سنوات طوالا قضاها الشيخ أحمد بهذه الزاوية الفريدة فى هذا المهمه الموحش حتى انقطعت به سبل حياته عن الاصحاب والخلان وانس في نفسه صبرا على الوحدة وصمودا فى وجه مطالب دنياه فهو لذلك يكاد يستبشر خيرا ، ويؤمل مما كره انفلاتا . .
غير انه كلما سمع حداة الابل يطرونها اطراء لتزداد القواحل صبرا وتقوى اهتزت نفسه للانس وعادت الى خياله عهود الشباب وذكريات الرجولة الباكرة وكاد الشجن بغلبه والحنين الى الماضي يعصر قلبه عصرا فيطرد هذه الخواطر ببسام الاماني ووارف الامال ويأخذ فى تمارينه الصوفية الشاقه التى تزيد هيكله المكدود ضعفا وهزالا حتى تمرس بالوحدة ووطن نفسه على احتمال مضضها فما عاد يحفل بما حوله فسواء عوت الذئاب ام ترنمت القوافل او رغت الجمال . . لا يهتم بذلك ولا هو يفرح او يرهب . . فى غفلة عن كل شئ ما عدا الصلاة والتهجد بكرة واصيلا . . دعاء متواصل واستغفار دائم موصول كمن استفاق بعد اجرام واقتراف كبائر فهو طالب عفوا وتوبة . . ولا أحد يعرف كيف يحصل هذا الرجل الهارب بهمومه واسراره على قوته ولا كيف يسدر معه ولربما هفت نفسه الى شهى الطعام والحت فى ذلك غير انه يصابر نفسه اياما ويقسو عليها ويقول : " إذا عجزت عن مقاومة رغبة كهذه فاين السبيل الى الخلاص واين التسامى ؟ " ثم يقسم فى سره ان لا يخرج من صومعته ولا هو طالب قوت . ويستمر على هذه الحال مستعينا على ذلك ببعض ما تبقى له من سفرته الاولى الى هذا المكان . فيصبر ويصابر ويفارع التروع بالعزم والحاجة بالانفلات منها وتناسيها وكلما انقضت ايام وتناسى مطالب ورغبات سر في نفسه وآمن انه بالغ يوما لا محالة شأو العظام . . ولكم تمثل في سره بقوله ( جوته ) كل من يسعى فلا يضنيه السعى جدير ببلوغ سر الخلاص .
وذات ليلة . . اذ هو فى تمارينه الصوفية وتأملاته العميقة الشاقة يطرق الباب عليه طرقا خفيفا فيغفل ثم يزداد الباب طرقا والطارق الحاحا فيحاول ان يهتدى الى هوية الطارق من خصاص الباب فاذا المصباح الزيتى لا يكاد بقاوم ظلام الزاوية الكثيف ، وجاء الى الذهن خاطر صوفي شاطح جذاب " لعله احد ملائكة الله الاطهار جاء لقبول الدعوات والمكاشفة باسرار الخلود ! ٠ ؟ واذ يفتح الباب تندفع الى الداخل سيدة ولوع كانت له فى بعض ايام تيهه
وشبابه وكان بينهما غرام فاذا هو مشدوه يكاد يصعق مما يرى فيحاول دفعها الى الباب واغلاقه دونها لما استفاق من غشيته فيجد ان المرأة السليطة اللسان تطلب منه ان يسمعها لبضع دقائق ثم هى لشأنها وهو لخلوته التى اراد ! . . فيذعن لذلك وهو فى حيرة من امره وفى شك من قوة احتماله مريب . . اثراه يقوى على المصاوله والمحاجة مع ما عرفها به من استقامة اللسان وقوة الحجة وصلابة المنطق فى مثل هذه الظروف ؟ ! والانكى من كل هذا هذه الخواطر الهاجمة فى اصرار ولا اصرار جحافل النمل تقيم الخلية بين الجلاميد . ولا حتى اصرار الغرائز البشريه لا تقاوم . . . وبدأها بقوله : الدقائق مضت تترى يا هذه وانت لم تبرى بوعدك فتقول حاجتك وتنصرفي ، الى حالك
هلا أسرعت ؟ ! فتتضاحك فى غنج قائلة : اتذكرني جيدا ؛ ثم ترمي بمئزر لها كانما كانت تتقى به بردا فبدت امامه في اتم زينه كالساعية الى غرام او المدعوة الى زفاف . . فاستغشى الشيخ ثيابه واستدار الى الجدار يتعوذ بالله من شرها يحوقل ويستغفر محاولا جعل طقوسه وتمارينه الصوفية وماوطن النفس عليه من صبر وعزوف عن أوامر النفس سدا منيعا ضد هذا الجمال الهاجم مع اخطاء الماضى فى اصرار واغراء . . ثم الح عليها فى ان تقول حاجتها وتتركه لما اراد وهو فى ذلك يتصنع كبرياء كاذبا وعلوا زائفا مهزوما . فتتهمه السيدة بانه خان العهد وهان عليه الود ونسي العشرة وانقض ايمانا كان بالامس أو كدها فى سنين خلت فيزداد استغفارا وتعوذا وعزوفا عنها وتندفع يده الى كتاب كان يتبرك به ويعتقد فيه الخوارق المعجزات ليستعين على دفع الماضى بكل ما فيه من اخطاء تجمعت في شخص هذه الغانية اللعوب ولكن السيدة لا ترتاح لعزوفه وصمته فتعاود تلميحها الى الماضي الذي قضاه معا يوم كان من شبابه فى العنفوان . .
وهنا أحس الشيخ بتيارات متعاكسة تفري داخله فربا وتفعل بذهنه ما تفعله الامواج الصاخبة بزورق تحطم شراعه . . وحاول ان يسبين الخيط الاصلى فى هذه اللغة المتداخلة من الخواطر فراعه ما تبين وهاله ما عرف ! . . فاقسم فى سره ان سيطرد هذه المرأة شر طردة فرفع عمامته عن جبينه وصفن اكمام جبته عن ساعديه كمن يصمد لصراع وقال : " انصحك بالخروج الان واذا ابيت فساريك غير ما تظنين . . هيا اخرجى . . اخرجي من افق حياتى . . أما كفانى الوصل الذي تمرغت فيه حتى الاذان . . اخرجي من صومعتى الطاهرة ودعينى مع الله فى سماواته ونعيمه ولكن السيدة تأبى الا التهاتف والتهافت والدلال ثم تأخذ فى قهقهة عالية هى الى السخرية اقرب ، فيثور الشيخ او يمثل الثورة ويهجم عليها محاولا دفعها الى الباب واغلاقه دونها فاذا هى تتجرد عن بعض صدرها وتنتصب له كاعبا تلعاء ترتمى عليه كالذائبة غراما وحبا فينفلت منها صارخا صرخة دوت بها قبة الزاوية الصغيرة ثم يستدير الى الجدار ويمد يده الى سوط هناك ويأخذ فى جلد نفسه كما تجلد الخيول فى السباق العظيم وهو بين الجلد والتشفي كمن يأخذ بثارا
وينتقم من عدو لدود والمرأة تتوسل اليه ان يكف عن الفعل ويرجع الى رشده ويقلع فيأبى النصيحة ولا يأبه للتوسل فترتمي عليه محاوله خلاصة مما هو فيه فاذا هي تنال من سوطه لسعات موجعات واذا تأوهات أليمة صاعدة من اعماقها خالية من كل مين وتزييف واذ ينتبه الشيخ الى بكانها يقلع عن عمله الجنوني ويتأمل فيرى فى عينيها الجميلتين دموعا تذهب بصبر القساة . . واذ يميل عليها يساعدها على النهوض يتسرب منها عبير دافىء عميق تعب منه رئتاه ما تعب واذا زوابع ثائرة هادرة رعناء تهدر فى اعماقه فتجحظ عيناه وتختلج ارنبة انفه ويتنزى عرقا كالنائم الى الشمس فى ظهيرة صيف ، ويخفق قلبه خفقانا سريعا ويثقل سمعه فتنقطع صلته بالأشياء حوله فلا يسمع غير جريان الدماء فى شرايينه وعبثا حاول تهدئه مشاعره بذكر جنات النعيم وفراديس الجنان وهي تفتح احضانها وتستعطف فتزداد حيرتة وارتباكة وتدوم حالته هكذا لحظات اشد عمقا وعذابا من لحظات الوضع لدى الانثى تمزقها آلام المخاض ثم قال فى نفسه لماذا لا اقبلها شريكه فى الحياة ويزداد هذا الخاطر لمعانا فاذا آدم سيد البشر ينزل من الجنه وحواء فى يمناه وإذا يوسف يري برهان ربه ولولاه لكان من الخاسرين واذا هابيل وقابيل فى عراك وبينهما جمال ثأر ما يفتأ يتأجح عابثا بكل صله حتى يؤخذ به ويجرم فيهرق دم وتكون بذلك اولى صور انسانية الانسان ويغرق الشيخ فى اعماق بشريته فاذا كل ما كان يؤمل ويتمنى يتبخر كاحلام نائم فى ليلة صيف واستدار الى السيدة فاذا هي تبسم له فى حياء كالمخجوله بما فعلت ثم يغادران الرواية ، صوب القرية البعيدة مع التناقض والشك والحيرة يعيشان

