الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

" النادبة "

Share

اضطجعت الشمس فى فراشها الوثير ، وفغر الظلام فاه مثل الوحش ليلتقم القرية التقاما ، ويودعها بطنه الخاوية . . وسكن الحى الا من ثغاء النعاج المجنونة ، وخوار الابقار الجائعة ، وبضع هميسات متمزقة ، تنبعث بين الفينة والاخرى من شتيت البيوت المبعثرة

ومرت " فاطمة " بعد أن أطفأت فتيلتها الواهنة وأغلقت غرفتها ، فى كل تلك المعابر التى تفصل بين بيوت الحي ، وكأنها شرايين الدم . كانت تسعى على أصابعها مثل السارقة . . وكان قلبها يهتز من فرط خوف طاف بها

مشت قليلا ، ثم وقفت مصغية ، عسى أن تتأكد من خلو الحى من رقيب يوشى بها ، أو كلب يفضحها . . وأخيرا قبضت على مداسها ، ولملمت ثوبها مبسملة ، متأوهة ، ثم والت سيرها حزينة .

انه لامر محير ، اذ ما تفعل امرأة مسنة مثل فاطمة فى هذه الليلة الحالكة ؟ وما عسى يكون الباعث على خروجها أسينة من دفء بيتها ، حيث تنعم بضم وحيدها . . ؟ . . انها المعجزة . .

ما ان أيقنت " فاطمة " من خلو الحى من الرقيب ، حتى رأيتها تسرع الخطو نحو مكان بعيد ، شرق القرية . وشاعت الطمأنينة فى حركاتها ، وغفا عليها لون من هدوء ، وصبر . . وما مضى الا قليل من وقت حتى عرجت " فاطمة على شجرة باسقة ، قد تعقدت أغصانها ، وكانت تقوم على قارعة طريق ضيق كأنها الوحش الجاثم

وجمت فاطمة وكأنها تترقب أمرا ، ذا بال . . ثم أحتبت ذاهلة . ومر قطار الليل هادئا رزينا وفاطمة واضعة يدها على وجنتها المترهلة ، حتى اذا ما حن لمرآها القمر الانيس مد اشعته الباهتة على وجهها الحزين ، فبدت عيون غائرة قد حوت كل ما خط الزمان من أسى وأرق ، وبرزت خطوط وجهها كأنها رسم دارس ، هتكته الزواحف بأرجلها الصغيرة ، وبدت كشتها الحزينة مغبرة ، متسخة . . .

ومر خيط ، ساطع النور ، من خلال جمجمتها فكشف عن محتوى تفكيرها

انها تفكر فى مصير ولدها البريء . . ذلك الولد الذى تركه ابوه ، وهاجر الى العالم الآخر ، يطرب فى معابر جنة الرضوان على نحو ما توهمت فاطمة . .

ومرت بمخيلتها صور شتى ، وأوضاع عديدة لابنها ، الذى كان صورة طبق الاصل للمرحوم زوجها ، فتخيلته مزقة تتناهشها الكلاب ، بدون رحمة . وتصورته غذاء قد انفردت به كواسر الطير فى أرض قاحلة ، قد هجرها عنصر البشر

وكادت تقلع عما عزمت القيام به هذه الليلة . ولكن اليد ، التى ارتمت على كتفها أرجعتها للواقع المر ، فإذا هى تلحظ ابنها يتلوى جوعا وألما ، واذا هو يصيح فى وجهها طلبا للقمة عيش يسد بها " فوارة جوعه " ويلتمس منها ثمن كراس أجبر على اشترائه . . وان هو لم يفعل ، فالويل له من " فلقة " المؤدب التى لا تعرف الرحمة

- هيا حضرت روحك يا فاطمتى . . ؟ راهو الليلة ماش نعملو سكرة انكليزية ، ونشيخو كيف ما تفاهمنا .

- قالت ) بعد أن عضت على شفتها حقدا ( حاضرة يا مبروك

- ايواه . . هكك انحبك . . باش نعطيك بزايد فلوس تعيش بيها هاكا الوليد المسكين . .

ونزلت كلمة " المسكين " على " المسكينة " نزول الصاعقة - انه الجور أن تسمع مثل هذه الكلمة من فم مبروك اللعين . . اتراه يفكر حقا فى ولدها حتى ينعته بالمسكين . . ؟ ام انه يريد وصول غايته عن طريق التملق والمراوغة . . ولم يمهلها لتجيب ، بل شد على يدها بقوة وحيوانية ، وسارا بين الاشجار كالشبحين حتى أتيا أكمة وافرة الاغصان .

حاول مبروك أن يداعب فاطمة بما لديه من أساليب الملاطفة ، فقابلت ذلك بالاعراض تارة ، وبالقبول والمكر اطوارا ، حتى اذا عبثت بخياشيمه رائحة الانوثة " الصارعة " فارت فيه قوة الرجال المتكابرين ، الذين لا يخجلهم الضعف أمام الانثى بقدر ما يخجلهم امام أمثالهم من الرجال

وما أسرع ما ترجمت حركاته هذه النفسية الحمارية . . ومن سوء الحظ أن استغرقت " الترجمة " حصة واسعة . . دامت حتى ساعة بدأ الفجر يغمس بأنامله وسط أناء الظلام ليلتقمه

قامت فاطمة ، وروائح " الهزيمة " تنبعث من كل اجزائها . وكنت تراها

وهى ماثلة أمام جريمتها ، فتشعر بالانقباض ، وتقرأ على صفحات وجهها المتغضن قولها : " غفرانك يا رب ، لقد جرنى الى فعلتى بكاء ابن أضناه الفقر وأتعبه الجوع حتى كاد يذهب بحياته ، وان نفسى لتحدثني بأننى اذ اقوم بهذا الفعل ، فانما تعبدا اليك ، وتأدية لواجب حتمته على فى كتابك المقدس ، وهو واجب رعاية ابنى ، واعداده للمستقبل الباسم . . مثل سائر لداته الا ، رحماك يا رب ، انى بريئة " . .

وبكت بكاء مرا ، ثم أخذت طريق العودة بعد أن صرت دريهماتها فى حاشية ثوبها المتهرئ .

هل الصباح بشموعه المنيرة ، بعد ان فرغ من اكل محتوى الظلام ، وحاولت فاطمة ، عبثا ، أن تنسى ما بدر منها فى ليلتها الماضية ، حتى لا تؤثر على ابنها ، ولا تسترعى انتباه الجويرات

كانت " فاطمة " تجهز اكلة ولدها ، عندما مر بائع الثياب ، الصفاقسى ، يصيح باعلى صوته " يالى ، تفرح وليدك . . " فانقبضت نفسها ، وذكرت ان وحيدها فى حاجة ماسة لبدلة شتائية . . يحتمى بها من شدة القر . .

اسرعت نحو برمتها ، وصبت ما فيها مما ادخرت من التين المجفف ، وحملت ذلك فى غربالها بعد أن اخذت " صرتها " وجرت نحو البائع صائحة :

- يا بياع . . ترى ايجه . . ايجه .

واقبل نحوها يترنح مترنما خلف حماره " المصرى " ملوحا بعصاه الصغيرة متكلفا الضحك ، وكان يتعمم بعمامة بيضاء ، سرعان ما تسقط فيرجعها بحركة عجيبة :

- أيا آش يلزمك . . راهو كل شيء رخيص . .

وقبل أن تجيبه ، افرغ ، كل ما فى " زنابله " على الارض ، وكانما يطلبها أن تشترى جميع تلك الادباش ، وليتها تملك المال لذلك ، وما أسرع ما أخرج بأصابعه " المتحطبة " برمة فخارية وأردف قائلا :

- هيا هات ترى ناراو شعندك .

صبت " فاطمة " بضاعتها مع ما تملك من دريهمات ، وصممت أن تحرم نفسها من شراء " عصارة الليمون " التى رأتها عند جارتها " ربح " . وما راعها الا و " البياع " يخفى ما لديه من غالى الثياب وثمين الادباش ، . . وعرض عليها ما فضل من متهرئ الثياب ، مما رأت مثله عند " الغسالة " ميمونة " وكانت هذه الاخيرة تطلق عليه اسم " الروبافاكى " . . وكادت الدموع تذرف من عينيها

لولا شجاعة احتمت بها ، ثم تنهدت وقالت فى نفسها : " هكذا ينبغى ان تكون الحياة لكى تصبح ذات معنى ومدلول . " وبدأت تشعر بأنها فضلة على مائدة الوجود . وتمنت لو كان بوسعها مسخ العباد . . اذن لمسخت جميعهم نفوسا تدرك وأرواحا تحس وتشعر

وبعد أخذ ورد بينها وبين " البياع " استطاعت ان تتحصل على قطعة قماش متهرئة ، عزمت على أن تخيط لولدها منها بعض الملابس ، عسى ، ان يمن الله عليها برحمة واسعة

مرت الايام ، وفاطمة موغلة فى هذه الحياة " الحمراء " . . تعيش على حساب جسمها واعصابها راضية مرضية . . لانها تقوم بذلك من أجل صبيها الوحيد الذى . . رزأها . . أو رزقها به الله .

لا يستطيع المجرم أن يخفى جريمته مهما بلغت به المهارة ، لان فى كثرة الاخفاء ، اشارة الى معطيات الجريمة

تلك كانت حالة فاطمة مع ابنها " على " الذى بات يجوب كل المعابر ويلقى سمعه مصغيا للأخبار المهموسة .

- كيف سبتك هنا يا على

هكذا قال " صالح " لعلي ، الذى سمع جماعة تتناقل اخبارا بذيئة عن امه . فاجاب وفى نفسه لوعة

- هاوكا نتفسح - شويا -

- تو عندنا " قرعان " عند سيدى بوعلى - اشنوا - شاريتشى هاكى الكراس . . باش نبدأو نكتبو عاد ؟

- لا . . ما نيش ماشى نشريها .

وتابعا السير نحو الكتاب الواقع على بعد امتار شرق الحى ، ودخل على فى جملة من دخل ، مع أنه كان يعتقد في قرارة نفسه ، أنه ليس اهلا لأن يشرف " بيت العلم " بالدخول .

وما كاد يصدق ان حصة الدرس انتهت حتى انهكه الملل والانتظار . . وخرج من ثم ليعاود حياة الضرب فى الشوارع

مرت الايام مملة طويلة ، وبدأ الشك يصبح يقينا ، اذ انه لاحظ أن تصرفات أمه تنطبق تمام الانطباق على ما يحكيه شباب القرية

وكره أن يزاول تعلمه ، ويعيش من مال الحرام . . وكان يأمل أن تزيغ أمه

عن هذه الطريقة المشينة ، وتذهب لتعمل عملا آخر يجلب الرزق ، ويدر النعمة ، لتشحذ في الطرقات ، لتبعثه يفلح الارض مع احد كبار مالكى الزيتون ، فهو قادر على تتبع " النجم " . . والرعى . . لكن أن تلتمس رزقها بالفسق فذلك مما لا يطاق ، خاصة فى قرى الاعراب

سهر على تلك الليلة طويلا فى فراشه . . حتى إذا تقدم شطر من الليل ، بصر شبحا يخترق الغرفة متجها صوب الباب ، ثم لم يكد يفتحه حتى صفقه بسرعة وغاب . فقام على اثره وأخذ يتبعه فى تأمل وانتباه . . تحقق على اثره انه شبح أمه .

لقد كان ما يروى عن أمه صحيحا اذن ، فهو ابن حرام ولا شك . . لان معيشته كلها تأتيه عن طريق الفجور

يا لتعاسة المسكين . . انه ولحمه يجب أن يغيبا فى جوف الارض حتى لا يكون له السبب فى ملء أديمها النقى ، بابناء الحرام . . أمثاله . . وتساءل ترى تقدم أمه على فعل ذلك لو كان موجودا ؟ . . وشعر بأنه ظالم . . وأن حياته تسبب الشقاء والتعاسة لامه .

وبسرعة مدهشة ، رأيته يعدو كمن عثر على حل نهائى . . واتجه صوب بئر مهجور غرب الحى

وفى ذلك الظلام ، استطاع أن يقذف بنفسه كالاعمى فى تلك الهوة الحالكة . . هوة البئر . . وما كان أسخاها هوة . . فقد احتوته بأكمله وسكنت سكون الموتى . . لا تحير جوابا ولا تبدى اشارة . . لا ولا همسا لكل من مر بها . . تلك كانت نهايته . . نهاية انسان ملات خياشيمه رائحة الحقيقة العارية

وفوجئ أهل الحى بفاطمة ذات يوم " تندب " امام بيتها . . كانت تحلج شعرها حلجا ، وتخمش وجنتيها حتى اذا سال الدم معفرا وجهها ، شعرت يتخاذل وارتخاء يسريان فى انحاء جسمها المنهك . . وما أسرع ما خفتت انفاسها ، فانكفأت ميته . . وشاع خبرها كالبرق فى كامل الحي ، فاصبح موضوعها محور أحاديث القرية كامل اليوم ، ولم يفرغ أهل الحي من اعادة سرد القصة حتى اضحت ضربا من ضروب القصص الشعبى المؤثر

واعتاد حاكى قصتها ان يميزها بلفظ " النادبة " حتى بات اسمها التى تعرف به .

اشترك في نشرتنا البريدية