الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 638الرجوع إلى "الرسالة"

Share

إلى الأستاذ الجليل صاحب (الرسالة)

كتبت الكلمة التي نشرت في العدد الأخير من الرسالة حين اطلعت على تلخيصكم كتاب الدكتور عمر فروخ. ثم اطلعت في هذا العدد على كتابه بنصه فعرفت أن الكاتب يدعي، والله يشهد أنها دعوى غير صادقة، أني سلخت من كتابه أربع قرائن: إشارة المعري إلى نظم اللزوميات، والإشارات التاريخية وأشهرها قصة صالح بن مرداس، وإشارة المعري إلى سنه، وإشارته إلى شيخوخته دون ذكر السن.

فأما الأولى فهي في كلام المعري نفسه في مقدمة كتابه ولا يحتاج قارئ اللزوميات أن ينقلها عن أحد. وأما قصة صالح فيعرفها كل من قرأ تاريخ المعري. وقد ذكرها الدكتور طه حسين في كتابه ذكرى أبي العلاء قبل ثلاثين عاماً، وفصل القول فيها عبد العزيز اليمني في كتابه عن أبي العلاء، وذكرت في كتب أخرى. وأما ذكر المعري سنه وشيخوخته فكل من قرأ اللزوميات وفهمها يستطيع أن يتتبع الأبيات التي تحدث فيها المعري عن عمره؛ فإن كان الكاتب يجادل في أني قرأت اللزوميات فمن شاء الجدال جادل، وإن كان يصدق أني قرأت اللزوميات فهل يصدق أني أمر بهذه الأشياء فلا أدركها وإنما أقرأ اللزوميات قاصداً تاريخها؟ ليعلم الدكتور عمر أني كتبت عن أبي العلاء رسالة قبل خمس وعشرين سنة وأني أكاد أحفظ اللزوميات حفظا. ثم قد فطنت في بحثي إلى ما هو أدق وأخفى من هذه القرائن التي يدعي الدكتور عمر أني سلختها من كتابه؛ فطنت إلى ما خفي عليه ودق على فهمه، فعرفت إشارة المعري إلى وفاة الحاكم الخليفة الفاطمي، وإشارته إلى وفاة الوزير المغربي، وبينت من محمود ومسعود اللذان ذكرهما ومن آلك المذكور في قوله:

(سيموت محمود ويفني آلك). وفطنت إلى ترتيب الأوزان في اللزوميات، وهذه هي الدقائق التي تحتاج إلى علم بالتاريخ والأدب واستنباط.

فهل يدعي أني أخذتها عنه كذلك؟ أو هل يظن أن الذي استخرج هذه الخفايا دون سلخ من كتابه يعجز عن إدراك القرائن الواضحة التي ذكرها؟

وقد تكلم عن توارد الخواطر. وليس الأمر من باب توارد الخواطر؛ بل هي معان ماثلة وعبارات واضحة في شعر المعري يدركها كل أديب. وليس فيها خواطر أو هواجس. وقد قلت إني لم اطلع على كتاب فروخ قط، وقال هو إن كتابه أرسل إلى العالم العربي وإلى لندن، وأن (العالم الحقيقي لا يهجم على عمل مثل هذا إلا بعد أن يتقصى الكاتب ويفتلي الكتب  والمجلات) .

فإما إرسال كتابه إلى لندن أو إلى الصين فلا ينفي ما قلته صادقاً، إني لم أطلع حتى هذه الساعة على كتابه. وأما أن العالم ينبغي أن يتقصى المكاتب فقد أردت أن أستخرج من لزوميات أبي العلاء تاريخها فلم يكن لي مصدر سواها. وإن كان جهلي كتاب عمر فروخ عيباً فأنا لا أخفي عيبي وأقول خجلا: إني والله أجهل عمر فروخ أيضاً. وأقر بهذا الذنب، فليغفر لي ولا غضاضة عليه في هذا فقد جهلني هو فلم يعرف أخلاقي وسيرتي. وبعد فقد كان حسب الدكتور عمر أن يقول رجل مثلي إنه لم يطلع على كتابه. كان هذا حسبه لو كانت أخلاقنا تستعظم أن يكذب باحث ديدنه طلب الحق مخلصاً. لو كان لنا نصيب من أخلاق العلماء لكان قولي فيصلا في القضية. وأختم كلامي في هذا الموضوع بأن أقول: إني أرى من هواني على نفسي وضياع وقتي، أن أشغل نفسي بجدل ابتدأه صاحبه بهذا العدوان وهذا الافتراء وهذا التسرع. فلن أكتب من بعد في هذا الموضوع حرفاً. فمن شاء أن يجادل بالباطل ليعرف بنفسه فلا حيلة لي فيه.

اشترك في نشرتنا البريدية