الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

أشواك زهرة المبهوزا

Share

إلى : صاد

- 1 -   مرفأ ، فى الحلم

فر المتفرجون من حولك ، إذ احترقت الشاشة . الشاشة محترقة ، والنار قد أحالت الفارس القروي القديم فحما . كزيتونة لا شرقية ولا غربية ، كان . . .  وقد احترقت الزيتونة على صفحة الشاشة المحترقة . وتتصاعد عقد الدخان محدثة في اللاشيء ارتجاجا ، ومعلنة أن هذا الإحتراق اصداء حرب لم تولد بعد . ومروق المارد من القمقم ذكرى قديمة تمر بخاطرك باهتة . ولكن وقع حوافر بغلته يصل أذنيك منتظما . على رأسه قصعة قد امتلأت ترابا ، وهي ترمي بحوافرها كتل التراب الاسمر فيلتقطها الجياع . وترى ماضيك أغنية حب قديم أعدمه النسيان . . . فأين المهدي المنتظر يخلصك ؟ وخلف الهضبة ، عند ضفة الوادي ، تضرم في أفقك الحرائق . وتتصاعد الادخنة زرقاء داكنة تأكل من قلبك وتحرق الحمام الابيض ، فأين قذف بك المارة ؟ فضاء يغشاه سهوم وهذه الارض قد امتص الجفاف رواءها عند ضفة النوادي . فهي متجهمة توحي بالموت . يا نار كوني

بردا وسلاما . وهذا الامل وهذا الإبتسام اللذان تبعثهما هذه الشجيرة الخضراء النابتة بين أنقاضك ، المتغذية بأشلاء الفارس القروي القديم ، يبددان ذاك التجهم . . . ووقوفك مشدوها أمام الشجيرة متأملا أغصانها المحملة أزهارا ، رمز لميلاد الفارس القروي الجديد ، يؤكده شعورك بالإنجذاب القوي إلى إحدى زهراتها . ليس في هاته الزهرة ما يميزها عن الاخريات ، إذ تكونت من ثلاث دوائر صغيرة قد تكورت واجتمعت عند البرعم ، إلا أن لونها الاصفر يميل إلى الحمرة اللوزية المشوبة بسمرة . وتمعن فيها النظر ، في غفلة عن كل شيء سواها . . . وجه لم أر أبدع منه ولا أجمل . عفوية مطلقة ووداعة عميقة وحلم لا متناه . عينان صافيتان صفاء مطلقا ، عسليتان قد أحاطت بهما هالتان من وداعة شفافة . وتتداعى على لسانك الكلمات : " يا داوود هذه شجرة الميموزا رأسها في السماء وزهرتها الفاتنة عروقها في الجزائر . وقد جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالعدل . وزهرة الميموزا النابتة في حقلك بين انقاضي عند ضفة الوادي خلف الهضبة عند سفح الجبل تبدد الغمام من أفقي وتضرم الحرائق في قلبي فاحترق شاشة ، وأولد إنسانا . ينتفي وجود الشاشة ويصيب ضفة الوادي عقم ، وتتوارى البغلة الشهباء التي اسقطت المارد فمات تحت تراب قصعته . وتنطفئ النار خلف الهضبة لتتآكل في قلبي وتاكلني عندما ترنو إلى زهرة الميموزا بعينيها العسليتين ، وقد تطاولت وامتدت جذورها . . .

وكنت أعشق القد البابور . ولكن ابنتك ليس لها قد البابور . .  )) حتى أيقظ قلبك الامل ، في أفريل .

- 2 - الدائرة الفارغة ، والجرح  ٠٠

في أفريل تزدهي زهرة الميموزا ، لوزية اللون ، ذات الدوائر الثلاث الصغيرة المكورة المجتمعة عند البرعم ، والعينين الواسعتين وقد أحاطت بهما هالتان من الوداعة الشفافة . . . ليس أفريل شهر الاكاذيب والضباب والزوابع والرمال المتطايرة . تخضوضر الارض فيه وتعشوشب السماء وتمحي الطحالب لان شجرة الميموزا تزهر فيه وتطل عليك من الافق البعيد زهرة بعينيها العسليتين الوادعتين . 16 أفريل . يوم في حياتك مشهود . يوم ولادة وانبعاث . أفريل ، شهر البعث ، وخلقنا لك في زهرة الميموزا كل شيء حي يزدهي في أفرريل شهر البعث والإنبعاث ، الذي يغشى الفضاء فيه إشراق وتذوب قساوة الطبيعة رقة ، وتبتسم زهرة الميموزا ذات الرأس الجميل المتطاول في السماء والجذور الممتدة الاصيلة . فترتوي الارض لتموت البغلة الشهباء جوعا وينبت تراب القصعة الذي دفن تحته المارد المارق عشبا . وينشق الجدار السميك الذي كان شاشة قد احترققت فتبرز حروف حمراء تبشرك بأن كلمة (( صاد )) لا تحمل معنى (( الصدود ))  وتطمئنك بأن داوود خليفة عادل . وتكره القد البابور لان زهرة الميموزا ليس لها قد البابور وتطمئن إلى ما في عينيها من الوداعة الداعية وما في وريقاتها من التورد الجاذب وما تسمعه حولها

من وشوشة الحب الدافعة إلى ذرى الإحساس العميق بأصالة ولادتك وانبعاثك والشعور العميق بأصالة زهرة الميموزا . فعلى أي ذرى أنت ! !

- مساء الخير . - أشنوه ؟ - ماذا . . .  - أشنوه هذا ؟ ؟ - باردون .

أين نظام الكون ، أين ؟ الحوت يغمز وذيل الحوت كذيل الكلب وذيل الكلب معوج فذييل الحوت معوج وذيل الكلب في قارورة والقارورة جوفاء فذيل الكلب أجوف وذيل الكلب كذيل الحوت فذيل الحوت أجوف والحوت يغمز . . . يغمز . . . يغمز . . . وأين نظام الكون , أين ؟ اللاشيئية تغمر كل شيء وقد أصاب الإنتفاء الكون من جذوره تحت وطأة الإرتطام . . . وما حولك باهت باهت إذ اعتصره العدم . اللاشيئية تغمر كل شيء ولا علاقة بين ذرة وأخرى وقد اجتثت صلة الوجود بنفسه إذ مادت ذرى الوهم واندك المطلق إذ أنهى الكون دورته الاخيرة وهده الإنفجار النهائي إذ تكشفت الدائرة عن فراغ مهول حين استدارت إليك . . . وكنت من أنقاض هذه الارض إذ زلزلت . . . وأنت أمام الرب تتلقى القدر المقدور لتطرد من جنة الحلم . فبأي قدر هذا وأي رب هو ؟ فيا لكلمتين تقذفان بك حجارة في قاع هاوية ! قد سخرت لهما الريح تجري بأمرهما زلازل وزعازع هوجا تفتك بكيانك وتسحق

خضرة الحشائش واعشيشاب السماء وتوقظ المارد من غفوته وتمحو الحروف الحمراء على الشاشة التي تعلن أن يا داوود إنا جعلناك خليفة في الارض ولم تحكم بالعدل وابنتك ليس لها قد البابور ولكن عينيها العسليتين تضرمان الحرائق في قلبي فلم لم يقل ربك يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ؟ . . . ولكن ابنتك قد اشتق إسمها من الصد والصدود الذي أعدم ما في هذا العالم من الصلاح فلا هي بصالحة ولا هذا العالم بصالح لان يعاش فيه ويشقى من أجله ! فلنقسم أيها القلب أن ص والقد الذي لم يشبه البابور إن العالم المحيط بك لشاشة سينما وإن العدل فيه لخرافة ، ولو وجد ما تمكنت زهرة الميموزا أن تستدير في عنف أطاح بالكون وجنة الحلم لتقول : (( أشنوه ؟ . . . أشنوه هذا ؟ ؟ . . . )) . الكلمتان اللتان جعلتا من ماي شهر الاعاصير والزعازع والضباب والاكاذيب . قد انخسفت الشمس فيه وأجردت الارض وغامت السماء واربد أفقك . . . وتاكل مخاخ حمائمك البيضاء الكلب الذي انتابك فجأة في ساحة باستور عندما أحاط بك الدجاج الاسود ، والضحك يتدافع إلى فمك يريد الإنفجار ولكنك تمنعه مدعيا الامن واللا مبالاة لانك في حاجة إلى ذاتك الزائفة . . .  وتفلت منك قسرا ضحكة وانت على منعطف الحديقة الصغيرة فنترجم ما في نفسك من عبء الخيبة والامل الصريع والسحب التي تراكمت عليك وقد امتصت ماءها الريح الزعزع التي أطلقتها عليك كلمتان جافتان . . .  وفي وسط الطريق وقفت تداري ذهولك وتئد ضحكات هائجة تحاول ان تفلت منك وما حولك ساكن جامد

ميت فليس ما يصل أذنيك غير غرغرة الموت . ولعنت ماي شهر الضباب والاحتضار وعدت إلى محطة (( الاوتوبيس )) وفي رأسك دوامة وفي قلبك زلازل . وتستند على جدار (( الاوتوبيس )) وعلى فمك ابتسامة باهتة تغلي وراءها ضحكات مكتومة تريد أن تعلن للناس ضعفك وسوء حظك وتفاهتك ولا جدواك وأملك المنهار . . . وتيقنت حقا أن أصل المتاعب جمال امرأة . ولو لم ينتف العدل لما كانت أصل متاعبك وعاودتك ذكرى الحوت الغامز فتساءلت عما كان يحدث لو لم يقذف الحوت يونس إلى البر ؟ وأجابك المارد ساخرا بأنك آنئذ ما كنت لتسمع من ذات العينين العسليتين تينك الكلمتين الجافتين وما كان للشوك أن ينغرز في أعماقك . . .  وتساءلت من جديد عن مصير العالم لو أطلقت عليه الكلمتان الجافتان زعازعهما ، واستيقظت فيك عينا جدك المتوفي منذ ثلاث سنوات لتعلنالك أنه كان سينهار لو لم يرتكز على قرني ثور . . .

وأيقظتك من غفلتك يد صديقك الواقف بجانبك وقد وضعتها على كتفك فألفتتك لترى السماء مربدة حواليك والاصيل زاحفا ، فتتذكر أنك في ماي شهر الضباب والزوابع ولكن العفريت الذي نقل بلقيس إلى أورشليم في طرفة عين يهمس إليك وقد رق لحالك : (( يا لها من قاسية ظلوم . لو تأمرني سأحملها إليك في طرفة عين )) . ولكنك نافقته ونافقت نفسك فقلت لا عليك فإن هناك غيرها . وأنت تعلم أن ليس هناك في العالم سواها . . . وأن داوود ليس عادلا لانه يسكن قصرا متشامخا اين منه دارك الصغيرة وأن ابنته التي ليس

لها قد البابور قد نشأت في ذلك القصر الذي يهزأ بدارك وأنها عندما تمتطي سيارتها إلآهة لا تنظر إلى أسفل وتمنيت لو كان الطوفان قد أغرق سفينة نوح أو لو انهدت النجوم وانفجرت براكين القمر واصاب الارض كسف من السماء . واردت أن تضحك لهذه الفكرة الطريفة ولكن أمواج الضحك التي كانت متدافعة إلى الهواء قد غارت في باطنك محدثة صوتا كالعواء لتنغرز في قلبك جرحا عميقا عميقا . وهال صاحبك التجهم فقال لك انتقم منها . ولكنك تعلم أنها في قلبك نار لا تخمد وجرح لا يمحي وآهة لا تخفت . وقال ساخرا :

- بنت أكابر . بورجوازية . . .  - لكنها هي هي دائما . عيناها . . . - هي أصل متاعبك . إثأر لنفسك منها ، ستنتهي متاعبك . لم لا تتحداها ؟

ولكنك ما كنت تعي ما يقول إذ انطلقت الاصوات في أعماقك محدثة ضجيجيا واضطرابا كتفجر عين من بكاء أو تفرقع قنبلة من يأس وامل وجنون وقهقهة تنتشر شظاياها في أعماقك . وأخذت الاصوات تخفت رويدا فتبينت صوتا باكيا (( يا ريت ما شفتك ولا عرفتك )) وآخر حزينا (( يا ما حاولت انساك ، وانسى ليالي هواك )) وآخر  ناحبا (( العين تنحب على افراق غزالي )) . . .  حتى انعدمت الاصوات من باطنك وانعدمت الحركة وأخذ الحفاف يغزو . اعماقك والضياع يأخذ بصرك ولكن إلى حين إذ أخذت قطرات مطر تنقط على ما تجمد منك فمرت أمامك صور

وأرقام ومواقف في سرعة البرق . الحافلة تمر والرصيف يتمزق على بلور النافذة وعيناك مشدودتان بخيط سحرى . 28 . باب سعدون . 6 . الإربعاء . 156 . عيناك إلى الباب مشدودتان . الجمعة . (( مون  ديزير )) . العينان العسليتان والبشرة اللوزية وقوس قزح وأفريل شهر الصحو وماي شهر الزوابع والاكاذيب والظلمة الدكناء والاصوات المتفجرة والمفرقعات والحوت الغامز ويونس في جوف الحوت . 36 . طفل يسألك . 3165 . بلاس باستور . 27 ماي . يوم بداية ونهاية . ولادة وموت . كيف ترقى رقيك الانبياء ، يا سماء . . .  كيف يشقى شقاءك التعساء )) يا شقيا . . .  كيف ؟  . . . الثلاثاء. . .(( أشنوه )) .  إرتطام .((أشنوه هذا ؟ ؟ ))  . إنهيار . اللاشيء والامل الفارغ والفراغ والافق الاعتم وعيناك إلى الارض مشدودتان . . .  عادت خيول سالم فارغة ولم يعد سالم إلى أخته . وأنين صليحة ذات الصوت الفردوسي والوجه الاسمر الموشم بملاءتها السوداء ، يرتطم بافاق السماء . . . وهي تحرك يديها ورأسها على الركح إذ اكتشفت أن ليس في القاعة أحد . فعرفت أن صوتها قد غار وأن المتفرجين قد انسحبوا عندما كانت تغنى : نابكرتي شردت مع العزابه ، إدزاير بعيده والعرب غضابه  )) . لقد أصابها الإعياء والتعب قبل أن تصل الجزائر . فهل تصلها أنت ؟ ولكن صوت صاحبك ينتشلك مرة أخرى من الغفلة المطلقة التي اسلمت لها نفسك ، إذ يصل أذنك ضعيفا :

- لوح عليك يا ولدي . لوح عليك . . .

ولكنك تذكرت صورة صليحة على الركح  ، وقد وئد في حلقها الصوت ، فقلت :

الفن بلا جدوى والفكر لا بغني . يا صقيعا ينتشر في قلبي وشوكا ينغرز في أعماقي . . . المجد للقصور المتشامخة والبقاء للأكابر في هذا العهد ، وفي كل عهد .

- متى تعود إلينا من رحلتك الضبابية ؟ - عندما تتكور عقد الدخان وتتكعب وتتربع وتستطيل وتتثلث ، فى شعاع الشمس المتسرب من النافذة .

- ألا تخشى أن تنعدم هاته العقد ؟ - هذه العقد لا تنعدم . ولكنها تذوب عندما تنحل    زواياها الحادة والمنفرجة وتبقى الزوايا القائمة    شاهدة على ما في الدخان من ازرقاق أسود مشوب    ببياض .

- ترى ماذا يوجد في تلك الزوايا ؟ - توجد أعقاب السجاير وبقايا النساء وفواضل الخمر والافيون . . .

- هيا ، قم بنا قبل أن تصاب بجنون .

وقامت أمامك صورة المجنون الذي صعد إلى قمة الجبل ورفع في وجه السماء قبضة يده ، صائحا : (( أنا الإنسان ، وهذه ساعة زواجي بالآلهة )) .  ولكنه فقد توازنه قليلا فتدحرج من أعلى إلى سفح الجبل . . .

- 3 -  ملحق : ضغث ؟

ورأيتني في قريتي أسير على ضفة واد ، وإذا بها هناك ، ذات العينين العسليتين ، تغسل ثيابا .

- مساء الخير .

ورفعت إلي وجهها رأيت فيه وجه امرأة في الاربعين .

السمرة المذكرة بصورة صليحة وقد وئد في حلقها الصوت والعينان الحادتان المستطيلتان المذكرتان بصورة الغولة الخرافية ، واليدان الطويلتان الرقيقتان الغائصتان في الماء تذكران بيدي ثور ، والصوت الحاد يقرع أذني وقد بدا الغضب العنيف على العينين الحادتين

- أشنوه ؟ - ماذا هناك ؟ ما بك ؟ كلمة واحدة . . .

وجلست بلا استئذان أهش في أذنها :

لقد لازمني مثال للمرأة طيلة سبع سنوات ، بحثت عنه بلا جدوى . حتى أوشك قلبي أن يتردى في هوة سحيقة من اليأس وقد قارب اجتياز مرحلة العواطف الحادة . حتى ظهرت أخيرا فى سمائي فانقذتني من الهوة ، وخلقتني من جديد . فأنت المثال قد تحقق والخيال أصبح واقعا . فهل تنكرينني ؟

وتهلل الوجه العجوز فإذا اللون اللوزي يغزوه وإذا هو كعهدي به غض ريان . فالعينان عسليتان كأحسن الحسن وأبدعه واليدان ناعمتان رقيقتان لينتان . . . وأفعمتك الصورة الملهمة غبطة ونظرت إليك العينان المذكرتان بعهد الطهارة المحض والبراءة الحق :

- أنكر ذاتى إذا أنكرتك .

ولكني استيقظت وفي يدي قبضة من خيبة ، وعلى لسانى هذه الكلمات :

- (( دي الزمان حيخلص منك )) . . .

إ. م.

تونس ، فى 1-6- 69

اشترك في نشرتنا البريدية