باسم التجربة القصصية واعتماد على - تعبير رجل يبحث عن نفسه -كان الانسان الصفر فى العدد الماضى من مجلة الفكر دعوة جريئة الى الانحراف والالحاد . ولنا بعدما اتضح ان عز الدين المدنى لم يجعل لعمله الغامض هذا وحدة موضوعية فنية ان نحاسبه على صحة فكرته التى لم تعتمد اهم مقومات العوامل الذاتية ولا الشخصية ولم تصور صراعا ما باسلوب معين داخل النفس ولا خارجها رغم هذه القدرة التعبيرية الغريبة التى تتحدى اتجاهاتنا المذهبية على حساب هذا الذى - فيه من الغموض ما فى انفسنا - من خلال اسطورة خيالية لم يكن لها ولن يكون لها وجود بهذه الغرابة المبالغة فى الانزلاق اللغوى والمعنوى . . . ونحن نريد ان نعرف فى اى مكان او زمان جدت او تجد مثل هذه الحوادث التى اراد بها صاحبها ولاشك انتهاج مذهب غريب يفهم به فلسفة الاخرين . . . الانسان الصفر لون من الالوان البعيدة عن الادب لما فيها من حركات تعاظمت اضطراباتها وتبعثرت اتجاههاتها فتعثرت بمبدا سخر له الكثيرون منذ انطلاقته جهودا فكرية جبارة لتركيزه وتحقيق انطلاقته وتقييم معالمه الهادفة . . .
لا شك وأن أصعب الاشياء هى ان يعرف الانسان نفسه كما يقول ( سولون ) وان كان هذا - الانسان الصفر تنطبق عليه هذه النظرية فانه كان على عز الدين المدنى ان يبحث له عن طريق ينمى بها لديه الوازع الدينى لا ان يرتمي لاهثا بالفاظه الغريبة فى اعادة ما يقول ومحاكاته لان ( المحاكاة ) او محاكاة الاراذل تخلق الكوميديا ) كما يؤكد ارسطو وان كانت تخلق لدينا الماساة او التراجيديا المرة لانها اوضحت ما يعانيه الكاتب اثناء خوضه لهذا التطاحن اللفظى المعنوى المشتق والعابث بآيات كريمة سجدت لها الجبال والقوى البشرية والكونية كلها الا تفكير رجل يبحث عن نفسه وسوف لن يجدها كما اننا بدورنا لن نهتدى اليها مهما حاولنا البحث واطلنا التنقيب لانه من صنع الخيال المنطلق اذ ان هذه الاحزاب تداولتها السنة متباينة اللهجات واحتضنتها عقول متفاوتة التكوين واستمعت اليها اذان متفاوته الحساسية ، اترى لم يتوصل البعض منها الى ادراك ولو البعض من حقائقها ام لهجة هذا - الصفر - اطربت الجميع فمضوا مثله يبعثرون الرؤوس يمينا وشمالا متظاهرين بالوعى . . .
ثم ماذا عن هذا الرجل التائه الذى استطاع ان يقدم لنا تشبيهات رائعة وان كانت غير منطقية وصورا مزخرفة بديعة الالوان وان كانت غريبة ، افلم يكن حفظ الاحزاب على حقيقتها اهون عليه من هذه الاختراعات اللفظية والمعانى
الشاذة . . . وهذه الماساة ماجاءت لتخلق بقية المآسى الوانا من التعاطف الذى يصل به القارئ إلى هدف ما قد يكون القضاء على مقومات بطلها السلبية من اجل النظافة الاجتماعية او الذاتية او لنقل من اجل تطويره حسب ما تقتضيه ماهية الادب الماساة . . .كنا نود لو وضع غير عز الدين المدنى ما نسميه تعليلا او توضيحا لتفسير هذه الظواهر الغريبة غرابة الكثير من الالفاظ الواردة فى النص ولمحاولة جعلها تخضع للمنطق ولو بنسبة ضئيلة . وان ما ننكره هو ان الآية الكريمة التى تعيش فى اعماقنا يجعل منها الكاتب مادة يزيفها رجل قد يكون لا ذنب له ما دام لا يفهم ما يقول ولا يقصد الاساء ما دام يحاول اخفاء افلاسه وعجزه فى تلاعيبه اللفظية . . .
ان عز الدين المدنى يبحث ولا شك عن التجديد باستعماله هذا اللون الذى لم يتجاوز التقديم المباشر وكان عليه ان يتصور مدى ما خلفت قراءة هذه المسلسة المطولة وهذيانها من تاثير ونقمة فى اوساط اجتماعية وثقافية ودينية لم نسجل لها افلاسا فى التفكير ولا حتى في التاويل ولا عجزا فى فهم العقائد الدينية التى لم يحاول احد مطلقا منذ القديم معرفة اصولها ولاحقائقها . . . فالعيب الذى نسجله اذا هو ليس وليد الفكرة وحدها لأنها جديرة بالاعتناء والتقويم وانما فى هذا الاسلوب الذى حاول به صاحبه ان ينتصر للفن باسم الرجل الغامض عل حساب العقيدة المقدسة والآية الكريمة وكان عليه ان يقدم لنا انتفاضات هذا الباحث عن نفسه فى قالب روائى او قصصى يكون امتدادا وتاكيدا لما يريد ان يعبر فى اطار - الفن للفن - واذا اودع المجتمع فى الفنان كل ثقته فليس من حق هذا الاخير ان لا يتفانى فى تقديم اعمق واصدق واغنى النماذج الفكرية والادبية وان لا يندفع مع العقيدة الدينية المركزة لينسجم مع الشذوذ والتناقض بين الطبيعة العقائدية والانتاج الفكرى . . .
وان ما زاد المسألة تعقدا هو اننا كلما حاولنا اخضاع جزء من هذا العمل الى منطق معين ولو مزيف نفشل فنكتفى بان نقول انه فن قصصى تهتزله القيم الدينية والاجتماعية لانه يتحدى مناخ عصرنا الذاتى والفكرى معا : ( خلق الانسان من يزقة . من قردة . من خلية من دودة وحشية وارسلنا عليهم القمل والحراد والخنافس الدنافس والضفادع واكلونى البراغيث والبق والناموس والجرذان والاحناش . . . ) فكاننا نعيش الادب بلا عصر ونعى الاشياء البذيئة بلا فكر لمجرد كونها صادرة عن انسان يبحث عن نفسه من خلال ثرثرة لا حقيقة لها ولا معنى ولا هدف . والكاتب بالرغم عن كل شئ وكما تقتضى الظروف الادبية الصرف مطالب باتخاذ موقف مالكى يجعل من هذه الخواطر المبعثرة دراسة نفسية باسلوب فنى حتى ينتصر على كل هذه التناقضات وحتى لا يجعل هذه المغامرة الادبية فى شكل قوالب مستعارة لا تقيدها انماط مذهبية ولا تقاليد دينية تؤمن بان الفن فلسفة الحركات الفكرية والثقافية .
