الأدب الشعبى

Share

هذا هو العنوان الذي اخترناه لكتابنا الجديد - الذي سيطبع قريبا بحوله تعالى - وسوف يضم بين دفتيه ( الادب الشعبي في الجنوب ) - الفولكلور الشعبي - من قصائد واغان ورقصات وزفات وملاحم وعادات وتقاليد من قبل مائتى عام الى تاريخنا الحاضر . مع دراسات وتحليل ، وحوادث لها علاقات بتاريخ المنطقة في تلك الفترة التاريخية . . وهذا فصل من فصول الكتاب تختص به المنهل الاغر .

شاعر شعبي ورئيس من رؤساء قبيلته عاش من اواخر القرن الثاني عشر الهجري وحقبة من اوائل القرن الثالث عشر . . شاعر خصب الخيال جزل القول مشغوف بالتقاليد القبلية العربية والفروسية المثالية والفتوة والنجدة وقصيدته الآتية من الملاحم الشعبية الخالدة التي تحفظ وتروى منذ ١٨٢ سنة بدون ان تسجل في كتاب او تدون في ديوان .

موضوع القصيدة

قيلت بمناسبة حرب قبلية نشبت عام ١٢٠٢ ه بين اهل ( الدهنا ) وأهل ( المحلة ) راجع ٤٦٥ ج ١ من كتابنا ( المخلاف السليماني او الجنوب في التأريخ ) وقد يكون من الفائدة التاريخية ان نأتي على خلاصة ما اوردناه هناك ملخصا وموجزا فى هذا الفصل .

اسباب الفتنة

كان بين اهل قرية ( المحلة ) وقبيلة ( عبس ) ذحول ودماء فاستجار احد افراد قبيلة عبس برجل من اهل الدهنا )

ومر العبسي برفقة جاره من طريق تمر قرب ( المحلة ) في حال ان التقاليد والعادات القبلية تقضي بان لا يجير الشخص الاعلى قبيلته ، فاعترض سبيلها اهل المحلة وقتلوا ( العبسي ) .

المطالبة

طلب اهل ( الدهنا ) من اهل ( المحلة ) الترضية الآتية :

الترضية الاتية : ١ - تحرير قرية المحلة ٢ - تسليم القاتل فرفض الطلبان وتأزم الموقف بين الطرفين .

الوساطة ( ١ )

رأي عامل صبيا حسما للفتنة الزام اهل ( المحلة ) باحضار اربعة اشخاص رهائن حتى يحضروا القاتل فقبل اهل ( الحلة ) ورفض اهل الدهنا الا ان يسلم لهم الرهائن .

الوساطة ( ٢ )

تبرع العلامة الشيخ احمد بن حسن البهكي للصلح بين الفريقين ، وبعد مشاورات ومحاورات مع اهل الدهنا تظاهروا له بقبول ثلاثة اشخاص كرهائن من اهل ( المحلة ) يصل الشيخ اليهم ليمكثوا لديهم ثلاثة ايام ، حتى يسمع الناس انهم لم يتساهلوا في دم جارهم وبعد الثلاثة الايام يسلمون الى عامل صبيا ويبقون في سجنه حتى يحضر اهل المحلة القاتل وعلى ذلك توجه الشيخ الى ( المحلة ) وتحامل عليهم بجاهه وطمنهم بانه توثق بالعهود المواثيق فسلموه الثلاثة الاشخاص للتوجه بهم تغمره الفرحة بنجاح مسعاه ، الا انه بوصوله الى (( الدهنا ) قبضوا منه الرهائن وكبلوهم بالحديد وقالوا له :

انصرف راشدا فقد ظفرنا ببعض ما نريد .

الجزاء

استشاط اهل ( المحلة ) غيظا وتربصوا حتى تمكنوا من القبض على احد اهل ( الدهنا ) فساقوه الى قريتهم رهينة في اصحابهم فعظم فعلهم على اهل ( الدهنا ) باسر احدهم .

الحرب

في يوم - ٣٠ رجب ١٢٠٢ - هاجم اهل الدهنا قرية المحله . واقتحمت خيلهم ركضا ازقة القرية فاطلقت عليهم نيران البنادق

من داخل ( الزروب ) ( ١ ) وبطبيعة الحال ان المهاجم فيهن كالمدافع المتحصن ومع ما ابداه اهل الدهنا من الاقدام والاستبسال الا ان خسائرهم من القتلى الذين بلغ عددهم عشرين قتيلا ارغمتهم على الارتداد والانسحاب .

الوساطة ( ٣ )

تقدم اهل قرية ( الملحا ) للوساطة في الصلح بين الطرفين والزموا اهل ( المحلة ) بالتحول عن قريتهم اليهم وتمكين اهل ( الدهنا ) من تحريقها فتم ذلك الا انه في يوم التنفيذ اعتدى احد الجهلاء على ( امرأة ) من اهل المحلة فاستصرخت باهل ( الملحا ) فنشب القتال فانضم اهل ( المحلة ) الى اهل ( الملحا ) وبذلك اصبح ٢ ضد ١ فانسحب اهل الدهنا بعد ان قتل شيخهم في المعركة .

المحالفات

رأي اهل الدهنا ان خصومهم قد كثروا فاستنجدوا بقبيلة بني شعب واجتمعوا في قرية ( السلامة ) فخرج عامل صبيا لتفريقهم فاكتفى بتحريق قريتي ( الدهنا ) و ( ناعس ) وعاد الى صبيا بعد ان عقد محالفة دفاعية بين قرى المخلاف : الجملة العشة ، الملحا ، الجارة ، المحلة .

الهجوم

بعودة عامل صبيا تجمع اهل الدهنا وبنو شعبة وهاجموا اهل ( الملحا ) فاقبل لنجدتهم حلفاؤهم وبعض اهل صبيا فاسفر الهجوم عن هزيمة اهل الملحا

( ١ ) الزروب : جمع زرب : السياج الذي يحبط بالبيت ويكون الزرب من اغصان شوك السلم او السمر او ما شاكلهما .

وحلفائهم و من ١٨    صبيا و ٢ من الملحا ، ١ من الماره وذلك في ربيع الاول ١٢٠٣ ه هذا خلاصة ما حفظه لنا التاريخ .

القصيدة

يكفي للدلالة على القيمة الفنية للقصيدة - في الادب الشعبى - انها متداولة الحفظ متواترة الرواية منذ ما يقرب من قرنين مظ الزمن بدون ان تسجل في كتاب او تدون في ديوان يستظهرها الحفاظ غيبا وينشدها المنشدون بتحلين رتيب ونغم طويل عميق يكاد يحافظ على ادائه على تلك الطريقة كل منشديها .

المضمون والمحتوى

القصيدة وسط بين العامي والفصيح وان كان صاحبها غير متقيد بقواعد الاعراب فضلا عن استعماله الكثير من الالفاظ العامية كقوله ( فيا ندمان نفسي ) يقصد ( يا ندم نفسي ) فاراد المبالغة بنطقه مجموعا على تلك الصور وهذا مثل من عديد من امثاله كما ان في القصيدة ألفاظا من العامية المحلية مثل ( مزقور ) بفتح أوله وتسكين ثانيه وضم ثالثه وهو الطريق الضيق في القرية وكلمة ( سيل ) - بتشديد الياء - بمعنى اندفع في الفصحى و ( سبل ) في مصطلح اخواننا اهل نجد وغير ذلك كثير ، هذا من الناحية اللغوية ومن الناحية الفنية فالقصيدة للمتذوق للادب الشعبي غنية بالشعور الغامر والخيال المجنح والتبتل الحزين والحماس الصاعق وهذا ما نعتمده السر في خلودها وسيرورتها كل هذا الامد بدون تسجيل .

والقصيدة تسجل لنا وصف تكرب لقبلية وادوارها مع ذكر الشهر او اليوم لذي حدث به والمواقع . ولان ناظمها احد

طرفي النزاع فقد اضفى الثناء على الطرف الذي هو منه - وهذا بالطبع شيء لا يستطيع كل شاعر ان يتحرر منه . وتتكون القصيدة من ثمانين بيتا تشتمل على ستة مقاطع .

الاول - افتتح القصيدة بالتوسل والابتهال والانابة والاستغفار ويدلنا ذلك على شعوره بتأنيب الضمير وثقل المسئولية ومع ان مثل ذلك الاستفتاح يجرى عادة في القصائد الشعبية الا ان القارئ يشعر بزفرة الاسى ونغمة الحزن وبوطأة التبعة التي يرزح تحت ثقلها شاعرنا من اللحن الكابي والحسرة القاتمة في تلك المقدمة .

ثانيا - التمهيد للموضوع بطلب المدد وفيض الالهام ورسم الصور والتمثيل لما سوف يجليه من وصف بيانى خلاب .

الا اننا نلاحظ انه قبل ان تكمل الصورة

مع ابناء عمي في زماني

        على دهم معلاة عكاها

بدون رابطة مع ما قبله مما يدل على انه قد سقطت ابيات من القصيدة ولا غرابة في ذلك فقصيدة لم تسجل كل تلك المدة لا يبعد ان يجري فيها مثل ذلك . ثم اخذ بعد البيت المشار اليه في وصف اولئك الرجال الشداد البأس الذين يغنون حماسا ويتلظون نجدة .

ثالثا - يبدأ هذا المقطع بالجملة المعروفة في الشعر الجاهلي ( دع ذا ) ثم يذكر تلك الحرب التي يسميها بــ ( حرب حناف ) وهو القتيل الذي انسب الفتنة مقتله ، ويمضي يعدد مآسي تلك الفتنة وما جنته - بالطبع - على الفريقين من الخسائر في الارواح والاموال واليتم والترمل وتحريق القرى والتشرد الخ . .

رابعا - وصف في قيامه لاخذ الثأر واستعداداته ووسائه لاحراز النصر . .

خامسا - وصف حماسي مثير للوقائع مع ذكر الشهر او اليوم واسماء الاماكن التى دار فيها وعددها .

سادسا - الختام ويشتمل على البلدة التي انقضت على اصطلائهم بنارها وما قاسو من الشدة والجهد وما بذلوا من الصبر والتضحية . .

واذا كان التاريخ قد سجل لنا الحقيقة المجردة عن التهويل والمبادئة فان الشعر قد صور لنا تك الفتنة وحربها بكل ما يتطلبه الشعر من تصوير ومبالغة وتجسيم والآن وبعد هذه الدراسة الموجزة نقدم القصدة بنصها الكامل . . .

الا يالله يا عالم بسري

ويا عالم بما يخفيه صدري

ويا من تنزل الارزاق تجري

مدام الروح تنزل من سماها

آله فليت عنا قريب

لمن يدعوه مستمع مجيب

ولا سائل لسبحانه يخيب

اذا دعاه فى حاجة قضاها

وذا الرزق الوسيع وذا الجلالي

عريض الجاه سائله ينالي

وليس له بنون ولا كلالي

رفع سبعا على سبع دحاها

ولي ما له احد دليلا

ومغني الخلق جيلا ثم جيلا

طلبتك يا مهيمن يا جليلا

ذنوبي لا تحملني بلاها

رجوتك لا تواخذني بفعلي

اذا حملت نفسي اي حمل

تدبرني على غي وجهلي

وتأمرني فأعطيها مناها

اتابعها فتأمرني فافعل

لا فعال القبايح ثم اجهل

فلما شانني منها فعالي .

فايقنت الممات بلا محال

فياسفاه على ما قد جرى لي

وكم طاوعت نفسي في هواها

فيا ندمان نفسي في غللها

على ما قد تراخت في عملها

فيا مولاي تجاوز عن زنلها

اجرنى وأستمع مني دعاها

اجرني ونجني وانظر اليا

وبالعفو الوسيع اعطف عليا

وجنبني عن النار الحميا

وجارك ، لا تهبني في حماها

فيا رحمن جارك ثم جارك

تجرني يا الهي من نيارك .

بجاه ( القارعة ) وسور تبارك

و (نون ) و بــ ( الحديد ) ومن تلاها

طلبتك يا الهي يا غفورا

تجنبني من اهوال القبورا

وتدخلني مع حورا طهورا

وتسكن بالجنان عند طه

وتوطيني الى قبري ولحدي

لقدني مفردا في اللحد وحدي

وقد ضاع الجواب وقل جهدي

سألتك بالحروف ومن تلاها

فلقني الشهادة في شقاقي

اذا حمل من الدنيا مساقي

وقد حن النساء على فراقي

ولم ينفع لباكية بكاها

وقل للموت حين يضم روحي

يعالجها فتخرج من جيوحي

يلقيها بريحان وروح .

وتلقى منك يا ربي رضاها

الهي انك تهيني بنيه

على لسني وفي صدري هفيه

كمثل الورد في سلك حديه

تماثيل تهيء لها بناها

كما ذوق النسيل على لساني

اذا ما هب صفاه بياني

مع اولاد عمي في زماني

على دهم معلاة عكاها

شداد البأس يروون الظوامي

وفزاعون بالسمر النوامي

ويزدادون ان سمعوا كلامي

كما تزداد غيا في لظاها

فدع يا ذاك حيا ظاهر القاف

وانظر في وقائع حرب حناف

وكم بعد ترى تراب الجهاف ( ٢ )

وكم ساعت قبائل من قراها

وكم من غانيات صاحوا وناحوا

على اقوامهم عزوا وراحوا

رجال من ظهور الخيل طاحوا

على تلك البطاح ترى جثاها

كما زحي ( ٣ ) نزل من رؤس يخرف

بدا به سيل من بيش الموصف

وحثوه بالحيا رعد وعصف

وكم هيجات ( ٤ ) فاضوا من ضهاها

اخذنا بثار ( حناف بن جابر )

على جرد نقيناها ضوامر

بسها التجافف والمغافر

ونخضب من دم القتلى جباها

ويا ( حناف ) لك الله الرقيبا

بانا ما حملنا فيك عيبا

شببنا النار من بعدك شبيبا

رجالا مرد ما بلغت لحاها

فاول حرب أخر شهر شعبان

اجيناهم وعاد الصبح ما بان

وهم في دارهم ( للزير ) ( ٥ ) دقان

وصوت ( الغيد ) ناقع في سماها

فلما ان توارينا حملنا

عليهم في ( الزرانب ) ( ٦ ) ما ذللنا

ولكن ما رجعنا يوم وقفنا

وعادت ( لابتي ) تعبي عباها

فيا حناف لولا طاح منصور

لندخلها ولو من دونها صور

وتمسي النايحة في كل ( مزقور )

لعينك يا بن جابر ، لو تراها

وفتح السوء بالسبت التقينا

وذلك اليوم بكى كل عينا

وحام الطير بين الفرقتينا

وراعىى الراية البيضا طواها

وثاني حرب يوم حد جعلناه

اتينا حوضهم صافي فجرناه

وصالح شيخهم رأسه قطعناه

وعدنا والطيور على غداها

وثالث حرب برهنا بالاثنين

قليلين قوم ما ناجي ملا العين

غدينا صف والمخلاف صفين

ونثرنا الصفوف مع التقاها

ورابع حرب في المخلاف قبل

ترامينا الصفوف زرق المكبل ( ٧ )

وكم من شاجع يضرب وسيل

ويسيم الروح يعطيها مناها

وخامس حرب جينا بالمنيه

كما حملت ( قريش ) الجاهلية

اجينا لمساكنهم خلية

وحرقنا المساكن عن ولاها

وحل الحرب في الاخشاب ( ٨ ) وطنب

تداعيس البنادق والمصبب

( ٧ ) - المكبل : البندق ابو فتيل

وذا يلزم وذا يسلب وينهب

لحا الله قوم ما تحمي قفاها

وركبنا الحروب على المحلة

وشلينا الرجال شله بشله

وحرقنا وقد امست مزله

وطير البوم يصفق في سماها

وفي جوحان ( ٩ ) جعلنا حرب سادس

وذاك اليوم يعني حرب دامس

شققنا ( الزير ) وشقينا الفوارس

وخرجنا المخبى من خباها

وبالجمعة جمعنا كل مخلاف

ترادم الجماجم ساف على ساف

وما هي الا وسايد تحت حناف

الختام

ثمان سنين ما نهنا مناما

ولا نهنا شراب ولا طعاما

ولا ندخل ظلال ولا خياما

ولا ننظر لعذري في صباها

ولا نعرف لغير الحرب معنا

ولا نعرف سوى زرقا وطعنا

وحالفنا السباع وحالفتنا

وحتى الطير حالفنا معاها

ولا نخلع لباس الحرب ساعه

ولا نقبل لصلح ولا مساعه

ولا نقبل سداد ولا فراغه

ولا نفتش ثيابا من طواها

ولا احد سيفعل ما فعلنا

ولا يقدر على ما قد قدرنا

ولا يصبر على ما قد صبرنا

ثمان سنين نشرع في بلاها

وانا قد بلغنا الجهد حتى

يبيد وعادت الاعمار شتى

وعاد المعمل المعمور خبتا

كما بيض المحامل في خلاها

فذا الافعال جزاء لمن تعدى

ويبقى ردعها لمن تردى

ويحمل ذنبها قهرا وجهدا

وكيف الخاتمه لمن اشتراها

اشترك في نشرتنا البريدية