شخص له علاقة باعداد الأغذية أو مياه الشرب . على أن تعاون الأفراد خير ضمان لنجاة الشعب من خطر البكتريا ، فإحراق الفضلات وغلي ماء الشرب واللبن ، يخلصنا من البكتريا الضارة . كما يجب تغطية الغذاء بغطاء يقيه شر الذباب وما
يحمله من جراثيم ، وأخيرا يجب أن يطعم الشعب ضد الأمراض المختلفة حتي يأمن الإصابة بها .
ولا شك أن أخذ كل هذه الحيطة ، من شأنه القضاء على أي محاولة يحاولها العدو إن أقدم علي استخدام البكتريا كسلاح في الحروب . نعم إن القنابل المحرقة والمتفجرة والغازات يهابها الانسان أكثر من البكتريا ، ولكن يجدر بنا أن لا نقلل من أثر البكتريا فنهمل ما يتبع لدرء خطرها . على أن الحكومة الساهرة على حياة أفرادها ، والأفراد المتيقظون المتعاونون على بقاء وطنهم ، هذان هما خير ضمان للنجاة من حرب البكتريا .

