- 3 -
أثر المرأة في نشأة الظرف
ب - على مستوى الاخلاق والسلوك : لم يكن أثر المرأة الحجازية فى نشأة الظرف من حيث هو اخلاق وسلوك دون تأثيرها فى معاصريها بحسن مظهرها وتأنقها فى لباسها وزينتها ، ولا سيما داخل النوادى (1) والمجالس الادبية الفنية التى كانت - فى آن معا - بمثابة البوتقة تصهر فيها عناصر هذه الحضارة الناشئة ومركز اشعاع لها حبر الأقطار الاسلامية الأخرى .
لقد كان لنخبة من بنات الاشراف وبعض المغنيات المحسنات - كما ذكرنا آنفا - من قوة الشخصية ومتانة الخلق و " الثقافة " والموهبة الادبية الفنية ، فضلا عن الجمال والأناقة ، ما جعلها تضفي على هذه النوادى جوا خاصا بحكم حضور العنصر الأنثوى الممتاز فيها ، وأهلها لأن تكيف هذه النوادى وتسيرها
على النحو الذي يرضى أخلاقها ويتفق وسلوكها ، يحدوها فى ذلك مبدأ (2) مزدوج .. نزعتان جهدت هذه النخبة من النساء فى التوفيق بينهما : الحرص على الاستمتاع بالحياة ومباهجها ولا سيما لذة الفن من جهة ، والحفاظ الشديد على حرمتهن وسمعتهن من جهة اخرى .
ولعل أحسن تعبير عن هذا التأليف الجاد بين الخلق والفن .. بين استقامة السيرة صيانة للعرض والتنعم بلذائذ الحياة يتجلى لنا فى كلمة لعائشة بنت طلحة .
كان زوجها مصعب بن الزبير قد لامها على سفورها فقالت معلنة حريتها فى التنعم بجمالها ، وقد رأت فى هذه الحرية حقا لها طبيعيا مشروعا .. نعمة إلهية ليس لها أن تحرم نفسها ولا الناس منها ، فقد خلق الحسن ليشع إشعاعا لا ليحجب ويقبر ، على أن يكون هذا الاشعاع فى تصون واحتشام ، دون إثارة ولا تهريج ولا فتنة ولا غواية . وقد دلت بذلك على أصالة فى الشخصية وطرافة فى السلوك والنظرة الى الحياة هي ثمرة هذه النزعة التحررية التى اختص بها الجيل الحجازى الجديد ، وكأن عائشة بموقفها هذا تعبر عن هذه الظاهرة وتمثل هذا الجيل .
والجدير بالملاحظة فى هذا الموقف القران الطريف بين الدين وعشق الحياة .. هذا الدفاع عن الحياة وعن حق التنعم فيها باسم الدين . يقول صاحب الأغاني : " كانت عائشة بنت طلحة لا تستر وجهها من أحد فعاتبها مصعب فى ذلك ، فقالت : إن الله تبارك وتعالى وسمنى بميسم جمال أحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضله عليهم ، فما كنت لأستره ، ووالله ما في وصمة يقدر أن يذكرني بها أحد " (3) .
ونلاحظ مثل هذه النزعة التوفيقية بين الدين والدنيا .. بين الخلق والفن عند سكينة بن الحسن فى أخذها بأسباب الجد والهزل معا (4) ، وقد حرصت من أجل ذلك - شأنها شأن عائشة بنت طلحة - على الامتثال لمزاجها
والاستجابة لنوازع طبعها وفاء لشخصيتها وإثباتا لهما : " قيل لسكينة واسمها آمنة ، وسكينة لقب : أمك فاطمة يا سكينة ، وانت تمزحين كثيرا وأختك لا تمزح ؟ فقالت : لأنكم سميتموها باسم جدتها المؤمننة تعنى فاطمة (عليها السلام) وسميتموني باسم جدتى التى لم تدرك الاسلام تعنى آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم " (5)
ونجد انعكاسا لهذا المبدأ وأثرا منه خاصة فى نطاق النوادى الادبية الفنية ، فقد عملت المرأة الحجازية على أن يسود مجالسها جو من الأنس والصفاء والمتعة والسرور لكن فى حدود الرصانة والتحفظ والاحتشام (6) . فكيف لصاحبة المجلس أن تشعر جلساءها - دون أذى منها - وتقنعهم بضرورة ضبط النفس - في حال الطرب والسرور - وكبح جماحها ، وإطلاق العنان لها فى الآن نفسه وإرسالها على سجيتها ، وأن هناك حدا أقصى من الانبساط وطرح الكلفة وحرية التصرف لا ينبغي تجاوزه بحال .!؟
ولعل أبرز شخصية حذقت هذا اللون من الظرف ( أعني فن المجالسة ) وبرعت في سياسة المجالس الادبية الفنية الى حد بعيد هي شخصية المغنية
جميلة لم تدانها فى هذا الباب - حسب ما جاءنا من أخبار فى كتاب الأغاني - واحدة من ظريفات زمانها .
ومن شواهد هذه البراعة ما اجتمع لها فى بعض مجالسها من خصال ومزايا يمكن اعتبارها آدابا راقية ساعدت هذه المرأة على أن تطبع ناديها بطابع شخصيتها بما فيها من قوة ومتانة ورقة ولطافة وحظ كثير من سلامة الذوق والتهذيب .
فمن ذلك حرصها ، ما استطاعت ، على التسوية (7) بين جلسائها معاملة وتقديرا ، وأن تحد من حرية الأفراد - دون إجحاف بها ومن غير مضايقة ولا إزعاج - بالقدر الذي يخدم مصلحة الجميع ويجعل من المجلس لحظات فريدة .. فرصة من فرص الدهر .. قطعة من الحياة صبغت صياغة فنية رفيعة ممتازة .
جاء فى الأغاني : "....حدثني من رأى ابن أبى عتيق وابن أيى ربيعة والأحوص بن محمد الانصارى وقد أتوا منزل جميلة ، فاستأذنوا عليها فأذنت لهم جميعا ، فلما جلسوا سألت عمر وأحفت ؛ فقال لها عمر : إني قصدتك من مكة للسلام عليك ؛ فقالت له : أهل الفضل أنت . قال : وقد أحببت أن تفرغي لنا نفسك اليوم ، وتخلى لنا مجلسك . قالت : أفعل . قال لها الأحوص (وكان معجبا بجميلة ، ولم يكن يكاد يفارق منزلها اذا جلست ) : أحب أن لا تغنى إلا ما أسألك . قالت : ليس المجلس لك والقوم شركاؤك فيه . قال : أجل . قال عمر : إن ترد أن تفعل ذلك بك يكن . قال الأحوص :
كلا . قال عمر : فاني أرى أن نجعل الخيار لها . قال ابن ابي عتيق : وفقك الله ... " (8) .
ومن آدابها أيضا ، وهو عنوان فائق رعايتها لجلسائها ، ما يتخلل مجلسها من رقيق الحديث - والحديث قوام الأنس ومن أهم دعائم الظرف - وما توجهه للحاضرين من عبارات المجاملة والحفاة والبشاشة تتعهدهم بها اششاعة للأنس وتوثيقا لأسبابه كأن تتمنى دوام المجلس تعبيرا عن بالغ ارتياحها وسرورها ، أو تعبر - عن طريق التلميح دالة بذلك على منتهى لباقتها - عن أسفها لقرب انفضاض المجلس وافتراق الشمل ، أو تعتذر عن نقص ما وتعد بتداركه فى أمد جد قريب .
"... فقالت جميلة ( وكان قد اجتمع لديها مغنون من مكة ضيوفا عندها وبعض من مغنى المدينة ) : ما أحسن مجلسنا لو دام اجتماعنا ! ثم دعت بالغداء فأتى بألوان الأطعمة وأنواع من الفاكهة ، ثم قالت : لولا شناعة مجلسنا لكان الشراب معدا ولكن الليل بيننا . فلم يزالوا يومهم ذلك بأطيب مجلس وأحسن حديث . فلما جنهم الليل دعت بالشراب ودعت لكل رجل
منهم بعود وأخذت هى عودا فضربت ثم قالت : اضربوا . فضربوا عليها بضرب واحد وغنت بشعر امرىء القيس :
أأذكرت نفسك ما لن يعودا فهاج التذكر قلبا عميدا
تذكرت هندا وأترابها وأيام كنت لها مستقيدا
ويعجبك اللهو والمسمعات فأصبحت أزمعت منها صدودا
ونادمت قيصر فى ملكه فأوجهنى وركبت البريدا
فما سمع السامعون بشئ احسن من ذلك . ثم قالت : تغنوا جميعا بلحن واحد . فغنوها هذا الشعر والصوت بعينه كما غنته ، وعلم القوم ما أرادت بهذا الشعر . فقال ابن عائشة : جعلت فداك ! نرجو أن يدوم مجلسنا ويؤثر أصحابنا المقام بالمدينة ، فنواسبهم من كل ما نملكه . قال أبو عباد : وكيف بذاك ! فبانوا بانعم ليلة وأحسنها " (9) .
ومن آداب جميلة الجديرة بالذكر تنويعها لمادة المجلس نفيا للسامة وتأكيدا للمتعة والسرور فهى تعمد الى المراوحة بين الغناء والعزف والحديث والقصص وإنشاد الشعر وقد يتخلل ذلك شىء من الرقص أو الهزل والمزاح ، وقد أدركت بحدسها وذوقها مبدأ فن المجالسة وقانونه الذي نص عليه فيما بعد بشار فى قوله وقد شهد مجلسا : " لا تصيروا مجلسنا هذا شعرا كله ، ولا غناء كله فان العيش فرص ، ولكن غنوا وتحدثوا وتناشدوا ، وتعالوا نتناهب العيش تناهبا " (10) .
جاء فى الأغاني : " فقالت جميلة ( لجلسائها وضيوفها من المغنيين بعد أن فرغوا من الغناء وقد جاءوا يحتكمون اليها ) : كلكم محسن وكلكم مجيد فى مغناه ومذهبه ... ثم سألوها جميعا أن تغنيهم لحنا كما غنوا ، فغنتهم بيتا لأمرئ القيس وأربعة أبيات لعلقمة ... فكلهم أقروا لها وفضلوها . فقالت
لهم : ألا أحدثكم بحديث يتم به حسن غضارتكم وتمام اختياركم ؟ قالوا : بلى والله ثم دعت بالفداء ... فلم يزالوا يومهم ذلك بأطيب مجلس ... فلما جنهم الليل دعت بالشراب ودعت لكل رجل منهم بعود واخذت عودا فضربت ثم قالت : اضربوا ، فضربوا عليها بضرب واحد وغنت ...." (11) .
مثل هذه العناية التى توليها جميلة لناديها إتقانا لصياغته وإحكاما لنظامه امتاعا وإيناسا لرواده ما كانت لتستقيم وتثمر لولا حرصها الشديد على صفو مجالسها فتحرمها لذة العيش ومعنى الحياة وتنال من منزلتها وفنها معا ، فمن ذلك رفضها للتعريض الذي من شأنه أن يخدش احساس بعض الحاضرين ، وعدم الاذن (12) لمن تنكر أخلاقه ويستهجن سلوكه ، وقد تعمد الى طرد من يرتاب فى سيرته ويكون مثارا للبلبلة والاضطراب والتشويش والفوضى .
" ثم قالت (جميلة وقد نصبها المغنون حكما عليهم ) للغريض : هات يا مولى العبلات ، فاندفع يغنى :
فوا ندمى على الشباب ووا ندم ندمت وبان اليوم منى بغير ذم
وإذ إخوتى حولى وإذ أنا شائخ وإذ لا أجيب العاذلات من الصمم
أرادت عرارا بالهوان ومن يرد عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم
قالت جميلة : أحسن عمرو بن شاش ولم تحسن إذ أفسدت غناءك بالتعريض ، والله ما وضعناك إلا موضعك ولا نقصناك من حظك فبم داهناك ؟
ثم أقبلت على الجماعة فقالت : يا هؤلاء اصدقوه وعرفوه نفسه ليقنع بمكانه ، فأقبل القوم عليه وقالوا له : قد أخطأت إن كنت عرضت . فقال : قد كان ذلك ولست بعائد . وقام الى جميلة فقبل طرف ثوبها واعتذر . فقبلت عذره ... " ( 13 ) .
وجاء فى الأغاني : " كان الأحوص معجبا بجميلة ولم يكن يكاد يفارق منزلها اذا جلست . فصار اليها بغلام جميل الوجه يفتن من رآه فشغل أهل المجلس وذهبت اللحون عن الجوارى وخلطن فى غنائهن . فأشارت جميلة الى الأحوص : أن أخرج الغلام ، فالخلل قد عم مجلس وأفسد على أمري ، فأبى الأحوص وتغافل ، وكان بالغلام معجبا فآثر لذته بالنظر الى الغلام مع السماع . ونظر الغلام الى الوجوه الحسان من الجوارى ونظرت اليه ، وكان مجلسا عاما . فلما خافت عاقبة المجلس وظهور أمره أمرت بعض من حضر باخراج الغلام فأخرج ؛ وغضب الأحوص وخرج مع الغلام ولم يقل شيئا . فحمد أهل المجلس ما كان من جميلة وقال لها بعضهم : هذا كان الظن بك ، اكرمك الله ؟ فقالت : إنه والله ما استأذنني في المجيء به ولا علمت به حتى رأيته فى دارى ، ولا رأيت له وجها قبل ذلك ؛ وإنه ليعز على غضب الأحوص ولكن الحق أولى ، وكان ينبغي له أن لا يعرض نفسه وإياى لما نكره مثله ... " ( 14 ) .
على أنه يبدو أن جميلة لم توفق أحيانا .. بالرغم مما خصت به من كياسة ولباقة الى التوازن والاعتدال فى معاملتها لجلسائها لغلبة الجد والصراحة على طبعها فلم تواجه لذلك هفوات بعضهم بالحلم والرفق ، ولم تتورع من مجابهتهم بالحقائق المرة فى غلظة وقساوة وفي شىء من الاستعلاء والكبرياء ، وفي ذلك إخلال بواجب اللياقة ومنافاة لسنن الظرف .
" زار ابن سريج جميلة ليسسمع منها ويأخذ عنها . فلما قدم عليها انزلته وأكرمته وسألته عن اخبار مكة فأخبرها . وبلغ معبدا الخبر - وكانت تطارحه وتسأله عن أخبار مكة فيخبرها - وكانت عندها جارية محسنة لبقة ظريفة ، فابتدأت تطارحها . فقال ابن سريج : سبحان الله ! نحن كنا أحق بالابتداء . قالت جميلة : كل إنسان فى بيته امير وليس للداخل أن يتأمر عليه . فقال لها ابن سريج : صدقت جعلت فداءك ! وما أدرى أيهما أحسن أدبك أم غناؤك ! فقالت له : كف يا عبيد ، فان النبي صل الله عليه وسلم قال : "أحثوا فى وجوه المداحين التراب " فسكت ابن سريج . وطارحت الجارية ... " (15) .

