أم ، وأب ، وابن ، مسافرون على الاقدام والصقيع آخذ بالدنى والثلج والجليد . وهم مع وقوعهم تحت أقسى الظروف مجهدون بما حملوا وطول المسير . . فى رحلة تحتمها ديانتهم مرة واحدة فى العمر !. يحجون بيتا لها وراء الافق ؟ ! فهم فى طريقهم المبرور يستريحون ازاء جبل . . .
الأ م : زوجة أحمد ، وأم على . الأ ب : رجل محنك مؤمن . الابن : طالب فى الفلسفة لم يخبر الحياة بعد .
.. . . . . . . . . .. الابن : هذا الجبل كم يبدو منيعا مهيبا يا أبى ؟ ! . . ا لأ م : وهل لا تحب الجبال يا بني ؟ . أما قلت مرة ماكره الجبال الا يائس او متشائم ؟ ! . الابن : الجبال أحبها خضراء تكللها الاعشاب والازهار كالتى فى خيالى . ا لأ ب : وهذا الجبل ، الا تحبه ؟ .
الابن : هذا الجبل اجرد فقير يا أبى يمتد مع الافق ولا تظهر له نهاية ولولا تلك الشجيرات المتباعدة من السعتر والتى تجعله وقد كللها الثلج كذراع شيخ أشيب لغدا قطعة من عذاب ! الأم : كذا الجبال كلها يا بنى فى هذه الربوع جرداء قاحله يكللها الثلج شتاء ويغزلها السراب امواجا كاذبة فى الصيف .
ا لأ ب : لعله لذلك اقتضت نواميس الكون ألا نعيش فيها طويلا وان نحج الكعبة فنستقر ونهدأ ويدركنا بعض الفوز ! . . الابن : قل ندرك نحن بعض الفوز ، اما ان يدركنا هو . فلا . ولا نرتضيه . ا لأ م : لو ادركنا الفوز لحمدنا الله على ذلك ورحبنا به ترحيبا . . الابن : سوف يقذف الله بحمدنا في وجوهنا آنذاك . .
الأم : استغفر الله ، وهل نحن شياطين . ا لأ ب : لا تستغغرى له الله ، فليس بمذنب ابنك !. وانما وقع بينكما - شأن الاحياء جميعا - سوء تفاهم . ا لأ م : ثب الى رشدك يا شيخ فنحن فى . . . ا لأ ب : لا تقاطعيني . قلت ان ابنك يريد أن يقول إن الله لا يتقبل الحمد ممن يتطاول على قدسية الانسان فيمحو شرفه وثقة الله فيه ! هل فهمت ؟ . الله لا يحب الجبان يهاب الصراع والنزال . . .
الابن : عين الحق ما قلت يا أبى . . اذ ليس الله عشوائيا كحمقى البشر يتفاخرون بالعطايا والصدقات وما علموا أنهم بذلك يضيفون الاهانة الى الايذاء . . هم يسلبون الفقير حقه فى أكل رغيفه ثم بعد ذلك يتصدقون عليه بفتات هذا الرغيف وهم من الفخر كالطبل انتفاخ اوداج . . .
الأم : ماذا يا بنى هل هذا ما منحتك كلية الفلسفة ان تثور فى وجه أمك وتتعالى على الله فلا تقبل منه رخاء إلا قسرا ؟ ! . الأ ب : فيم هذا يا فائزة ؟ . أما زلت ناقمة على دخوله شعبة الفلسفة ؟! . الأ م : أجل . . كنت أريده طبيبا لكن . . . الأ ب : قررت له العيش بين الامعاء والجماجم والكلى من آلام الناس وجراحاتهم . .
الأ م : وأبى وابيت إلا ان يتعلم العقوق والكفر بالالهة والغرور . . . الأ ب : لا يا فائزة ما هممنا بشئ من هذا . . إنما اردته افقا واسعا ونزوعا حرا أردت التطلع الى ابعد . .. . اردته كالنسر يأبى الا القمم وكالعطر المحترق صعودا سرمديا ولا نزول . . هل آمنت ؟. الام : آمنت ؟ ! اما باقوالكما فلا واما بغيرها فما فقدت ذلك لحظة . . استغفر الله فقد آمنت بشئ آخر . . آمنت بالندم اذ سافرت معكما . .
الأ ب : كلنا يا فائزة نادمون . . ما فتئ يلازمنا شعور بأننا قد اجتثثنا من أصل لا نعيه . . وانما نستدل عليه بالذبول شأن الفروع . المفصولة عن اشجارها . . من منا بمحض اختياره بدأ الرحلة هذا ما حتمته شرائعنا السمعة ومع كل حتى لا مجال للاختيار يا ويحنا . ؟ ! الابن : فيم الاطراق والحزن اذا كان هذا شأن القوم جميعا وكانت هذه مشيئة الله . . .
ا لأم : صدقت يا بني " اذا لم تجد ما تحب فأحبب ما وجدت " و " الشنقة مع الجماعة خلاعة " كما يقولون . دعوا الحزن ولنقبل على الرحلة بمرح . . ا لأ ب : " الشنقة مع الجماعة اخلاعة " كلمة تقال ما قبل الوقوف على رصيف المشنقة . اما بعد ذلك فهيهات هيهات ! . . ا لأ م : ماذا تقول ؟ . اى رصيف تعنى .
ا لأ ب : لا لم أقل شيئا . . . الابن : دعيك منه يا أم فأبى رجل ذو هواجس واحلام وقد يهذى احيانا بما لا يعقل لديك . ا لأم : كفانا من المعقولات والمستحيلات وفكرا معى فى طريقة نقطع بها الجبل ونجتاز الثلج . . ا لأ ب : أرى الامر سهلا يكفى ان نبدأ السير ونشد العزم ونكدح ونتسلح بالايمان والصبر وذلك حسبنا .
ا لأم : مستحيل ان يتسلق جبل املس كهذا كسى ثلجا وجليدا وكل من اقدم على ذلك فهو فى النهاية كسير او ميت او مصدوع العظام ولا ارى من الحكمة المجازفة . الابن : أرى ان خير وسيلة وابسط حل أن نتزلج عليه او نذهب فيه شوطا ثم نرمى بالحجارة كما يفعل صغار الرعيان فنلهو بمنظرها وهى تتكور وتكبر حتى تستحيل كرة كبيرة من الثلج ، اياما حتى تذيبه الشمس ثم بعد ذلك نبدأ السير . . ما قولك فى هذا يا أبى ؟ . أليس التزلج رياضة جميلة مغرية . . .
ا لأ ب : اذا اختلط الجد بالهزل والهزل بالجد فقد فقدت الحياة قيمتها وضاعت معانى البطولة والجسارة والشرف . واصبح الانسان قردا يعيش حياته هزلا ولعبا ! . وانا اربأ بنفسى والانسان يهاب الصعاب ويتنكب سبل الصراع الجاد ليهزل ويتوارى ! . . لا بد يا بني ازاء المشاكل العويصة من ايجابيات المواقف . . المشاكل كالقلاع الحصينة لا تلين الا اذا وجدت ارادة صادقة وعزيمة من نار اشد قوة مما فى الافران العالية تصهر الحديد ! . . ولا أرى الا ان تقدما على هذا الجبل وتعاندا الانزلاق والجاذبية والارتفاع فايان ما سقطتما فعاودا المسير حتى اذا فزتما كان الفرح عظيما عظم الصعاب التى لاقيتما فبارك الله جهودكما ووقف الجبل راكعا عند اقدامكما . . وان انتما لنتما وتخاذلتما فنأيالكما وعليكما لعنة الله والجبل والانسان . . . وما أرى الا ان الله سيعاقبكما بمثل ما عاقب به ( سيزيف ) حتى تدركا مرارة العبث وتفاهة الجهود تبذل ولا نهاية لها تظهر ولا فعل ينجز ولا أمل ولا رجاء . . .
الابن : لكن ماذا نجنى نحن من تسلق هذا الطود الاشم بنفس هذه السرعة وفى مثل هذه الظروف . . ما هو الكسب المرجو من وراء ذلك . الأ م : صدقت يا بني . . ما الفائدة من ذلك ؟ ولماذا المجازفة ؟ سؤال جرئ ولكن حرى بالالهة ان تجيب عنه . . ا لأ ب : نحن بنى آدم ما اشبهنا بالعبيد نهاب الفعل . . . إلا قسرا او طمعا فى مال او جاه او جمال ؟ ! اما اذا ما انتفى ذلك فقد ظهر التكاسل والتقاعس ولا مفر من سياط السيد تلهب الظهور . أما ان نخلص للعمل ونكدح فهيهات تم هيهات . . الى اللقاء الان . . . الى اللقاء .
الابن : الى اللقاء يا أبى . . . ثق اننا لاحقان . . . ا لأ م : احذرك يا أحمد السقوط ومرارة الفشل يتوالى والامل يتبخر ويضيع . . " تبقى مع ابنها ساعة يتخاذبان الحديث كالهمس وينظران الى أحمد يتحامل على نفسه ويصعد الجبل ويصغر ! . . ثم يقوم الابن فيذهب فى الجبل شوطا ثم يأخذ فى العبث بالحجارة . . وتبقى فائزة وحدها تهب نفسها اشعة الشمس والدفء . ثم تسمع صرخة عظيمة اطلقها أحمد وقد زلقت قدماه فهو الى القاعدة يتثبت بما يجد ولا يجد شيئا ويؤخذ الابن بما وقع لأبيه فيحاول اعتراضه فاذا هو يسابقه الى القاعدة تدحرجا حتى يقعا غير بعيد من فائزة فاذا هي كالمصعوقة من هول ما ترى ٠٠٠
فائزة : وا مصيبتاه . . . وا مصيبتاه . . . ابني . . . أحمد زوجى كيف أنتما ؟ . أحمد : ( يتحامل على نفسه ليقف ) . رفقا بنفسك يا فائزة فأنا بخير . على "الابن": أماه . . أماه . . هات يدك . . ساعديني . . لاقف . . يخيل الى ٠٠ ان عظامي فقدت تماسكها . . آه . . آه . . فائزة : لهفى عليك يا على . . .لكم حذرتكما الجبل والثلج . .
أحمد : على ابنى . . تشجع وكن الرجل الذى يهاب الضراعة والبكاء . . دعك مما انت فيه من الحمق . . إن من عابث الجبل والثلج لا ينبغي له أن يغتاظ ويثور لأول بادرة من معابثته والا فهو من الحمق في أقصاه . . . على : اكره منك يا أبى الهزل وقت الجد . . قائزة : أرأيت يا ابنى . . . أما ترعوى يا أحمد . .
أحمد : أرعوى عن ماذا ؟ . طبيعتى أقول الحق وأصارح مهما كانت الظروف لست هازلا . . وهل انا فى موقف الهازل بعد ان تحرشت بالجبل فاوقعني أرضا . . . كل ما وقع لنا منطقى ومعقول . . اذا عبثت يا بنى فلا ترع اذ يعبث بك عابث . ومن الضعف وقوعك للتشكى والتظلم . . . ولأن تلبس كل احوالك لبوس الواقع والمنطق خير من ان تستدر دموع العطف والاشفاق من الآخرين . . " يقبل على ابنه يساعده على المشى " . هل أنت بخير ؟ . . ها انت لا باس بك . . . أمش . . زد سرعة زد . . . انتبه : واحد . اثنين . ثلاثة . أربعة . ( اضرب ) . يقهقه أحمد - وتبتسم فائزة وعلى " .
فائزة : غريب امرك والله . . . جد فى هزل وهزل في جد . . هذا انت يا أحمد اخذت فى الهزل اخيرا والعبث . . . أحمد : أحب الهزل اذا كان سبيلا الى الجد وباعثا اليه . . . أحبه مخلصا للانسان من آلامه وشكواه . . . اما الهزل لذاته فنأيا وكرها فهو والضعف لدى صنوان . كلاهما زنيم . . ولذلك آمرك يا فائزة بان تضمدى ذراعى ولا أريد منك كلمة عطف واحدة ولا رثاء . اسمعت ؟ . هى اسرعى . . . " تقبل عليه تضمد ذراعه وقد لطخت ثوبه دما " .
الابن : حكمة الحياة ! ؟ . . أحمد : حكمة الحياة ؟ ! . . وهل ادركت حكمة الحياة . . . هل فهمت منطقها الأزلى . الابن : يخيل الى اننا مهما حاولنا أن نمنطق الحياة فلن تتنطق والا فأين المنطق فيما نحن فيه ؟ . أنت جاد مريد مؤمل وانا عابث هازل غايتى قتل الوقت ثم نلقى نفس المصير . ! ؟ أليست مهزلة ان تختلف المقدمات وتتباعد وتتغاير الاسباب وتتضاد ثم تتفق النتائج حتى الانطباق والتجانس ؟ ! .
أحمد : اراك بدأت تفقه شيئا من الحياة . . . ان ألف موعظة وألف حكمة لا تساوى لحظة تجربة واحدة أليس كذلك ؟ ! . الابن : أجل والله ٠٠٠ الحياة كالغانية اللعوب تخون الدمث اللين والمتعجرف القاسى القلب . . ومن الخير ان تؤخذ بالشدة والعزم . . . "بعد زمان . . . وقد قطعوا الجبل واوغلوا فيه اميالا نرى أحمد واينه آخذين فى بناء قصر وقد جمعا له حجارة وكلسا ولم تعد الارض بالقحل اليباب اذ نرى اشجارا وخضرة وازهارا . وفائزة غير بعيد منهما خلوا من كل فعل . ثم تقوم اليهما ويبدأ الحوار . . "
فائزة : يا خيبة الامل فيكما . . ما كنت أحسب انى مع مجنونين سافرت ؟ ! أحمد : واى جنون ترين ؟ . . أليس جميلا ان يكون لنا قصر فى هذه الربوع ؟ . فائزة : قل ان يكون للبوم والغربان من بعدنا والخراب ؟ ! . . أما ان يكون لنا فنحن الى غيره وسواه ! . . احمد : تشاؤم لم أعرف منشأه فيك ! . . فائزة : وغرور وكبرياء استبدا بك فما عدت تفصل وهما عن واقع إلا ما سولت نفسك ووسوس اليك وسواسك . . .
أحمد : تقولين إنى عن الحق فى عمى ! . فائزة : لو لم يكن ذاك فما قصرك هذا ونحن فى سفر عاجل حتمته النواميس فهو من اوكد الواجبات ؟ . . لمن تبنيه ؟ . . أليس للغربان واليوم والخفافيش . . . الابن : لا يا أماه . . . قصرنا ليس للبوم والخراب قصرنا لنا . . . وحاشا ان نبنى للخفافيش . . سوف تنعمين بدفئه شتاء وبظلاله صيفا فهو فى هذه القمة سوف يكون جيد الهواء عليله . . . ولسوف نجعل له شرفات تطل على كل اتجاه حتى لا يعدم النور والهواء . . .
فائزة : والسفر يا على ؟ ٠٠ والرحيل ؟ . . ألسنا فى رحلة لا نعلم بعدها عودا الى هذه الربوع - فلمن نبنى هنا ونشيد . احمد : فائزة . . . اسمعى جيدا . . . صحيح اننا فى رحلة حتمية عاجلة ولكن فى كتبنا إن من وصل المكان ويسمونه " رض التيه " عليه ان يرتقب الهاتف وهذا الهاتف يفهم عنه ولا يسمع ويحس ولا يرى وروى الفلاسفة والمفسرون انه اقرب الى الانسان من ظله .
فائزة : هو حينئذ قريب . قريب ! . . أحمد : وبعيد بعيد . . . فائزة : كيف ؟ ! أحمد : ما دام يشبه الظل فهو قريب وبعيد . . . اما رايت الى ظلنا كيف يبعد حينا فلا يدرك ويقرب حينا آخر فيكاد يلبسنا .
فائزة : لو عرفنا ميعاده لأراحنا واستراح . . أحمد : لو عرفناه يا فائزة ما عرفنا فى الحياة شيئا ولكنا بحق مجانين الحياة . . ولظهرت كل سيئاتنا وقبحنا واستبدت الفوضى وعم القحط والجور والمهازل والمآسى ولربما حطمنا انفسنا ولكانت معرفتنا به أدهى وامر مما عرف " أوديب " فى المآساة اليونانية . . .
فائزة : وماذا عرف " أوديب " ؟ أحمد : ( بعد ان ينظر ناحية ابنه ) : عرف انه أولد أمه ولدا فهو ابن وزوج ووالد وأخ فى آن واحد . فائزة : يا للهول . . دعنا من هذا . أترى قصرك يتم قبل الميعاد ؟ . .
أحمد : ها انت ترين اننا قد ذهبنا فيه شوطا وأنا مؤمن بانى سوف ابنيه فأعليه ولأجعلنه يزرى باقواس النصر الرومانية ومعابد الاغريق واهرام الفراعنة . ؟ ! اريد ان استمد منه معنى آخر لنفسى كما استمد الفراعنة من اهرامهم معانى ومعانى . . . الا تفهمين القوة والجبروت عندما تسمعين لفظة ( فرعون ) ؟ ألا تعتزين ببناة اقواس النصر والمسارح والملاعب ؟ !
فائزة : احب فيهم صبر الفنان وعزيمة الحديد . أحمد : فهل تحبين ابنك وهو الى صخرة منذ الصباح يهذبها ويشكلها فى اناة وصبر حتى تلين وترضخ . فائزة : لقد سلك طريقك آخر الامر وجن بجنونك فاذا هو للراحة والدعة عدو مبين . .
أحمد : ابنى ورث العزم فاصبح شريكى فى كل عمل جاد . . فائزة : جاد ام هازل ؟ هنا موضع الخلاف . . . الى اللقاء الآن ها أنا ذاهبة اعد الطعام . " تذهب ويبقيان فى عمل ، هذا ينحت الحجارة وذاك يبنيها وتدوم حالهما هكذا زمنا فيأنس أحمد الى قصره فلا يبرحه ليلا ونهارا وذات اصيل بعد هجعة القيلولة تاتى فائزة وابنها الى القصر " .
فائزة : اين أبوك . ؟ ما لنا لا نسمع له مع الحجارة حوارا ؟ ! الابن : لعله نائم يستريح وما احوج امثاله الى الراحة والنوم . فائزة : لا أظن . . الابن : هلمى نبحث عنه - ( يبحثان داخل القصر وخارجه ) . الابن : ( يرى أباه ملقى على وجهه والدم يسيل من انفه وفمه ويده مشدودة الى ازميل كان ينقش به حجرا ). أبى . . . يا أبى . . . ( يقبل عليه فيجسه ثم يصرخ ) . مات . . . مات . . . أماه مات والدى . . .
فائزة : ( آتية اليه ) . مات ؟ ! . أصحيح مات . يا نحس أيامى وشؤمها . . . أحمد يا أحمد . . . أحمد زوجى مات . . . مات . . . (تبكى وتلطم ) .
الابن : مات . . مات والدى الرحيم وخلفنا وحيدين . . . آه ما انكد وما آلم هذه السفرة يا أماه . . فائزة : (تمسك ابنها فتضمه اليها ) . ابني . . مات أبوك . . . مات . . ( تبكى ) . الابن : آه . أجل يا أماه . . مات والدى الطيب . . اشزف على الضباب ولن يعود . . ولا فائدة من البكاء والعويل وانت تعرفين مقدار كره والدى للبكاء والضراعة والشكوى لذا استحلفك بذكراه ورحمته يا أم أن لا تأتى شيئا يكرهه حيا . فائزة : ولدى على . . . مات أبوك . أمات حقا ؟ . .
الابن : أمات حقا . . حق لك ان تسألى يا أماه فالموت شئ فوق العقل وهيهات يتقبله العقل بسرعة . . . اجل يا أماه مات الوالد موت الأبطال الصناديد حتى سكرات الموت ما استطاعت ان تنسيه العمل والجد . . اليد السمراء الغليظة تمسك المطرقة استمرارا فى الضربات . . والازميل مثبت الى كدمة فى الاسطوانة يزيلها وهو ماض فى النقش ما زال أبى حتى الآن يجاهد ضد القبح والعجز . . . ويصنع الجمال وينفخ الروح فى الصخر الاصم .
فائزة : أحمد . . . هذا قصرك يا أحمد شاءت الاقدار ان يعدم السقف ويبقى منفتحا على سماوات رحبة رحابة امالك وامانيك ؟ ! .
الابن : أجل يا أماه . . آمال أبى وأمانيه فوق الحصر والضبط وانها لمأساة المأساة ان يجاهد ويكدح ويسهر الليل ولا يتحقق له أمل ولا تبلغ امنية . . . انظرى الحجارة الصلبة كيف أخضعها وسواها فنا رائعا ، فى الجدران . . فلا نشاز ولا نفار . . انظرى سمك الجدران ومتانتها كأنه يأبى الا ان تكون مثله صلبة قوية . . . ما اروعها تبدو ناقصة تطلب التمام والخواتم . . . لكأني بالانسان شاعر عيى يقول الصدور بكل عصامية وروعة ويموت ولا عجر ينقاد ولا قافية تلين . لأمر علينا أن تتم صدوره ( * ) وليس علينا ان تتم خواتمه . " تعالى معى يا أمى نهيئ له قبرا ونسأل الله له المغفرة والجنان . . ( يذهبان فيعدان القبر ويقفان حوله فى صلاة وبعد ذلك يسمع دعاء . ونعيق غراب والريح تصفر فى الجدران " .
