الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

الى القارئ, في سبيل نهضة جديدة

Share

ان المتتبع للحركة الفكرية فى العالم العربي الاسلامى منذ اواخر السبعينات وبداية الثمانينات يصطدم باضطراب فى المفاهيم وتسطيح للأفكار وتدبذب فى الآراء . وليس معنى هذا ان الضحالة قد حلت بالفكر العربى الاسلامى وان الجهابذة والمفكرين فقدوا من محيطنا الحضاري بل ان الذى يلاحظه العارف الحصيف هو ان هناك صفوة تصدع بآرائها وتفتح الطريق فى ثبات ووضوح رؤية ولكن اصواتها خافتة واقوالها لا تلقى العناية والذيوع .

وليس البحث عن الاسباب بالهين لأن ذلك يقتضى الدراسات والتحاليل المستفيضة ولكنه يمكن الوقوف عند بعض النقاط التى من شأنها ان توضح السبيل .

من ذلك انحسار الديمقراطية فى عدد من البلدان العربية الاسلامية وميل انظمتها الى الدكتاتورية والكلاتية وكبتها للحريات فالجمت الافواه وركدت حركة الفكر واصبحت المانوية المقيتة هي المسيطرة والإرهاب الفكرى هو الشائع وحتى العنف " بفنونه " النافية لكل حوار ناء بكلكله .

ثم ان تشتيت صفوف المفكرين وأهل الثقافة وانعزالهم في ابراجهم العاجية واشتغالهم بخويصة بحوثهم واختصاصاتهم واحجامهم عن النزول

في حلبات قدح الآراء والاصداع بالفكرة فى مواضيع مصيرية جرات الإدعياء والزعانف لاخذ الصدارة وملء الفراغ الفكرى الموحش

زد على ذلك ما اضطرت اليه الكثير من الادمغة المفكرة من الهجرة فى بيئات اخرى تبعدهم - مهما كانت صلاتهم وتتبعهم للاحداث - عن محيطهم الطبيعي وتجعلهم ينظرون الى انفسهم والى مجتمعاتهم نظرة خارجية " موضوعية " .

ولا ننسى ان ما في العالم المحيط من تيارات فكرية وسياسية قوية جعل نخبة بلدان العالم العربي الاسلامى بين مد وجزر تتجاذبها المذاهب والمدارس وتتقاذفها الاهواء والانواء وتتناوشها مغريات المادة واسباب المتعة الآنية .

ونتج عن كل ذلك اضطراب القيم فى مجتمعاتنا التى بدأت تمزقها الحركات المتطرفة هذه تريد ان تجذبها فى عنف الى الماضى بما فيه من "مواكب" ، الجمود والتحجر وضيق الافق والارهاب والعنف والطقوس المظهرية التى اخنى عليها الدهر . وتلك تتوق الى نقلها فى طفرة عارمة الى عوالم غريبة عنها فيها الاستلاب والغربة والضياع .

وان المؤسف هو ان هذه المظاهر التى ذكرتها لم يكن ليحسب لها العالم العربى الاسلامى حسابها وهو الذي دفعه المصلحون والمفكرون فى اواخر القرن التاسع عشر الى نفض الغبار عن نفسه وفتحوا له الطريق تجديدا للدين وقدحا لزناد الفكر واحلالا للتسامح والحوار وعناقا لحضارة العصر : علما وتقنية وتكنولوجيا ، ومبادئ وانظمة ديمقراطية . ومن لا يذكر اليوم جمال الدين الافغانى ومحمد عبده ورشيد رضا والكواكبى وخير الدين التونسى وابن ابى الضياف وقابادو وبيرم الخامس وطه حسين والعقاد وغيرهم كثير .

هؤلاء وغيرهم صدعوا بآرائهم ولم يحتكروا الحقيقة ولا ادعوا العصمة ولا انفردوا بالحكمة بل كانوا يمثلون حركات فكرية واضحة المعالم لها

مريدوها وانصارها يؤمنون بالتعايش والتسامح ويمقتون كل وصاية او انفراد بالرأى . فتكونت بهم الاجيال ودفعوا السياسية نحو طريق الديمقراطية رغم التناقضات والوان الاستعمار وواكبوا الحركات الوطنية التحريرية وابلوا فيها البلاء الحسن .

ولكن شيئا حصل فعاق عن استمرار بوادر النهضة وحولها عن مسارها الحقيقى ، ودفعها الى متاهات مظاهرها واضحة الآن . فهل كان ذلك مرجعه الى كنه هذه النهضة التى لم تتبلور بصورة كاملة ام ان المسار تحول ؟.

على كل فان الذى حصل يمكن التعمق فيه وتقصيه بصورة علمية وساكتفى بأن اعرض رأيا لعله يهدى الى حقيقة الامر ويوصل الى الخروج مها نحن فيه وسأنحو فى ذلك نحو المقارنة مع شعب آخر لعله يحدونا الى زيادة التدبر والكشف عن الحقيقة .

لنأخذ اليابان الذي اصطدم بالغرب فى نفس الوقت الذى اصطدم به العالم العربى الاسلامى . فقد بدا نهضته فى الفترة ذاتها وسلك مسلكا فى الاول شبيها بالذى سلكناه فمن جهة حرص على ان يقلد الغرب فى كل اسباب العصر من علم وتقنية وتكنولوجيا ومن جهة اخرى قرر ان يبقى على كل مقوماته الثقافية واسس شخصيته الحضارية بما فى ذلك لغته المعقدة ولم يعتبر ذلك تناقضا ولم يحاول البحث عن موقف يؤلف بين هذين الانجاهين ويتحدى به العالم الغربي ويختص به بل حاول ان ينسجم مع هذا العالم فى كل المظاهر التى تجعله يحتك بالغير ووصل في آخر الامر الى ما لم يصل اليه اي بلد شرقى كان في اواخر القرن التاسع عشر متخلفا . وهكذا حافظ هذا الشعب على شخصيته الثقافية بكل قوة وانسجم فى العالم الجديد وبزه في كثير من مآتيه العلمية وجعله يطمئن اليه بدون تحد ولا ضجة كبيرة .

وفي العالم العربي الإسلامي بدأت النهضة على تلك الشاكلة ولكن ببطء كبير وغفلة عن كثير من الاحداث رغم قربه من الغرب مما اطمع هذا فيه

وضرب عليه ضروبا من الاستعمار وجعله يبحث عن نفسه ويحاول ان يوجد رؤية جديدة حضارية يبز بها الامم الغربية ويتحداها نظرا الى ماضيه الزاخر بالعلم والفنون ومضى فى كل شئ ، فى الدين والثقافة والسلوك والمواقف السياسية يبحث عما يميزه بايجاد تاليف بين ما اتى به الغرب وبين ما ورثه من الماضى ويشغله كل ذلك عن الجوهر وتركه لا ينهض بسرعة مثل اليابان علميا وتقنيا رغم دخوله فى حرب ماحقة وجره جرا الى المبالغة فى تحدى الامم القوية ومجابهتها والدخول فى مهاترات معها بدون فائدة ملموسة ترجى من ذلك .

فكانت النتيجة ما ذكرته في أول هذه السانحة من المظاهر السلبية التى لا يمكن ان يختلف فيها اثنان وكان التعثر والذبذبة واختلاط السبل اللهم الا بعض البلدان التى عرفت كيف تخفف من حدة هذه الآفات وسلكت مسلكا مغايرا جنبها كثيرا من الويلات ولا اريد ان اذكر هنا اى بلد حتى لا ادخل فى حساسيات غير ذات موضوع وتخرجنا عن الغاية التى نريدها وهى البحث عن العلاج بالنسبة الينا جميعا ونحن مقدر علينا ان نكون فى مركب واحد أحب البعض او كره .

وليس من طريقة الآن والسياسات في بلدان العالم العربى الاسلامى على ما هي عليه ، الا الالتفات الى المفكرين والمصلحين واصحاب الراى وجمعهم في حركات بارزة المعالم وفسح المجال للحوار والنقاش والتداول فى الشؤون الفكرية الثقافية المصيرية ورسم الخطط الكفيلة بالخروج من هذه الدركات من دون اللجوء الى العنف والارهاب مهما كان ومن دون التطرق الى العمل السياسى الذي لا بد ان يستنير بهذه الحركات ويستفيد منها .

نحن فى حاجة الآن الى تقييم جديد مركز صادر عن تجمعات فكرية عميقة النظر قادرة على ان تصدع برايها في جلاء وان تجمع ما تشتت من الافكار والمفكرين وان تقوم بعمل مركز لا يهدف الا الى دفع عجلة النهضة

العربية الاسلامية من دون تعصب ولا مانوية ومن دون تحد لاى كان ، بل بحب ان تكون هذه النهضة متلائمة مع عالمنا الحاضر منسجمة معه لا تكن اية عداوة ولا استنقاص لاى كان مستعينة به متعاونة معه وخاصة مع هيئاته الفكرية والثقافية ، انسانية لا عرقية ولا دغماتيكية .

هذه بعض الآراء اضعها على بساط البحث والتدبر وهي تحتاج الى التعميق والتصحيح ولكنها يمكن ان تكون قاعدة الانطلاق وانى ادعو قراء المجلة وغيرهم ممن يظفروا بهذا العدد ان يوافونا بآرائهم ولعلنا سنفرد بالنسبة الى هذه السنة عددا خاصا بهذا الموضوع نساهم به فيما نسميه بالنهضة الجديدة .

اشترك في نشرتنا البريدية