الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

الشيخ أحمد

Share

لم تكن عشية ككل العشايا ( * ) . . لقد مات الصيف واقبل الخريف ولكن شيئا لم يتغير من قريتنا السمراء . . , وكانت عشية عابسة ، أقبلت فيها السحب من فوق البحر وتراكمت تراكما كثيفا ، ، فاستقبلتها القرية السمراء بكل فرح واطمئنان ، فقد اضناها القحط واليببس فلا خصوبة ولا ماء . . ولطالما خرج الفلاحون وعمال الارض الى الخلاء ، يؤمهم الشيخ أحمد ، يبتهلون ويدعون وكانت أصواتهم رفيقة ، حنونة فيها لوعة وحرمان ، تدوى فى الخلاء المترامى دعوة وابتهالا - ارحم يا رب . . ! انعم يا رب . . ! استجب الى دعوتنا يا رب . . ! وتنسكب حزينة كئيبة الى منازل القرية فتقطر لها قلوب النساء والاطفال الصغار ، لوعة وأسى .

وفى هذه العشية ، تعم الفرحة قلوب الفلاحين ، فتدخل المنازل الصغيرة والاكواخ وكانت قطرات المطر الثقيلة تصيب رؤوس الاطفال الصغار ، فيهرولون فى الازقة الضيقة المبتلة ، وكانت اصواتهم الصغيرة تردد لحنا جميلا يحفظه سكان القرية ولكنهم لم يرددوه منذ زمان .

يا مطر يا خالتى ، صبى على قطايتى . . قطايتى مبلولة بالزيت والزيتونة وتنساب هذه الاصوات الرقيقة ، حلوة لذيذة . فتدخل المنازل والاكواخ المتناثرة فتفرح النسوة ويغمر الاطمئنان قلوبهن . فها هى نعمة الله مقبلة ورحمته قريبة . . ان الله رحمان رحيم ، قد استجاب الى دعوات أزواجهن وعما قريب ستخصب الارحام . . وستكون الحياة .

ويقرع الشيخ أحمد باب منزله الصغير بكل قوة وعنف ، فتستقبله صالحة جزعة خائفة ترتعد مفاصلها . .

- مالك يا شيخ . . الله يستر ، ماذا حدث ؟ ويسكن ما بها من جزع وخوف عندما يأخذها زوجها مرتبا على كتفيها .

- الله ، يا مرا ، ، ألم يحدث شئ ، انظرى السماء . . ابشرى يا امرأة . . ابشرى يا مرا ، ، ان الله استجاب الى دعوتنا . . السماء ستمطر الليلة . . سينزل المطر . . سينزل المطر .

وتمتلئ ساحة المنزل الضيقة حركة ونشاطا . . فيعلو ضجيج الاولاد . . المطر . . المطر . . وتستيقظ الحاجة مبروكة - والدة الشيخ أحمد من نومها الطويل . . وتنتصب قائمة تتحس الحائط فتعثر على النافذة الصغيرة وتخرج رأسها منها الى ساحة المنزل فيلسعها نسيم بارد وتصيبها قطرات مطر غليظة فتصبح فى زوجة ولدها :

- صالحة - . . هل وضعت - القصعة الحديدية - تحت - الميزاب - انت لا تصلحين لشئ . . هذا الجيل لا يصلح لشئ . . انها مصيبة . . انها مصيبة .

ولكن الشيخ أحمد لم يدعها تنهى حديثها الطويل فيقاطعها . . .

- قلنا لك منذ زمان لا تفتحى النافذة . . انت مريضة ومن يدرى يا حاجة . . وتعود الحاجة الى فراشها . . . فتمتد عليه وهى تلعن بصوتها الاجش بنات هذا الجيل . . وما هى إلا دقائق حتى تسبح فى نومها الذى لا ينتهى .

ويزداد الجو تعكرا فتسود العشية ويسيطر الظلام على القرية ، فتغوص فى السواد القاتم وتنزل قطرات المطر غليظة سريعة وسرعان ما تمسى سيلا جارفا ينزل من السماء . . ومن حين الى آخر يومض برق عنيف فيكشف عن ساحة منزل الشيخ أحمد الضيقة التى امتلأت ماء . . ويشتد البرق فتصحبه هزات عنيفة . . هزات الرعد التى تكاد تقوض جدران المنزل الصغير . . فيسرع الاطفال الى (( السدة )) المنصوبة فى ركن من اركان البيت الذى يضيئه قنديل شاحب بكاد يموت ضوءه . . فيندسون تحتها وأسنانهم تصطك فزعا وخوفا . . فيشتد غضب الشيخ أحمد المنتصب وراء النافذة الصغيرة يراقب المطر ، فيزمجر فى اطفاله الصغار المرتعدين :

- تخشون المطر يا كلاب - قوموا وانظروا المطر . . انها رحمة الله . . ابشروا . . ابشروا . . ولا تكفروا بنعمة الله . . فعما قريب ستخصب الارض وتعم الرفاهبة ويحول نظراته الى زوجته - صالحة - التى يلوح على وجهها بعض الخوف والجزع ولكن نظرات زوجها أعادت اليها شجاعتها وثقتها . . ويضع الشيخ يده فوق لحيته الطويلة مزهوا .

- ألم أقل لك يا مرا . . اننا سنمطر باذن الله . . ان الله لرحمان رحيم ويواصل كلامه عندما يجد صالحة ، زوجته الشابة ، تبتسم اليه ابتسامة رقية

- بعد غد ان شاء الله ، أعدى لي صاعين - زميطة - و - ويبة قمح - و - ويبتين شعير - فسأذهب الى - شانشو - أزرع بقعة من الارض . . ان الله رحيم يا مرا .

فتجيبه صالحة بصوتها الخافت الرقيق : ان شاء الله يا شيخ . . ان شاء الله يا شيخ . . ويظل واقفا وراء النافذة الصغيرة المطلة على ساحة المنزل الضيقة . . يراقب قطرات المطر الغليظة من خلال ومض البرق الذى يضئ من حين لآخر ساحة المنزل ودنيا القرية الصغيرة .

وتستيقظ - الحاجة مبروكة - من جديد على قعقعة الرعد التى تكاد تقوض اركان بيتها فتصبح بصوتها الغليظ - صالحة - يا صالحة - ولكن الشيخ أحمد يخرج رأسه من نافذة بيته - صائحا يجيب والدته .

- نامى يا حاجة - نامى واطمئنى . ان العام عام خير يا حاجة . . العام عام خير يا حاجة .

وتستكين الحاجة وتلقى جسدها النحيل مرة أخرى على الفراش الصلب وتغوص فى نومها الذى لا ينتهى . .

ويعود الشيخ أحمد ينظر الى خيوط المطر التى تبدو صفراء تميل الى احمرار عندما يضئ البرق بهو المنزل . . ويستيقظ من تأملاته الطويلة عندما تصيح به زوجته .

- يا شيخ . . انظر . . الماء يدخل الينا من عتبة الدار .

ويلقى بصره على الحصير المطروحة فى بهو البيت . . فاذا الماء قد اجتازها الى (( السدة )) المنصوبة هناك . . ويلتفت الى زوجته صالحة التى ارتسمت على صفحة وجهها سمات الجزع والخوف ، فيمسح لحيته المتدلية ثم يأخذ زوجته ويربت على كتفيها .

- لا تخافى يا امرا . . انه الغبث . . انه الغيث .

ويسرع الى السدة المنصوبة ويأخذ بكل رفق وهدوء الوسائد التى القى الاولاد رؤوسهم عليها . . ثم يضعها فوق عتبة البيت ليمنع الماء من الدخول ولكن الماء أخذ يعلو شيئا فشيئا فى ساحة المنزل . ثم تسلل بين الوسائد ودخل يملأ بيت الشيخ أحمد ترابا أحمر . .

ومن بعيد بدأت النساء والاطفال تدخل منزل الشيخ أحمد . . وتشعر صالحة بالخطر . . ويستيقظ الاطفال الصغار . . ويزداد الماء الاحمر علوا .

انه يكاد يدخل من النافذة الصغيرة . . لقد اقبل النهر غاضبا ، حاقدا ، يجتاح القرية السمراء فيزداد صراخ النساء والاطفال . . الى السطوح ، الى السطوح .

ويخرج الشيخ الى ساحة المنزل وتتبعه صالحة والاولاد ، ويصرخ الشيخ فى وجوههم - الى السطح . . الى السطح . .

ويتجهون كلهم الى السلم . .

وكان الماء قد اجتاز النافذة الصغيرة التى كانت تطل منها الحاحة المبروكة عندما صارت صالحة والاطفال فوق السطح . . وتصرخ صالحة فى زوجها الذى غاص نصفه الاسفل فى الماء البارد . .

- الحاجة يا شيخ . . الحاجة يا شيخ .

لقد تركوا الحاجة نائمة فى بيتها ولم يسمع لها حركة منذ طمأنها ولدها ودعاها الى النوم . . وأسرع الشيخ الى بيت والدته ، وفتح الباب بعد جهد كبير . فاذا الحاجة منتفخة فى ركن من اركان البيت يلعب بها الماء .

ويلتحق الشيخ بزوجته واولاده فوق السطح ، والمطر ما زال ينزل سيلا جارفا من السماء وتفهم صالحة ما أصابهم فتنزل الدموع من مقلتيها وتمتزج بماء المطر النازل من خصلات شعرها المتدلى . . دموع اللوعة والاسى .

ويقطع الشيخ الصمت . . فينظر الى اولاده الذين يرتعدون . . وفى زوجته الباكية فيقول لها فى هدوء :

- الله خير . . والبركة فيك يا صالحة .

ويسكن المطر . . وتتفتت قطع السحاب . . وكان صباحا مشرقا أطل على القرية ، فيخرج الشيخ أحمد الى أزقة القرية ، فيشتت صارخا مزمجرا ، جموع الرحال الجاثية فى صمت وخشوع أمام المنازل المتناثرة . . ثم يهدأ ويرتاح عندما يصل إلى ساحة القرية ويجد الشيوخ ملتفين حول (( الكانون )) يطبخون الشاى . وبعثون فى اجسادهم الباردة شيئا من الدفء والحرارة ، فترتسم على شفتيه ابتسامة رقيقة :

- الله خير يا جماعة - والبركة فيكم .

فتجيبه الجماعة :

- البركة فيك انت يا شيخ . . ويمدون اليه كأس شاى أخضر .

م . ب . - كلية الآداب -

اشترك في نشرتنا البريدية