الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

إيران في عهد الدولة القاجارية

Share

سفارة الأمير الروسي منجيكوف :

بعد فشل المحادثات الايرانية الروسية التى جرت بين حامل أختام البلاط القاجارى والجنرال الروسى ويلهمنيوف فى تفليس وقبل ان يصل حامل اختام البلاط الى طهران كانت روسيا قد عينت الامير منجيكوف سفير فوق العادة لها لدى ايران فى عهد الامبراطور الروسى ( نيكولاى الاول ١٨٢٥ - ١٨٥٥ ) الذي تولى عرش روسيا بعد موت أبيه الإسكندري الاول .

كانت مهمة السفير الروسى الجديد استئناف المحادثات السياسية بين الدولتين بشأن الحدود إلى جانب اطلاع فتح على شاه القاجارى على جلوس نيكولاى الاول على عرش روسيا ، وقد كلف السفير منجيكوف بدراسة مدى امكان عقد حلف بين ايران وروسيا ضد الدولة العثمانية ، وكان منجيكوف قد أجرى محادثات حول ذلك الموضوع فى تبريز مع الامير عباس ميرزا قائد القوات الايرانية فى الجبهة الشمالية بحضور الوزير ابي القاسم القائم مقام ونبودنت وجهات النظر حول الموضوع بين الامير القاجارى والسفير الروسى . وفى الرابع من شهر ذى الحجة سنة ١٢٤١ ه -

صورة

سنة ١٨٢٦ م استقبل فتح على شاه القاجاري السفير الروسي الجديد في معسكره بالسلطانية .

كان السيد هنري ويلوك القائم باعمال السفارة البريطانية في طهران يحضر كل الاجتماعات التى كان يعقدها العاهل الايرانى مع كبار الساسة الايرانيين لدراسة المشاكل الإيرانية الروسية فى الحدود الشمالية ، وكان القائم بالاعمال البريطانى يرجو من الشاه ان تتصرف ايران بحكمة مع خصومها الروس لان فى ذلك مصلحة كل من روسيا وايران . بينما كان رجال الاستخبارات البريطانية امال الميجر هارت والدكتور كروميك يقومون بدور آخر مختلف تماما عن دور القانم بالاعمال فكانوا يحرضون الامير عباس ميرزا على استئناف الحرب ضد روسيا .

بعد أن قدم الامير منجيكوف السفير الروسى اوراق اعتماده الى فتح على شاه القاجاري بدأت المحادثات بين الطرفين الروسي والايرانى . وكان يرأس الجانب الروسي السفير الروسى . كما كان يرأس الجانب الايراني ولى عهد ايران الامير عباس ميرزا وعضوية كل من آصف الدولة وأمين الدولة ومعتمد الدولة والحاج ميرزا ابو الحسن خان الشيرازي والميرزا ابو القاسم القائمقام من كبار رجال البلاط القاجاري وعندما صرح السفير الروسى فى بدء المحادثات بأن محادثات الجانب الروسي ستكون على أساس اتفاقية تفليس التى كان الجانب الايرانى قد رفضها وانه ( اى السفير الروسي ) يعتبر منطقة كوك جاي جزء من الاراض الروسية رفض الجانب الايرانى طلب الجانب الروسي ولم يتوصل الجانبان الى آية نتيجة وكان الجانب الايرانى يحاول اقناع الجانب الروسى بوجهة نظره

. بدأ الساسية الايرانيون يترددون على السفير الروسي منجيكوف محاولين اقناعه بوجهة نظر بلادهم ، ولكن السفير الروسى كان يصر على موقفه كشرط لاستئناف المحادثات ثم طلب من ايران ان ترسل هيئة سياسية الى روسيا لدراسة وجهات النظر هناك وأجلت الاجتماعات بين الطرفين الى حين عوده البعثة الايرانية من روسيا .

كانت بريطانيا خلال هذه المناقشات الدائرة بين روسيا وايران تحاول بكل الوسائل ان تورط روسيا فى حرب مع ايران . فبريطانيا تعلم ان دخول روسيا فى حرب مع ايران في المناطق الشمالية والشمالية الغربية سوف يجعل روسيا تركز اهتمامها على تلك النواحي وبالتالى ستنصرف عن التفكير فى شرق ايران حيث المصالح البريطانية في المناطق المتاخمة للهند .

ووجهة السياسة البريطانية في صرف انظار الروس عن مستعمراتها فى الهند تتضح من تصفح الرسائل التى كان يحررها السير جان ماكلوم في هذا الموضوع فالسير ماكلوم كان يرى ان ضعف مقاومة ايران في المناطق الشمالية قد اتاح للاستعمار الروسى التوسع الى الشرق وأصبحت المصالح الاستعمارية البريطانية فى خطر ، وكذلك نقرأ فى رسالتين للسيد هنرى ويلوك القائم بالاعمال البريطانى في طهران احداهما ارسلها الى ويليام بيت لورد امرست الحاكم البريطانى العام فى الهند بتاريخ ديسمبر سنة ١٨٢٥ والثانية الى جورج كانيغ ، ويتضح من هاتين الرسالتين كيف كانت بريطانيا فى خوف وقلق شديدين من التقدم الروسى نحو الشرق . وتانك الرسالتان موجودتان فى كتاب التاريخ السياسي والدبلوماسى فى ايران للدكتور على اكبر بينا .

بينما كان السفير الروسي في طهران يجرى محادثات سرية مع القائم بالاعمال البريطاني في طهران وقبل ان تتحرك الهيئة السياسية الايرانية التى اقترح السفير الروسى ارسالها الى روسيا لمعرفة وجهة نظر بلاده عن كثب جاءت الانباء من الجبهة الشمالية بأن القوات الروسية قد جددت حملاتها على المعسكرات الايرانية في نواحي ( باس آباران ) بتحريض من الجنرال اليكس بتروتيش يرمولوف الحاكم العسكرى الروسي وهكذا استؤنفت الاشتباكات المسلحة بين الطرفين بعد هدنة دامت ثلاثة عشر عاما . وقد حاولت ايران قبل الدخول فى حرب ضد روسيا ان تحل مشاكلها معها بالطرق السلمية فأرسلت وفودا الى البلاط القيصرى كما جهدت فى اقناع القائد العسكري الروسى فى الشمال بوقف الحملات العسكرية ، وأكثر من ذلك فقد حاول أحد مندوبي ايران ويدعي ( داود خان ) وهو في القسطنطينية فى طريقة إلى روسيا ان يشرح وجهة النظر الايرانية فى موضوع الخلاف على الحدود فى رسالة بعث بها الى السياسي النمساوى الشهير ( مترنيخ ) وقد حالت الحرب الدائرة فى الشمال بين الهيئة الايرانية وبين السفر إلى روسيا وحتى المندوبين الايرانيين الذين وصلوا إلى ( سانت بطرسبورغ ) لم يسمح لهم بمقابلة المسؤولين الروس ليشرحوا وجهة نظر بلادهم . كما ان محادثات الميرزا محمد على الملقب بدولت شاه الابن الثاني لفتح على شاء القاجاري مع الحاكم العسكرى الروسي الجنرال يرمولوف لم تؤد الى نتيجة مرضية لايران . . أزاء هذا الموقف رأت ايران ان لا بد من استئناف الحرب ضد روسيا بعد أن استندت كل الوسائل السلمية دون جدوى .

استئناف القتال :

الحروب التى خاضتها ايران ضد روسيا في مدى ثلاثين عاما التى حكم خلالها فتح على شاه والفتن الداخلية والدسائس والمؤامرات الاستعمارية قد انهكت الدولة الايرانية لذلك لم تستغرق الحرب بين روسيا وايران سوى وقت قصير بدأت بعده القوات الايرانية تتلاشى تحت ضربات روسيا الوحشبة ، لقد استولى اليأس على قائد القوات الايرانية في الجبهة الشمالية الامير عباس ميرزا الذي كان يلح على والده فتح على شاه في طلب الامدادات العسكرية ورواتب الجند فلا يرى سوى التسويف في هذا الوقت المحرج ، وكان النتيجة ان أجبرت روسيا ايران بعد ان سحقتها عسكريا على توقيع معاهدة التركمان جاي المذكورة التى فقدت ايران بموجبها كل شئ .

لقد كان لموقف علماء المسلمين فى ايران فى الحروب التى نشبت بين ايران وروسيا أثر كبير بارز فقد استطاعوا ان يثيروا حماس ايران الديني ويذكروهم بواجب الجهاد وكان من ذلك ان تحمس الجيش الايرانى الذى كاد يخلى الجبهة الشمالية بعد أن يئس من النصر فكان الوعاظ يحثونهم على الجهاد فى سبيل الله وان ما عند الله خير وأبقى فكان من نتائج ذلك الحماس الديني ان استطاعت القوات الايرانية استرداد بعض المناطق المسلوبة مما جعل روسيا تشك في قدرة القائد العسكرى الروسى فى المنطقة فاستدعته وعينت محله قائدا آخر بدعى باسكووتيس الذي كانت الحروب الروسية العثمانية فى البلقان قد أكسبته درية كبيرة بفنون الحرب .

بدأ القائد الروسى الجديد يركز حملاته على قلاع ايران فى الحدود الشمالية . وقسم القوات الروسية لتحارب فى جبهتين . الاولى جبهة ( قراباغ ) والثانية جبهة ( بروان ) وبذلك ارغمت القوات الايرانية أن تدافع عن جبهتين فى وقت واحد وبذلك سهل على القائد الروسي الجديد تفتيت القوات الايرانية ، كما استطاع استمالة الحكام المحليين وكسب تأييدهم وضمهم الى صفه .

وجد القائد الايرانى العام الامير عباس ميرزا نفسه فى موقف حربى وسياسي حرج للغاية وتكاتف اليأس والهزائم المتوالية على جيشه فى اضعاف موقفه الحربى ، فبدأ يتراجع ، يفسح المجال امام القوات الروسية التى سرعان ما استولت على طالس وبروان ولنكران . وانزلت بالقوات الايرانية خسائر فادحة في مدينة اوج كليب وسقطت الطرق المؤدية إلى نهر ارس فى يد القوات الروسية . كما تمكنت البوارج الروسية الحربية من امداد القوات الروسية بالرجال والمعدات فسقطت سواحل جرجان في يد روسيا ، وتحالفت قبائل التركمان وعشائر يموت القاطنة فى جرجان مع الغزاة الروس واعلنوا خلع طاعة الحكومة القاجارية . حاول الامير عباس ميرزا ان يرمي بأخر سهم في كنانته لصد التقدم الروسي نحو الداخل فركز قواته فى مدينة ( سروا اباد ) واشتبك مع القوات الروسية فى ربيع الاول سنة ١٢٤٣ ه فى حرب دموية طاحنة يائسة ، ولكن تأخر وصول الامدادات الحربية من العاصمة طهران كما كانت الحال دائما - زلزل موقف القوات الايرانية وأخيرا وبعد ان قاومت القوات الايرانية مقاومة الابطال سقطت مدينة سروا اباد في يد الروس وبذلك سقط آخر حصن ايرانى فتوغلت القوات الروسية

الى أذربيجان وشرعت تهدد العاصمة طهران نفسها .

القوات الروسية تدق ابواب طهران :

بعد الانتصارات المتوالية التى حققتها روسيا صدرت الاوامر الى القائد العسكرى الروسى باسكويتش بمواصلة الفتوحات والتوغل داخل الاراضى الايرانية واحتلال اذربيجان وقطع الطريق بين القوات الايرانية فى الشمال والامدادات التى تصل اليها من العاصمة طهران وتهديد العاصمة نفسها اذا لزم الامر . لذلك اصدر الجنرال الروسي أوامره الى القائد الروسي ( اريستوف ) الذي احتل ( سروا اباد ) بالسير الى تبريز ( ١ ) واحتلالها .

وعندما علم الامير عباس ميرزا بعزم اريستوف على احتلال تبريز ركز البقية الباقية من قواته فى مدينة خوي ( احدى مدن آذربيجان ) وأوكل الى قائده أصف الدولة أمر الدفاع عن مدينة تبريز وفي نفس الوقت أرسل احد رجال حاشيته المدعو فتح على خان الشتى الى الجنرال الروسى باسكويتش طالبا منه عدم التقدم الى تبريز وان ايران على استعداد للدخول مع روسيا فى محادثات لعقد صلح بين الدولتين ولكن قبل ان يصل مندوب الامير عباس ميرزا الى معسكر باسكويتش كانت القوات الروسية بقيادة اريستوف تقتحم ابواب تبريز فخابت كل آمال الامير عباس ميرزا . وباحتلال تبريز قطع خط التموين الرئيسى عن القوات الايرانية ذلك الخط الذي كان يأتي من طهران عبر تبربز ثم حضر الجنرال باسكويتش شخصيا الى تبريز ، وعندما رأى الامير عباس ميرزا ان والده فتح على شاه القاجاري

( ١ ) تبريز هي عاصمة منطقة اذربيجان ( المترجم )

ما زال مترددا في قبول عقد صلح مع روسيا ذهب بنفسه الى الجنرال الروسى واعلن قبول عقد المعاهدة مع روسيا وبدأت روسيا المنتصرة تملى شروطها على ايران المغلوبة على أمرها .

معاهدة التركمان ( ٢ ) بين روسيا وايران سنة ١٢٤٣ ه - ١٨٢٨ م

لقد اشترطت روسيا على لسان الجنرال باسكووتيش شروطا قاسية على ايران قبل الدخول معها فى التفاوض بشأن عقد معاهدة صلح بين الطرفين ، من ذلك ان روسيا طلبت من ايران دفع مبلغ خمسة ملايين تومان كتعويضات حرب لروسيا ، ولقد قام السفير البريطانى فى طهران والذى اصيبت بلاده بالهلع من الزحف الروسى اكثر من ايران نفسها قام بحث العاهل الايرانى للمسارعة بقبول شروط روسيا للدخول فى مفاوضات مع ايران لعقد معاهدة صلح وتعيين مندوب لايران يشترك فى دراسة تلك الشروط ، فوافق فتح على شاه القاجارى على ارسال احد رجال بلاطه ويدعى منوجهر خان الى تبريز حاملا مبلغ أربعة ملايين تومان كدفعة اولى للتعويضات المفروضة على ايران وفي قرية تدعى تركمان جاي عقد الجانبان الروسى برئاسة الجنرال باسكووتيش - الذى اتخذ هذه القرية مركزا لعملياته الحربية - والجانب الايرانى برئاسة الامير عباس ميرزا ولي العهد وعضوية كل من الميرزا ابو القاسم القائم مقام واصف الدولة ، والحاج ميرزا أبو الحسن خان الشيرازى ، عقد الجانبان جلسة حضرها السفير البريطانى كمراقب ، وفي هذه الجلسة صيغت بنود معاهدة التركمان جاي بين روسيا وايران واشتملت

المعاهدة على ستة عشر فصلا واتفاقية تجارية واحدة الحقت بمواد المعاهدة واشتملت الاتفاقية التجارية على تسعة فصول وفي الخامس من شهر شعبان سنة ١٢٤٣ ه الموافق للعاشر من شهر فبراير سنة ١٨٢٨ م وقع الجانبان على المعاهدة .

استطاعت روسيا بهذه المعاهدة المشؤومة التى فرضتها على ايران فرضا ان تحقق اكثر مما كانت تصبو اليه ، وحصلت بموجبها على امتيازات لم تستطع قواتها المحاربة في شرق اوربا الحصول عليها . فبالاضافة إلى ما حققته روسيا من معاهدة كلستان المعقودة بينها وبين ايران سنة ١٢٢٨ ه والتى أصبح بموجبها أكثر نواحي القوقاز خاضعة لروسيا استطاعت في هذه المعاهدة الثانية ( تركمان جاي ) ان تستحوذ على مناطق بروان ونخجوان وجزء من سهول مغان واصبح نهر رأس هو الحد الطبيعى بين روسيا وايران . كما استطاعت روسيا ان تكسب لرعاياها حق التقاضى امام محاكم روسية داخل ايران دون ان يكون للمحاكم والسلطات القضائية الايرانية حق التدخل فى قضايا الرعايا الروس ، وبعبارة أخرى أصبح الروس يتمتعون بالحماية القنصلية داخل الاراضى الايرانية وهو ما يعرف فى القوانين الدولية بالكابيتيولاسيون

كما كان من نصيب روسيا أن أصبح الاشراف على الملاحة فى بحر قزوين من حقها وحدها . . خرجت روسيا من هذه المعاهدة بنصيب الاسد فالى جانب الاراضى والقلاع والذخائر العسكرية والثروات البشرية التى كسبتها ارغمت ايران على دفع خمسة ملايين تومون كتعويضات لخسائرها الموهومة .

اشترك في نشرتنا البريدية