منذ فجر الحضارة ، أى منذ أن فكر المصلحون في ادخال تغييرات على المجتمعات التى يعيشون فيها ، تكون اجدى وانفع من الحالة التي هم عليها ، والصراع قائم ، فى بداية معظم الحركات الاصلاحية ، بين باعثيها من جهة وبين البشر المراد تغيير نظرته وسلوكه من جهة اخرى .
ولا غرابة فى وجود مثل هذه الصعاب ، إذ غالبا ما تكون القيادة الحقيقية ، أى القيادة الخلافة ، تصطدم بعقليات جامدة وعوائد راسخة ليس من السهل ، فى البداية على الاقل ، تقو يضها . والاسباب فى ذلك تعود إلى الطبيعة البشرية التى تركن إلى المحافظة ، وتأبى التجديد الذى يستهدف عقائدها البالية أو مصالحها العاجلة وتعويضها بما هو أقرب للعقل واضمن للتقدم والرقى .
إلا أنه سرعان ما توجه اقوال المصلح وأعماله بيئته وزمانه وجهة جديدة ، فتصبح مجسمة لإرادته ، ويحصل التغيير المنشود والتكييف الإرادى للحياة الجديدة ، وفقا لما يمليه العقل والفكر عوضا عن الغريزة العمياء ، والعوائد البالية . فتتضح بذلك عبقرية المصلح ، وتكثر اتباعه ، وتعم تعاليمه ، حتى تصبح المحركة لسير المجتمع نحو تحقيق المبادىء التى يريد اقرارها والاهداف التى يرمى إليها .
هذا ما يؤكده التاريخ الزاخر بهذه الاحداث ، وبأسماء المصلحين من رجال الفكر والدين والعلم والنمو الاقتصادى والتقدم الاجتماعى هؤلاء الرجال الذين قادوا حركات الاصلاح ، فلاقوا ما لاقوا من صعاب ، من طرف المراد إصلاح حالهم بالذات والذين لم يكتفوا بعدم الاصغاء والهروب فحسب ، بل بالتهجم والهجوم أيضا ، ناعتين الدعوة الجديدة باقبح النعوت ، ومشيعين حولها الاراجيف والبهتان ، وملحقين باصحابها اكبر الاذى الذى يصل إلى حد الموت أحيانا .
تخلو من الجدة طابعا كل صورة بفكرة عميقة ، ولكن القصيد الذى أعطي للشاعر مكانته وركزه فى ميدان الشعر هو قصيد " الارض اليباب " وطوله 435 بيتا . وهى بمثابة مرثية يؤبن بها الشاعر هذا العالم عالم ما بعد الحرب العالمية الاولى التى قضت على القيم وقطعت الخيوط النورانية التى كانت تشد الإنسان إلى المثل التى كان يتغنى بها الشعر ، وفى هذا القصيد يئس الشاعر وفقد إيمانه بالانسان وبالحياة ، واليباب وهو القفر المجدب . رمزا لما آلت إليه حضارة القرن العشرين من خضوع للآلة حتى أصبح الانسان بالاله أشبه ، إذن فإن مشكلة التاريخ ومادية العصر هى من أهم خطوط هذه الملحمة وتمتزج بالنزوع والبحث عن شاطى السلام والنجاة للكاثنات ، وليس ثمة قصيد أوضح بمثل دقة الارض اليباب . وعنف ضغط الماضى على الحاضر وحضوره المؤبد فيه . فالشاعر قد اتخذ أسماء قديمة لاشخاص قدامى وجعلها تعيش معنا فى هذا العصر وأشار إلى أن كل رجل فى القصيد يمثل جميع الرجال وان كل امرأة تمثل جميع النساء .
والقصيدة في مجموعها صيغت في شكل اسطورة تروى قصة بلاد مقفرة على رأسها ملك طاغية . وقد آصيبت الارض وما فيها من عباد بالجدب والعقم . وما هذا العقم والجدب اللذان لم يصيبا البشرية في الماضى . سوى ما يتخبط فيه انسان اليوم من شك وفوضى وملال .
وينقسم قصيد " الارض اليباب " إلي أقسام خمسة وفي القسم الاول يصور الشاعر ما أصبحت فيه الحياة المتمثلة في " أبريل " شهر الانبعاث من خشية وخوف فيقول :
نيسان اقسى الشهور .
يولد الليلك من الارض الموات ، مازجا
الذكرى والرغبة موقظا الجدور المتلبده بمطر الربيع
لقد حفظ الشتاء علينا الدفء غامرا الارض بجليد النسيان
متعهدا حياة صغيرة بالكمآة الجافة .
وفى القسم الثانى وهو بعنوان " لعبة الشطرنج " يصور الشاعر المزاج العصبى الذى يتصف به الانسان وكيف أصبح لا يدرك معنى الحياة بل ويجهل ما إذا كان حيا ام ميتا . ويحاول ان يشغل نفسه فى ضروب من النشاط التى لا جدوى من ورائها وتقول المرأة وهى تمثل جميع النساء من كليوباتره الى الكاتبة بالراقنة :
ولكن العالم لم يخط ما خطاه من تقدم مذهل ، ولم يحقق ما حققه من حضارة باهرة ، الا بفضل الإستجابة لتلك الدعوات الثورية التى غيرت وجه تاريخ الانسانية ووصلت بها إلى ما وصلت إليه اليوم من رقي .
وقد شاهد هذا الصدود عن كل اصلاح جديد كل داع له سواء كان الاصلاح دينيا أو دنيويا . وقد شاهده الفيلسوف اليونانى سقراط وشاهده عيسى عليه السلام ، ومحمد صلى الله عليه وسلم عند ابلاغ رسالتيهما ، وشاهذة غاليلى عند اكتشاف دوران الارض وشاهده رواد الفكر التحررى ، ، وشاهده المصلحون المسلمون فى القرن الماضى وفى هذا القرن ، وشاهده المجددون فى العلوم وفي الاقتصاد والسياسة . .
سقراط وسيادة العقل على العقيدة :
يعتبر سقراط فيلسوف اليونان الاقدمين الاول وحكيمهم الاجل أول من نادى بسيادة العقل على العقيدة وكان يدعو إلى الحياة وفقا لمنطق العقل بما يجمعه الانسان من معارف واختيارات عوضا عمن توارثه من أقوال الآلهة .
وكان بوضعه المعارف فوق العقائد قد أقلق الاثينيين وتسبب لنفسه فى اعظم الخطر . وكان افراد الشعب يعتقدون ويرتاحون إلى عقائدهم دون أن يتكبدوا عناء التعلم والبحث عن المعارف ، ذلك لان العقيدة الموروثة تحدث كثيرا من العواطف ، كالخوف والطمأنينة أو البغض او الحب . فإذا صدمت العقيدة صدمت العاطفة ووقع رد الفعل . ومن هنا جاءت كراهية الشعب لسقراط اذ كان يجرح الناس في عقائدهم أى فى عواطفهم .
ولذلك قدم للمحاكمة ووجهت إليه ثلاث تهم : الاولى أنه ينكر وجود الآلهة والثانية أنه قد اخترع آلهة جديدة والثالثة أنه قد أفسد الشبان ...
وكان سقراط يعتقد أن الذى يحاكم ويدان ليس سقراط فقط بل هو العقل أيضا ولذلك وقف يدافع فى المحكمة عن العقل ويقول إننا نستطيع أن نحيا بالعقل وحده .
وكانت المحاكمة تجرى أمام مئات من المحلفين الذين كانوا يستمعون إليه كما لو كانوا يستمعون إلى محاضرة آستاذ وكان هو يحس أنه فى مقام الذى يحب أن يعين لهم المبادى ، والاهداف فى أقواله وحياته.
وقد أجاب على تهمة الالحاد بقوله ، حسب ما نقله افلاطون ، بأن سيرته كانت سيرة المختار بالقوة الآلهية ، وأن الله قد كفه أن يستقصى فى سؤال أولئك الراضين عن أنفسهم من الكبار ، وأولئك المرتبكين من الشبان ، وانه لن يكف عن هذا الاستقصاء حتى ولو افرج عنه . لان الله قد اختار له أن يكون الذبابة التى تلسع الجواد وتقلقه فلا ينام . وهو هو نفسه هذه الذبابة وأثينه هى الجواد ...
كما أوصى المحلفين فى نهاية دفاعه بأن يعنوا بتربية ابنائه كما عنى هو نفسه بتربية الاثينيين بل أنه ينصحهم بأن يعاقبوه ويقول : إنى لاطلب منكم أيها الاصدقاء أن تعاقبوا ابنائي وأن تقلقوهم كما أقلقتكم أنا إذا اشتغلوا بالثراء أو بأى شئ آخر أكثر من اشتغالهم بالفضيلة أو إذا زعموا ان لهم قيمة فى حين لا تكون لهم قيمة . . لقد أتت ساعة الفراق بيني وبينكم . كل منا إلى طريقه . أنا للموت وأنتم للحياة . والله وحده هو الذي يعلم أى الطريقين أفضل " .
أفليست هذه المبادىء التى تعتمد العقل وتدعو إلى الايمان بالقيم هى أساس كل نهضة وكل حضارة وكل ما صبت وتصبو إليه الإنسانية ؟ .
كنفوشيوس واصلاح النفس .
كان كنفوشيوس أحد حكماء الصين القديمة - إلى جانب بوذا ولاوتيسى - وقد عاش فى القرن السادس قبل الميلاد حيث عمت الفوضى الصين وآسيا كلها . ولقد احزنته الفوضى الادارية والاخلاقية المتفشية فى الحكام ورعاياهم . فنذر نفسه وحياته كلها لاصلاح الشعب الصينى وحكامه . وكان يطوف فى كل أنحاء الصين داعيا إلى النظام واصلاح المجتمع عن طريق اصلاح النفس وكان يردد آية " اصلح نفسك " . على تلامذته ومستمعيه ، كما كان سقراط يردد آية " اعرف نفسك " وقد دعا الحكام إلى اصلاح انفسهم أولا لكى يتمكنوا من اصلاح رعاياهم .
وسئل مرة عن رأيه فى الحكومة الصالحة فأجاب " الحكومة الصالحة هى التى يثق بها شعبها " فسأله تلامذته " وماذا يجب أن تعمل الحكومة لكى تحرز على ثقة شعبها ؟ فأجاب : " على الحاكم أن يصلح نفسه أولا ومتى أصلح نفسه وجب عليه أن يعمل على اصلاح عائلته وأقاربه وبطانته ، ومتى آصلح آقاربه وبطانته ، استطاع آن يصلح شعبه ، فيثق الشعب به وبحكومته " .
فالاصلاح فى نظر كنفوشيوس يجب أن يأتى من فوق لا من تحت أى انه يجب اصلاح الحكام والامراء ، بحيث آن كنفوشيوس لم يكن يؤمن بفلسفة " كيفما تكون يولى عليكم كنا بل كانت فلسفته " كيفما تكونوا تكن رعاياكم ، وبذلك كان تقليديا فى فلسفته الاصلاحية .
ولم يسلم كنفوشيوس من دسائس الانتهازيين والمقربين إلى الحكام ، فاعتزل المراكز الحكومية بعد ما تبوأ مراكز رسمية فى الدولة - واكتفى بالجولات التبشيرية ومات حزينا ومقهورا ومضطهدا بعد أن خابت آماله فى إيجاد أمير صالح يتعظ بتعاليمه .
غير أن فلسفة كنفوشيوس لم تمت بموت معلمها ، بل أخذ عنه تلامذته وجعلوا يبشرون بها ، فكتب لها البقاء وتزود منها من آتي بعده من الحكماء والفلاسفة كما كان الشأن بالنسبة لتعليم سقراط بعد موته .
المسيح واليهودية :
لم يكن عيسى عليه السلام نبيا دعا إلى دين فحسب ، بل مصلحا اجتماعيا ورسول حضارة أيضا كسابقه موسى عليه السلام وكلاحقه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم خاتم الانبياء والمرسلين
وبدا المسيح بنشر تعاليمه بعد مرور ثلاثين سنة على ولادته بعد ما أم الهند ودرس على حكمائها واستوعب فلسفة كنفوشيوس وبوذا ، وقد تأثر بهما إلى حد بعيد على ما يظهر
وتلقن المسيح فى طفولته التعاليم اليهودية ، مثل كل يهودى . واعتنق العقيدة اليهودية القائلة بوحدانية الآله . وكان حربا على الوثنية وعبادة الاصنام . غير أنه انكر أن الآله الواحد ، هو اله اليهود
وحدهم ، وانه اختارهم وحدهم من دون سائر البشر ، ليكونوا شعبه الممتاز ، كما يدعون ذلك . فكان نكرانه لهذا الادعاء ، نقطة الانطلاق للدعوة المسيحية ، كما كان فى ان واحد الحافز الاول لحقد اليهود عليه .
وفعلا ما أن شرع المسيح فى نشر تعاليمه حتى اغتاظ اليهود لما وجدوا فيها من خطر على سلطانهم ونفوذهم . فاضمروا له الشر ، وجعلوا يتآمرون على حياته ، تخلصا من هذا "الثائر الهدام" مهدد الكيان اليهودى ، وناقض بالشريعة "المنزلة" . وجعلوا يطالبون السلطة الرومانية ، المستولية على أرض فلسطين في ذلك العهد ، بمحاكمته والحكم عليه ، " كساحر وزنديق وفوضوى " يهدف من تعاليمه لا إلى تقويض الشريعة اليهودية فحسب ، بل إلى تقويض السيادة الرومانية والامبراطورية الرومانية أيضا .
وكانت تهمة اليهود تجد أذانا صاغية إذاك ، إذ كان الحكم ظلما ، واستبدادا ، وكانت المدنية فسادا وفجورا ، مما أدى المسيح إلى التبشير بالرافة والرحمة والوداعة والقناعة ومحاربة الاستثمار وغير ذلك من التعاليم الانسانية . وكانت المحالفة بين السلطتين الرومانية واليهودية أن حكم على المسيح بالموت صلبا
ولكن سرعان ما خاب أمل هاتين السلطتين إذ لم تمت المسيحية بموت باعثها بل نمت واتسعت بفضل تلامذة المسيح واتباعه الذين نشروا تعاليمه الانسانية فى كافة أطراف الامبراطورية الرومانية إذ ذاك رغم ما لاقوه من اضطهاد وصعاب ،
الرسالة المحمدية :
ولم تكن الدعوة المحمدية أقل عرضة للصعاب من الدعوات الاصلاحية التى سبقتها . وقد لفت نظر محمد بن عبد الله ما كان يشوب قومه ، ابناء صحراء العرب ، من وثنية وفساد فدعاهم أول ما دعاهم إلى الرجوع عن غيهم ، والايمان بالله الواحد العلى القدير ، صابا النقمة على الا لهة الصنمية التى كانوا يعبدونها . فحقد عليه اشراف العرب من قريش واضمروا له الشر . ولكن محمدا لم يسالمهم بل تحداهم بقدر ما ازداد حقدهم عليه وتآمروا على حياته ، مما أدى إلى قيام "غزوات" ، وحروب شعواء بينهم وبين انصاره
والملاحظ أن اليهود الذين هادنوا محمدا في البداية بدأوا يخشونه ، وراحوا يدسون عليه ، واحيانا كانوا يحالفون خصومه ضاربين عرض الحائط بوحدة العقيدتين الالهيتين ، عقيدتهم وعقيدة المسلمين . وقد كان اليهود يخشون أن يشاركهم المسلمون فى احتكار الآله الواحد ، كما شاركهم المسيحيون من قبل ، فيبطل ادعاؤهم بأنهم وحدهم شعب الله الخاص . فأدرك النبىء عداوتهم وبغضاءهم فأعلن الحرب عليهم كغيرهم من المشركين حتى كان النصر المبين وعم نور الله وتحول الإسلام فيما بعد من عقيدة دينية صرفة إلى عقيدة دنيوية وقومية معا
ولم يطل عمر محمد أكثر من عامين بعد احتلاله مكة قضاهما فى تنظيم الدولة الإسلامية . فوضع للمسلمين شرائع يسيرون عليها فى حياتهم العائلية والإجتماعية والقومية ، مما جعل من القرآن كتاب دين من جهة وكتاب دنيا من جهة أخرى .
ثم واصل الخلفاء الراشدون بعد موت النبىء رسالته من بعده حتى امتدت دولة الإسلام من جزيرة العرب إلى سوريا والعراق وشمال افريقيا وقسم شاسع من آسيا وأوروبا حتى أصبح الاسلام تخشى قوته الممالك الاوروبية كلها فى القرون الوسطى ......
الصراع بين العقل والعقيدة :
وبعد القرون الوسطى المظلمة التى عاشتها آوربا ، ابتدأ ما يسمى بعصر النهضة والانبعاث . ولم يخل ذلك العصر من اضطهاد رجال الفكر والعلم المجددين امثال الفيلسوف الإنقليزى " باكن" ، والاديب الإيطالى "دانتى" ، والعالم الإيطالى أيضا " غليليو" ،
وقد عاش "باكن " فى القرن الثالث عشر ودعا إلى البحث الفكري الجدلى مبينا أن للظاهرات الطبيعية أسبابا يجب التفتيش عنها ، ومنكرا العقيدة القائلة أن الاشياء وجدت كما هى قائمة ، فأحدث "باكن" رجة فكرية ، كانت سببا لاتهامه بالسحر والزندقة . واضطهدته السلطات الدينية ، فاضطر إلى نشر أرائه بطرق سرية
وفى ذلك القرن أيضا عاش "دانتى" ، حياة المتألم من الحالة السياسية والاجتماعية والدينية الفاسدة التى كانت تسود عصره . فاخذ يوجه اليها انتقاده . وما ان جاهر بافكاره حتى قامت عليه قيامة السلطات ، واضطهدته
وشردته الى آخر حياته . وقد ألف ملحمته الخيالية الشهيرة " الكوميديا الآلهية" ، التى جمعت بين الخيال الصافى ، والالهام الموحى ، وهدفت - أو هدف ناظمها - إلى رفع الإنسان من البؤر الفاسدة التى يعيش فيها إلى المثل العليا التى يجب أن يتطلع إليها ويعمل من أجل بلوغها . ولقد ظن دانتى أن حيلته الادبية هذه خليقة بأن تجنبه سخط السلطات ولكن هذه الأخيرة أمعنت في اضطهاده فمات شريدا بائسا ومحروما
أما غاليليو ، الذي أثبت دوران الارض حول الشمس بصفة علمية قطعية ، وبفضل اكتشافه للجاذبية وصنعه للمنظار الفلكى ، فقد اتهمته الكنيسة بانكار ما جاءت به " الكتب الالهية المقدسة" ، مخضعة العقل البشرى للاهوتية غيبية وحكمت عليه بالسجن
وفي القرن السابع عشر تواصل الصراع القائم بين العقل والعقيدة الذى ابتدأ على يد " باكن" ، وبين الإصلاح والفساد الذى نادى به "دانتى" ، وقد تعرض اثناء هذا العصر الفيلسوفان الفرنسيان "باسكال" ، و "ديكارت" إلى نقمة رجال الكنيسة الجامدين ، وذلك لانكارهما الفلسفة الميتافيزية وتسليط العقل على الاشياء
وأما من حيث علم السياسة والإجتماع فمن أهم باعثيها "منتسكيو" و"جان جاك روسو" و" فولتير "
فمنتسكيو قد جعل من مؤلفه "أصول النواميس والشرائع" مرجعا في أصول التشريع حتى يومنا هذا يحدد مسؤولية الحاكم ومسؤولية المحكوم ، وصلاحيات الحاكم وواجبات المحكوم ، واضعا التشريع بيد الشعب لا بيد الكنيسة التى كانت تتحكم فيه على قاعدة الحق الآلهى .
أما روسو فقد بين فى مؤلفه "العقد الإجتماعى" ، علاقات الدولة مع الشعب ، وعلاقات الجماعات مع بعضها بعض ، باعتبار أن هذه العلاقات يجب أن تقوم على أساس التعاقد ولا تترك تحت رحمة شهوات الملوك والكنيسة . وفي مؤلفه "اميل" ، ضبط أصول التربية باعتبار أن الإنسان يولد صالحا ، وما يطرأ عليه من فساد أو صلاح فيما بعد إنما هو من صنع المجتمع .
وأما " فولتار " فقد كان من أعنف المقاومين لتعصب الكنيسة ولطغيان الملوك والحكومات ، داعيا هو أيضا إلى تحكيم العقل عوضا عن المعتقدات الكنسية
وقد تعرض هؤلاء المفكرون الثلاثة منتيسكيو وروسو وفولتار إلى اضطهاد الكنيسة أيضا فعاشوا إما طريدين أو سجناء إلى آخرحياتهم .
وقد أثبت التاريخ أنهم كانوا رواد الحركة التحررية العالمية حيث سادت افكارهم فيما بعد وساهمت فى تقدم البشرية وحضارتها .
يقظة العالم الإسلامى :
وبينما كانت النهضة الفكرية والعلمية والسياسية والاجتماعية التى غرس بذورها الرواد السابقون تقفز بالاقطار الاوربية قفزة جبارة نحو التقدم والازدهار كان العالم الإسلامي يتخبط في الظلمات والانحطاط . ولم دوقظه من سباته العميق سوى سطو الاستعمار عليه ، مما احدث ثورة فكرية كان رائديها الاولين جمال الدين الافغانى ومحمد عبده .
وقد تبين لهذين المصلحين أن أسباب تقهقر المسلمين وجعلهم طعمة سهلة للابتلاع الاستعمارى ترجع إلى عاملين متفاعلين في بعضهما بعض هما كبت الحريات وطمس مواهب البشر وتعطيل آدمغتهم عن التفكير فيما ينفعهم ، وإلى استبداد الملوك . فدعوا إلى اصلاح احوال الاقطار الاسلامية وجاهدا ما استطاعا في محاربة الاستبداد ، وتهذيب الاخلاق ، ومحاربة الخرافات والجمود ، وعملا لاصلاح التعليم الدينى وادخال الاساليب الحديثة في المعاهد الدينية والمدنية . وقد ناديا بحرية الفكر ، واحترام الرأى ، والبعد عن التعصب واعتبار الدين - جوهره لا قشوره - أهم وسيلة للاصلاح .
وقد كان لحركة محمد عبده آثرها فى الثورة العرابية المصرية ، تلك الثورة التى كان من كبار زعمائها وكتابها وخطبائها البارزين الذين سجنوا وحكم عليهم بالنفى من البلاد .
وفى تونس كان أول من تفطن إلى خطر الاستعمار الذى بدأ يلتهم أقطار العالم الإسلامى ويهدد البلاد التونسية هو خير الدين : فحاول اتقاء شره بالقيام بحركة اصلاحية ترمى إلى نهضة فكرية وعلمية وأسس المدرسة الصادقية لتكون نواة المعرفة الحديثة ومصنع الرجال الجسورين الذين سيغيرون وجه التاريخ ويجعلون من الضعف قوة على غرار ما تحصلت عليه الاقطار الاوروبية بفضل تطور نظرتها للدنيا وللطبيعة واكتشافاتها ، وتفوقها فى العلم والتكنيك . ولكن الدسائس والخيانة وفساد البايات وأنانيتهم جعلت خير الدين عاجزا
عن الوصول إلى غايته المنشودة وهدفه الكبير فتخلى عن الحكم وهاجر من وطنه إلى تركيا حيث لقى نفس الصعاب التى وجدها فى تونس ، مما اضطره إلى الانصراف انصرافا تاما عن الشؤون العامة وإلى الانطواء على نفسه حتى وافاه الاجل في سنة 1889
تونس البورقيية :
وكان نضال منقذ الامة وباعث نهضتها ، المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة ، في بداية عهد بعث الحركة الوطنية ، هو أيضا عرضة لعديد من الصعاب . وكانت العراقيل والعقبات آتية لا محالة من فرنسا نفسها ، ومن نظام الحماية ، ومن مختلف المصالح التى تكونت وتجمعت من حول ذلك النظام خلال عشرات السنين ....
وكان بعضه الآخر اتيا من قبل اغلبية ساحقة من الشعب التونسى نفسه ، تلك الاغلبية التى طغى عليها اليأس والقنوط ، فأصبحت ترى أن لا فائدة في الكفاح ، وانه خير للمرء أن يشتغل بشؤونة الخاصة من آن يخوض المعامع السياسية ، فان ما كانت تونس وشعبها يقاسيانه من احتلال وقهر وارهاق أمر قضى به الله ولا راد لقضائه .
إلا أنه إلى جانب تلك الاغلبية الساحقة من المتواكلين والبائسين وجد المجاهد الاكبر أمامه حجرة عثرة أخرى لا تقل أهمية عن عناد فرنسا ووقوفها فى وجهه ، ولا تقل أهمية كذلك عن يأس وتخاذل الاغلبية الساحقة من الشعب الذى كان يسيطر عليه الجهل ويوهنه الجوع والعرى والانحلال
هذه العرقلة الثالثة هى المتمثلة فى جماعة الدستور القديم ، الذين رحبوا في البداية بالحبيب بورقيبة وجماعته واعترفوا بفضله ثم لم يلبثوا أن قلبوا له ظهر المجن ، عندما شاهدوا أن الحركة التى قام بها الحبيب بورقيبة ، بواسطة الصحافة أولا ، بدآت تؤتى ثمارها ، وان الشعب بدأ يستمع إلى لهجة جديدة وإلى تحليل متين للمشاكل لم يكن له عهد به من قبل ، وبدأ يتبين الاخطار المحدقة به والمثال الذى ينتظره . وكان من نتيجة تلك الحركة الجديدة أن تحرك الشعب ودخل الكفاح الحقيقى وبدأ فى شن المظاهرات
ففي ذلك الوقت الذى شاهد بوادر انتعاش الشعب وشاهد طلائع تحمس الشباب ، بدأ على قدماء الدستوريين التململ والتضايق من مساعى " الجدد " ومن عقدهم مؤتمر البعث بقصر هلال فى 2 مارس 1934 ، وأخذوا ينسبون إليهم " الطيش . . والكفر والالحاد . . وخدمة
كاب المستعمر . . " وغير ذلك من النعوت السخيفة التى وإن دلت على شىء فإنما تدل على الغيرة والحقد ، ظانين أنهم أتوا ليقلقوهم ويكدروا صفو الجو عليهم ويحلوا محلهم فى قيادة الحركة الوطنية التى كانوا يظنونها حبسا عليهم . وقد ذهب الجنون بالجماعة إلى حد القول أنهم يفضلون فرنسا على بورقيبة ويؤثرون أن تبقى فرنسا فى تونس على آن يأتي الاستقلال على يد بورقيبة ! وقد كان هؤلاء المخذولون يعززون بصنيعهم هذا اليأس والقنوط اللذين كانا يقاومهما الحبيب بورقيبة ، بل يزرعون البلبلة والشك فى ذلك الطور الحاسم من بعث حركتنا القومية وتجدد وسائل كفاحها ، الا أن الغلبة كانت فى النهاية للنظر الثاقب والخطة المحكمة ووعى الشعب والمثابرة فى الكفاح الذى توج بنصر الاستقلال الكامل
وبعد الاستقلال واستكمال مقومات السيادة ، دخلت تونس عهد البناء والتشييد ، فأبى المجاهد الاكبر إلا أن يواصل الثورة التى بدأ يشنها على الإستعمار ، والتى أصبحت تشمل جميع الميادين الحيوية وتستهدف القضاء على مخلفات عصور الإنحطاط العقائدية والفكرية ، وعلى التدهور الإجتماعى ، والتخلف الإقتصادى ، الذين أورثتهما ثلاثة آرباع قرن من الاستعمار الفرنسى . ولم يحصل ذلك بدون صعاب أذ آن الإصلاحات التى نادى بها المجاهد الاكبر ، سواء فى باب الإجتهاد فى الدين ، والتعلق بجوهره لا بقشوره ، أو فى قضية حقوق المرأة ، وارجاعها إلى مكانتها الحقيقية حفظا لتوازن العائلة وتلافيا لها من الانهيار ، أو فى قضية حل الاحباس وادماجها فى الدورة الإقتصادية . . كل تلك الاصلاحات الجوهرية والثورية فى أن واحد لم يتقبلها قسم كبير من الرآى العام الا بصعوبة فى بادىء الامر ، لانها كانت تمس بعواطف وعوائد قديمة راسخة . واليوم وقد دخلنا معركة تنظيم الحياة الإقتصادية وبناء الإشتراكية ، بما تقتضيه من اصلاح للاوضاع ، سواء الزراعية أو التجارية أو الصناعية ، اضطررنا - وقد لانزال مضطرين إلى التغلب على عدد من العراقيل والصعاب المتأتية سواء من الفرديين الانانيين أو من الجهال غير الواعين ، الذين يجب مواصلة فتح آفاقهم ورفع مستواهم حتى يهتدوا إلى سواء السبيل
تلك سنة الله فى خلقه . فالمصلحون السابقون لعصرهم مضطرون إلى المثابرة على دعوتهم ، حتى يحصل الإقناع وتتحقق الغاية المنشودة التى ستثبت سداد رأيهم طال الزمان أوقصر ، وستجلب لهم الإعتراف بكبير الفضل ووافر الجميل .

