الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

انتهاء حريق

Share

ماتت امه وهو فى الثانية عشرة من عمره . فلم تترك له غير الفقر واليتم . ومات ابوها وهى فى الثامنة من عمرها فلم يترك لها غير الفقر واليتم ايضا غير ان غموض عواطف  الطفولة ، وصخب الحياة فيها ، لم يتركا فى نفسى الولدين ما يتركه عادة فى نفوس الكبار شبح الفقر ، وقساوة اليتم من ضيق وفراغ .

وكان الولدان يلتقيان كما يلتقى الاطفال فى المدراسة وفي الشارع . . وكانا يلعبان كما يلعب الاطفال لعبا بريئا . . ويلعبان احيانا لعبا يضايق الكبار . فيسمونه شقاوة . . ويسمونه " شيطنة " . .

فلقب هو " بالشقى " . . ولقبت هى " الشيطانية " . .

دنا منها مرة - فى ساحة المدرسة - واختطف منها دمية نزع منها الرأس والاطراف . وضربها . فبكت وغضبت . ولم تشكه الى أحد . . ولكنها تحايلت عليه واختطفت منه حذاءه . ورمت به فوق السطح . . وأبلغت الوقائع الى المعلم . فكان يوما مشهودا . . ونال كل منهما نصيبه . . وأرجع الحذاء الى صاحبه . . وأرجعت الدمية الى صاحبتها وشمت الشقى  بالشيطانة لا

ودنا منها مرة - فى الشارع - وكانت فى يدها وردة صنعت من كاغذ اثارت مطامعه . . وتودد اليها . وطلب منها ان تمنحها اياها برهة ليتبين شكلها ثم يردها اليها . فامتنعت . . فاخرج يده من جيبه وأراها ما فى يده . فشهقت . وكست وجهها الفرحة والدهشة . وابتسمت له . واقتربت منه . وقالت وفى عينيها تودد ظاهر

- هاته أنظر اليه ، وارده اليك . هاك خذ الوردة . . وابتسم فى تحد . وقال فى سخرية .

- هاك خذ الوردة . . الآن هاك خذ الوردة . لا . لا آخذها . أما هذا فلن يقع لك فى كف .

وغضبت . ولم تدعه يكمل كلامه . وانما ضربته على يده بشدة . فأفلت من يده العصفور . وطار . . وهربت فرحة . وعاونها على الهروب الخوف والانتصار . . ووقف متأسفا . أعانه على الوقوف التحدى والانهزام . وشمتت الشيطانة بالشقى

وتحركت عجلة الزمن . . واذا الصبى شاب قد ناهز العشرين واذا الطفلة صبية قد قاربت السابعة عشرة .

كان طويلا وسيما . فى عينيه ذكاء وطموح . وفى قسماته كبرياء وتحد . وفى حديثه طلاوة واقناع .

وكانت طويلة جميلة . فى عينيها صفاء . ووداعة . وفى قسماتها هدوء وتفاؤل . وفى حديثها رقة وانس

والتقى بها فى مكتب محام ، وتم ذلك صدفة . وكم للصدف من تاثير - قد يعجز عنه صاحب التدبير  فى تكييف حياتنا

جاء يبحث عن عمل ، يقوم به فى وقك فراغة او بالاحرى فى الوقت الذى لا يزاول فيه دراسته . مثله فى ذلك مثل الكثير من ابناء بلادى الذين رغبوا فى تحصيل العلم صادقين وبهم من الفقر ما يعوقهم عن ادراكه . ولكن بهم من الايمان والعزم ما يدفعهم دفعا لان يكتسبوا رزقهم بشرف ، وان كان ذلك فى وقت فراغهم . ليظفروا بما ينشدونه من رقى وازدهار لهم ولمجتمعهم

وعرف منها انها اضطرت اخيرا لان تعمل عند المحامى كاتبة . .

وفى نهج روما كان يمشى معها . وبنفسه احساس قائد ربح معركة . . وكانت تمشى معه وبنفسها احساس غريب للفتاة التى ظفرت بعمل بعد نجاحها فى امتحاناتها

وقال لها - يا شيطانتى هل تذكرين ذاك العصفور وقالت له - وانت . . هل تذكر تلك الدمية وقال لها - قولى . . يا شقى - قلتها انت وابتسما . .

 وتحت ظل دوحة فى منتزه بلفيدير    جلس الحبيبان - ومنتزه بلفيدير فى بلادى جنة اختفي منها الحارس والرقيب . هى للداخل مفتوحة بدون ان يقدم من الحسنات ما يثقل كاهله . . وحدثها عن ذكرياته معها . وعن كفاحه وآماله  وحدثه عن ذكرياتها معه ، وعن كفاحها ، وآمالها

وكان حديثهما مناجاة . فيه طموح احلام الشباب . وفيه رقة خيال الشعراء . . .

وتكررت اللقاءات . وتركزت بها فى كلا القلبين للحب دعامات . . واينعت بها فى كلا النفسين للهيام زهرات . .

وقال لها يوما . وقد جلسا تحت اغصان الدوحة التى عرفت لقاءهما الاول . ولقاءاتهما المتكررة . . وكان الوقت غروبا وكان لون الافق يبدو جميلا خلابا كاشعة من لهب تراءت عن بعد .

- لقد اتممت دراستى الثانوية ٠ وقررت ان التحق بوظيف

وقالت له : - ولماذا لا تتابع دراستك العالية ؛ - اتريدين انت ذلك ؟ - اجل - والزمن - ينقضى سريعا . - وتصبرين ؟ - اصبر وابتسم اليها . وقال : وقد ملأه الزهو والمرح قولى لى ماذا يجول فى رأسك الجميل انى ارى فى عينيك اشياء . اتتمنين ان تريننى محاميا شهيرا . او سياسيا خطيرا ؟

- اتمنى ان اراك شابا محظوظا يبسم لك المستقبل ، وتتكدس على عتبة  غدك الامجاد . .

وحدق بها وقال وبنفسه عزم الف بطل - سافعل . ساحقق امنيتك . . - كان الله فى عونك . وابتسم لها وقال : - ولكن هل تحققين انت لى امنية عزيزة غالية . . - وهل لى من امنية  فى هذه الحياة سوى ان احقق لك امانيك . لو استطيع .

- تستطيعين - ماذا تتمنى ! - اتمنى ان اراك يوم رجوعى . تنتظرين قدومى . وانت تتبخترين فى فستان ازرق . نعم فستان ازرق . وبيدك منديلى الابيض تلوحين لى به كانك عروس جمال ملكات البحار

- سافعل . ورنا اليها فى هيام ، ورنت اليه فى آفتتان . وتعطلت لغة الكلام . فاغنت عنها لغة التفاهم الروحى ، والتجاوب العاطفى . وهامت نفساهما فى عالم جميل رحب . تكتنفه الاحساسات المشبوبة ، والعواطف المجنحة . .

والتصق بها ، وضمها اليه ، وهفا على الثغر  يريد ان يقطف منه قبلة . . وآفلتت منه بسرعة . وبدعابة قالت له : - لن تنالها الا فى ابانها .

وآلتحق بها ، وهو يردد فى مداعبة محببة . - صحيح فانت مازلت شيطانة وكانت لحظات مؤثرة عندما شد يدها . وشدت يده وضغط عليها . وطفرت من عينها دموع غزار ، وطافت على عينيه سحابة مثقلة . وافترقا . .

وظلت تعمل بعده لالتماس رزقها كما يعمل اكثر الناس فى بلادى لالتماس رزقهم باخلاص وتفان

وعاشت بعده كما يعيش سواد الناس ، ولكن باحساس من يترقب وقتا يتحقق له فيه امل غال ، وامنية عزيزة . .

وآنقضى عام . وعام آخر ، وتلاهما ثالث . ولم تتصل منه الا ببعض رسائل سرد لها فيها جمال الحياة فى مغتربه

وتقدم اليها جمع من الشباب ، ولكنها كانت ترد كل من يتقدم اليها طالبا يدها بلطف . .

وآنتظرت عودته ، وبنفسها من صدق العاطفة له ما خفف من وطاة قلق انتظارها . ولكن بنفسها ايضا من الشوق له . والتخوف من المستقبل ما أمض حياتها . وانحل جسدها .

واخيرا جاءت منه رسالة تحدد موعد عودته ، وفرحت فرحة ما فرحت مثلها فى حياتها قط . وشعرت وهى تقرا الرسالة . . ان كل كلمة من كلماتها تفتح امامها آفاقا من الامل الحلو ، والهناء الدائم . ونسيت كل ما قاسته فى لحظة وخيل اليها انها دخلت حياة جديدة لاتزول منها السعادة ابدا

واتضح لها باحساس قوى انها انثى . فالتفتت الى جسدها الغض . فراعها ما يبدو عليه من تحول فاولته كل عنايتها ودرايتها ، فصقلته وصقلت مواهب الجمال فيه .

وسحبت ما رصدت من مال . وسعت به إلى دكاكين التجار تبحث عن فماش ازرق رفيع واشترت قماشا ازرق رفيعا ودفعت به إلى الخياطة وطلبت منها ان تصنع لها فستانا يتناسب مع عروس جمال ملكات البحار . وتحملت ما بدا على وجه الخياطة من استغراب وسخرية

وذهبت الى مقام ولى . واشعلت فيه شمعة . وتصدقت على اكثر من فقير . وطلبت العفو من صديقة لها لحقها منها ما يوجب العتاب . وزارت اقاربها وثلة من الاصدقاء . وأحست أنها تلتقى بالاحساس مع باعث تعاليم دينها فى محبة الناس

وجاء اليوم الموعود . وكان يوما قائظا . اشتدت حرارته ولفح هواؤه وصفت سماؤه . وهدأ بحره الا من بعض موجات مكدودة تتدافع على سطحه فى فتور وضعف . كانها حمائم بيضاء . أجهدها هى ايضا الحر وانهاك الطيران . فأقتربت من البحر مكدودة تستمع بهوائه . وتستروح نسيماته . .

واستعدت لاستقباله . فهزتها من اعماقها مشاعر غامضة ، فيها فرح وزهو ، وفيها تخوف ورهبة . وقوى احساسها بقرب الموعد . فانتاب جسدها ارتجاف ، كانها تلميذة تتاهب لخوض امتحان .

ولبست فستانها الازرق ، ودلفت الى المرآة ، تحسن منظرها ، وتبرز مواطن الفتنة من جسدها ، واتمت زينتها وتبخترت أمام المرآة لتطمئن على هيئتها ، وراقها القد الاملد الرشيق . وما يبدو عليه من جمال وفتنة فانتشر فى نفسها اعجاب وزهو فاشرق وجهها باشعاع جميل

وتناولت حقيبتها ، واخرجت المنديل الحبيب ، وتشممته ثم ارجعته الى مكانه الحبيب من الحقيبة ، وقصدت الميناء .

وفى الميناء تلاشى منها احساسها بكل شئ يربطها بدنياها الا من التفكير فيه ، فى الحبيب القادم

وتناوبتها موجات من الفرح والرهبة عندما بدت مقدمة السفينة تفري مياه البحر ، وتندفع صوب الميناء فى بطء . .

وارتفعت الاذرع فى الفضاء تلوح بمناديلها البيضاء كانها تطلب من السماء ان تبارك لها ساعتها هذه السعيدة

ووقعت عيناها عليه ، على فتاها العزيز الغالى . فصخب فيها حبها وشوقها اليه ، وتلاشى منها احساسها بكل من حالها وما حولها الا منه ، فلم تعد ترى الا اياه ولم تعد تفكر الا فيه . ولم تعد تشعر الا به ، وثقل عليها الوقت فتمنت ان تحدث المعجزة ، ان يتجمد الماء كى يتسنى لها ان تهرع اليه وترتمي فى احضانه .

ونزل الحبيب من السفينة ، ووطئت قدماه ارض الميناء ونسيت سمعتها كانثى . . ونسيت ان له اقارب واصدقاء قد خفوا هم ايضا لاستقباله . قد دفع بعضهم الحب والشوق اليه حقا . وقد دفع البعض الآخر الاعتقاد بان قد علا له فى سماء المعرفة نجم ، وخص له فى دنيا الوجاهة مكان ، وعفا الله عن بعض الناس

ونسيت كل شئ ، وآندفعت اليه ، وارتمت فى احضانة وقد طفرت من عينيها دموع غزار ، وأحتضنته ، ودست رأسها فى صدره ، وسكنت اليه كما تسكن الى الدفء قطة  روعها برد الشتاء

وفي المكان الذي عرف لقاءهما الاول جلس الحبيبان ، وحدثها عن متع الحياة ، وعن جمال الطبيعة فى مغتربه . . ولم يحدثها كما كانت تود وتؤمل ان يحدثها . عن كفاحه ، وعن حياته الخاصة ، وعن حبه وشوقه اليها فى مغتربه  ، وعن السكينة التى مسته وهو يحتضنها ، وعن السعادة التى اكتنفته وهو يراها - تحقق له امنيته العزيزة الغالية . . تخطر فى فستانها الازرق ، وبيدها منديله  الابيض ، وهي تلوح له به كانها عروس جمال ملكات البحار . . .

لم يحدثها كما كانت تود وتؤمل ان يحدثها بل ولم يستمع اليها ، ويتفاعل مع حديثها كما كانت تود وتؤمل ان يستمع اليها ويتفاعل مع حديثها ، فساءها منه ذلك .

وقال لها : - لقد صرت نحيلة ! - انه فعل الشوق والانتظار . - ولهذا الحد كما ترى

- ولكنك مع ذلك ما زلت شهية كقطعة كباب . وضايقتها كلماته ، وشعرت ان فى افق حياتها اخذت تتلبد غيوم . ولكنها تجافت شعورها ، فلم تتقبل بسرعة فجيعة الواقع

وقالت : - ككل شىء فى ولى ، هو لك ، لك فى الحلال - دعنا من الحلال والحرام . ان الذ المتع ابعدها عن القيود

وأحست بانه قد طعنها فى كبريائها ، وان شيئا فى قلبها قد تزلزل ، وان شعورها بتقبل فجيعة الواقع اخذ يتضح ويقوى . وقالت :

- وترضى . - طبعا ارضى ، ومتى امتنع شاب عن متعة عرضت امامه . . ورفعت اليه عينين قد طاف عليهما شبح ايمانها بفجيعة الواقع ، وقالت له وفى قولها رصدت آخر سلاح لها .

- صبرى - ترفق بى - فانا كما عرفتنى لست من النوع الذى تشير اليه . - ولكنى لم اقس عليك . ولم الزمك شيئا تأبينه . انما هى رغبة عرضتها عليك . فان شئت قبلتها وان شئت رفضتها .

- صبرى - اذن - هاك خذ منديلك - خذيه انت فقد تركته لك . - لا حاجة لى به ، فقد انتهت مهمته . . ودفعت اليه المنديل وهمت بالوقوف . وشدها من ردفها ، وضغط عليه . وقد قوى امتناعها غريزة الشهوة فيه

وقالت له - وقد رأته ركب غرائزه ، فلم يعد يحفل بغير ارضاء شهواته . - ارفع يدك عن جسدى ، فهو اشرف من ان تدنسه يد غادر ، ومخادع مثلك . وضحك وفى عينيه اشتهاء ، وقال وفي نبراته سخرية :

- أو ما زلت تعتقدين هذه الخرافات ، وتعيشين بهذه الاوهام ؟ دعك من هذا الهراء . انك فتاة ذكية وجميلة ، وقد منحت جسدا فاتنا وشهيا فتمتعى . ودعى مولها مثلى يتمتع بما منحت . ولا تتغافلى . فتندمي

- اخرس ان لصبرى حدا . - او قلت نكرا . لا تغضبي ، وآغتنميها فرصة قبل ان تفلت . ان امامنا فى الملهى . . ليلة حمراء تحسدنا عليها حتى الشياطين

- ما كنت اتوقع يوما ان اراك كما اراك الآن - قول لى كيف تريننى الآن يا شيخة ؟ - كما ترى نفسك  ٠ - لا ارى نفسى الا كما اردت انا يوما ان اكون . شابا متفوقا يبسم لى المستقبل ، وتتكدس على عتبة غدى الامجاد . .

وصفعتها كلماته ، وتجسمت امامها ( فجيعة الواقع واحست بان شيئا غاليا وعزيزا من قلبها قد سقط ، وطفرت من عينيها دموع غزار ، وقالت والغصة تخنق كلماتها - كان الله فى عونك وتركته فى مكانه دهشا مهزوما ، وآنصرفت . .

وعندما كادت تتوارى عن عينيه احس احساسا غامضا ان شيئا غاليا وعزيزا قد ضاع منه فهتف - رجاء رجاء

وانقضت سنون اقبل فيها على مائدة الشيطان بعطش لا يعرف ارتواء وجوع لا يعرف شبعا اخذ من اللذة والمتعة بكرم وسخاء ، واعطى من شبابه وسمعته بكرم وسخاء .

كان في كل ليلة من لياليه الحمراء - ولياليه تكاد تكون كلها حمراء - يحطم بين حافة كاس ، ومخدع انثى مائة يوم من حياة شبابه وسمعته وآنقضت سنون كاد يخرج منها بجائزة رضا الشيطان

وحدث فى اعقاب ليلة من لياليه الحمراء . وكانت الخمرة قد قست على دماغه . وضغطت على اعصابه ، واحس كما يحس كل سكير عب من سلاح ابليس الى الحد الذى يصبح معه لا يتحكم فى اعصابه ، ولا فى حركة جسده . انه يدنو من الموت ، وينحدر الى الهاوية . بخزى الاثم ، وجريرة المعصية . وحاول كما يحاول كل سكير ما زالت فى قلبه ذرة من ايمان . . ان يثوب الى

رشده ، ويتحكم فى اعصابه وحركة جسده ، كي يحمي نفسه من الوقوع فى ضيافة خازن جهنم . . حدث فى اعقاب ليلة من لياليه الحمراء ان دخلت الملهى  انثى فاتنة . فحملق فيها بعينيه وصفر لها ، فرمقته بنظرة فيها سخرية وآشمئزاز ، وقالت لشاب قد خف لاستقبالها بجوع ذئب .

- او ما زالت فى هذا الكهل . الفاسق . بقية من حياة ؛

واندفعت الى اللذة تأخذ منها بقدر ما تعطى . ذلك هو قانون الحياة ليس فيه سوى العدل والقسطاس

واحس كأنها لفحته بكلمتيها الكهل . الفاسق . بقطعة من قرص الشمس أوبكبة من لهب جهنم ولم يثر ،  ولم يغضب ، ولم يحطم الكأس على رأسها ولم يبطش بها ، بل ولم يقل لها حتى كلمة شتم عادية ، لم يفعل شيئا مما كان متوقعا منه ان يفعله ، وانما وضع الكأس أمامه ، ونظر اليه ، وقد تيقظ شعور الايمان فيه ، فاطمأن . وأخذ  عقله يعمل برشد وفي صفاء ، وود ان يشكرها ، فقد قالت له ما لم يجرأ خيرة رفاقه على قوله له ولكن هل تراه يثوب الى رشده لو تجرأ احد رفاقه على اسداء النصيحة له في غير لحظته  تلك . وود أن يشكرها بل ولم يلبث ان احس بعطف وشفقة عليها وعلى فصيلة  امثالها من المعذبين فى الارض . وان فى مستوى يتطلع اليه اكثر المخدوعين من سواد الناس . . وتملكه احساس عارم بحب الخبر ومحبة الناس وتمنى ان يمحى الشر من الارض . ولكن لماذا لا يسعى الناس الى محوه ، لا شك ان الانسان الاول قد سعى الى محوه . وحاول ، فكانت محاولته تتمثل  فى اقتحام عالم النفس ، والتعرف الى متنوع غرائزها ، ومتباين نزعاتها فبحث وتعمق ، وتوصل الى ضبط كل غريزة وتحديد كل نزعة فأطلق على كل غريزة و كل نزعة  اسما ، فكان للخوف اسم وللحسد اسم ، وكان لامثالهما من الغرائز والنزعات أسماء ، وكان ساعيا من وراء ذلك الى تحبيب الخير وتبغيض الشر كما يسعى الطبيب عند اكتشافه داء جديدا ان يطلق عليه اسما جديدا لتسهل عليه معرفته وعلاجه ، ويحذر الناس من مغبة الوقوع فيه ولكن هل نجح الانسان الاول ؟ وهل نجح من جاء بعده .  وجاء ومعه فكرة الوعظ والارشاد ، والثواب والعقاب ؟ ثم وهل نجح انسان القرن العشرين الذى جعل من الجماد كواكب تدور فى الفضاء ، ومعه علمه هذا الذي يسميه  علم النفس ، ويدعى فخر ابتداعه ؛ . .

وقد تكون الجهود التى بذلت منذ كان الانسان الاول الى انسان القرن العشرين ، قد فعلت شيئا .

وعندما وصل الى هذا الحد من التفكير الانسانى المشرف طنت في سمعه قهقهة  خليعة فاجرة ، كنفس صاحبتها قطعت عنه تفكيره ، فقام وهو يردد ، لطفا بعبادك يا رب .

وقصد الباب يتلمس طريقه الى النور والهواء .

ومضت مدة ، وسمت مشاعره ، وحسن سلوكه ، وتجرد من ماضيه المشين ،  وانخلع عنه ، كما يتجرد الثعبان من جلده وينخلع عنه ، وحاول بكل وسائله ان يلهي بعض الناس عن ماضيه المشين ، بل وأن ينتزع منهم ما يجب ان يكنوا له من اعجاب بمواهبه ، وتقدير واحترام لشخصه . . والتفت الى صحته فراعه ما يبدو على الجسد  المكدود من تحول ، فأولاه كل عنايته .

وأحس بفراغ في حياته . . ولا بد لهذا الفراغ أن تملأه أنثى ، فمن تكون هذه الانثى ؛ واتجه  فكره توا إلى فتاته ، الى تلك التى أحبها يوما فابتغاها عروسا  لاحلامه . . واشتهاها يوما فارادها غنما للشياطين . واتجه فكره إلى فتاته فتملكه احساس قوى عارم بحبها والحنين اليها ، والح عليه هذا الاحساس . . فوجد نفسه يسرع صوب مكتبه ، ويفتح درجا  من أدراجه ويتناول منه صورة ومنديلا ورسالة ، ورفع المنديل الى أنفة وتشممه ، ليملا رئيته بشذاه ، وينفح كل جارحة فيه بصدق العاطفة ونبل الوفاء ، وسمو الاخلاص . . وقرأ الرسالة فشعر وهو يقرؤها أن كل كلمة من كلماتها تفتح أمامه آفاقا من الامل الحلو ، والهناء الدائم ، ونسى كل ما قاساه فى لحظة  وخيل اليه انه دخل حياة جديدة لا تزول منها السعادة أبدا وحدق بالصورة وشخص اليها ، وتخلص من حاضره ، وامتطى خياله ، واندفع الى ماضيه  الجميل

وفي المكان الذي عرف لقاءهما الاول جلس الحبيبان ، وحدثها عن كفاحه ، وعن حياته الخاصة ، وعن حبه وشوقه اليها فى مغتربه ، وعن السعادة التى اكتنفته وهو يراها ، تحقق له أمنيته العزيزة الغالية ، تخطر فى فستانها الازرق وبيدها منديله  الابيض ، وهي تلوح له به كأنها عروس جمال ملكات البحار . . وقال لها !

لقد صرت نحيلة ؟ انه فعل الشوق والانتظار - ولهذا الحد ؟ كما ترى - لكن نحولك قد زادك جمالا وفتنة - كل شئ فى ولى هو لك . لك فى الحلال

- رجاء . ما هذا رجاء . او تتصورين أن اجتمع بك فى غير الحلال الى مأوى الشياطين مصيرى ، ان تصورت يوما انى سأجتمع بك فى غير الحلال .

لطف الله بك . - لا لطف بى - صبرى ترفق بى ، فأنا كما عرفتنى ، لا أستطيع أن احتمل فيك كلاما كهذا . وان كنت تعبر به لى عن صدق عاطفتك ونبل مقاصدك

ولكنى لم أقصد  أن أقسو عليك ، وانما قصدت أن أبدد فيك ذرة الشك التى مست تفكيرك . ألم تقولى لى كل شئ فى ولى ، هو لك . لك في الحلال .

صبرى عفوك عنى يا صبرى فليس من شفيع لى اليك فيما ألم بي من  ضعف ، وانتابنى من شك فى صدق هواك ونبل  نواياك ، سوى حبى  لك وايمانى بحبك لى

- رجاء . ما هذا رجاء . ما لهذه الدموع تتساقط من عينيك . عفوك عني ، ما قصدت ايلامك .

- دعنى . انى لست آبكى انى أحيا أسعد وأجمل لحظة انتظرتها من حياتى

- ألا تريدين أن أحيا معك لحظتك ؛ - ذاك هو منتهى أملى . وغاية احلامي - إذا كفكفى عنك دموعك . فمرآها يؤلمني - صبرى ما كنت أتوقع يوما أن أراك كما أراك الآن - قولى ، لى . كيف تريننى الآن يا عزيزتى - كما ترى نفسك - لا أرى نفسي الا كما اردت أنت لى يوما ان أكون ، شابا متفوقا يبسم  لى المستقبل ، وتتكدس على عتبة غدى الامجاد

حمدا لك يا رب . - رجاء قومى هيا بنا . - الى أين ؟ - الى حيث تبارك حبنا العظيم يد السماء وفى ليلة العرس جلس الحبيبان ، وكانت الموسيقى تنبعث من حولهما حينا هادئة  خافتة  محببة الى النفوس كأحلام العذارى . وتنطلق حينا آخر مرتفعة

صاخبة مثيرة كعواطف المراهقين . . ورنا اليها ، فبدت له ، فتاة قد عذب جمالها وعلت مداركها ، وسمت عواطفها . . بدت له أجمل وأسمى أنثى عرفتها دنيا الناس

وشدها من خصرها ، وسعى بها الى فردوس الحياة الزوجية وأغلق الباب من دونهما

وهبت ريح ، أغلقت الباب فعلا .

وانتبه من شخوصه ، وقد ارتد عنه خياله فوجد نفسه أمام حاضره القاسى وليس له من دنياه التى كان يحياها فى خياله سوى صورة ومنديل ورسالة فمسه دوار فى رأسه ، وتوتر فى أعصابه ، وارتمي على أول كرسى وجده أمامه

وتعاقبت أيام ظل أثناءها لا يفكر الا فيها ، وقد برحت به الحيرة كان رجاؤه يدفعه اليها ، وخوفه يقصيه عن مبتغاه . كان رجاؤه يبعث فيه التفاؤل ، ويزين له مسعاه ، ويحثه عن البحث عنها ، والظفر بملتقاها ، ثم الفوز بقلبها ، فهى رفيقة صباه ، وأليفة شبابه وحبيبته ، وهل للحبيب أن ينسى حبيبه وان لحقه منه ما يؤذيه وكان الخوف ، خوفه من فشله يرهبه ويرعبه . فقد يجدها وان هو وجدها ، فقد تتغافل عنه ، وتتناساه ، وتتنكر له كما تنكر لها وتتحاشاه كما يتحاشى السليم الاجرب . . وان هى فعلت ، فهل له من سخط أو لوم عليها وهو البادىء ؟ ولو حدث هذا إذا لحدث ما لا يستطيع احتماله . أليس فيه حرمان له حتى من أحب وأعز وهم لديه ؟ وهم انتظارها ، وامكانية لقائها ، وهو بهذا الوهم يحيا ، ومنه يستمد وان شيئا من الراحة والاطمئمان فى حاضره القاسى

وتعاقبت ايام ظل اثناءها نهبا بين الرجاء ، والخوف واستبد به حنينه ، فزين له اتباع طريق الرجاء ، والقلب الضعيف يستسلم بيسر الى التفاؤل . وقر عزمه على البحث عنها ، سيجدها ، وان تناسته ، وتنكرت له ، فان له من راسخ ايمانه بجمال ما هو مقدم عليه ، ومن صدق حبه واخلاصه لها ما يكون له شفيعا عندها ، بل ما ينسيها ما لحقها منه ، ويعيد اليها سابق احساسها بحبها له وثقتها فيه ، فتشتاق الى ما كانت تؤمله وترجوه من العيش معه فى حياة حافلة لا تزول منها السعادة أبدا

وتذكر ما قالته له يوما ، فأيد فيه ايمانه بنجاح مسعاه . ألم تقل له يوما . - ولماذا لا تتابع دراستك العالية

- والزمن ينقضى سريعا . - وتصبرين ؟                                                                                              -أصبر

وأصلح من هيئته ) . . وقصد مكتب المحامى ذاك الذى التقى بها يوما عنده صدفة ، ومن يدرى ، فقد تكون لا تزال تعمل عنده ، والا فان له من ارشادات المحامى ما يعينه على العثور عليها " قصد مكتب المحامي ، وبنفسه عزم من يبحث عن سعادته فى شخص أنثى . . وبدماغه تعتلج هذه الخواطر ، لا بد ان يجدها ، وان اضاع فى البحث عنها كل أيام حياته ، ولماذا أضاع ، وهو يستمد حتى من البحث عنها سعادته وهناءته  و راقته هذه الخواطر فاستعذبها - واستسلم اليها .

ولكن ظروف الحياة لم تمهله ، فلم تدعه يضيع حتى ضئيلا من الوقت في البحث عنها ، فقد دفعت بها أمامه فى عرض الطريق

وراها فحدق بها . . انها هى بعينها لا شىء منها تغير سوى توهج نضرتها . وتفتح مفاتنها

ورآها لا كما أرادها يوما غنما للشياطين . . وانما رآها كما ابتغاها يوما عروسا . . ولكن ليس لاحلامه . . وانما لاحلام شاب ليس متفوقا مثله .

وجمد فى مكانه . وقد تجسمت أمامه فجيعة الواقع ، وشعر بان شيئا من قلبه  قد سقط ، وطافت على عينيه سحابة مثقلة وتوارت عن عينيه ، فأحس احساسا واضحا بأن شيئا غاليا وعزيزا قد ضاع منه ، وضاع منه الى الابد فهتف بلوعة وتلهف رجاء . رجاء . .

وسرعان ما انحرفت فيه مشاعره ، فشعر بسخط على نفسه ، وعليها ، وعلى  المحامى ، وعلى اللحظة التى تم لقاؤهما فيها ، وازدادت فيه مشاعره انحرافا فانتابته عاصفة من السخط والحقد لا على نفسه وعليها وعلى المحامي . . فقط ، وانما على الناس اجمعين ، وتمنى ان تحدث الكارثة ، أن تزلزل الارض زلزالها وينتهى كل شىء ، وازدادت فيه مشاعره انحرافا أكثر ففكر في الانتحار ، فلماذا الحياة ؟ وقد انعدم منها ما يرغبه فيها ويحببها اليه . بل

ولماذا الحياة ، وقد جد فيها كل ما يفزعه ويرعبه . . أليس هو الآن يحيا باحساس اليأس . وهل اليأس الا رغبة من الحياة حاقدة تسعى لتدمير نفسها لتتشفى من جمال الحياة .

وقر عزمه على الانتحار . . ففكر فى كيفية تنفيذه ، فالفاها سهلة المنال ما هى الا جرعات من كحول يصبها فى جوفه كما تعود أن يصب جرعات الخمر فى جوفه ، وينتهى كل شىء . .

وأسرع الخطو الى منزله  وتناول قارورة الكحول ، وضغط عليها بعنف . وحدق  بالموت الكامن فيها وما أن ادناها من شفتيه حتى تيقظ فيه احساسه بتقوى الله . ايلقي الله بجريمة الانتحار ، يحيا شقيا ، ويموت شقيا ويحشر فى زمرة الاشقياء . .

وعدل عن قراره ، فأراح الحكام من قضية اجرام ، وكم اراح هذا الاحساس بتقوى الله رجال العدالة من قضايا . .

وتناول من درج من أدراج مكتبه صورة ومنديلا ورسالة وتأمل الصورة وقرأ الرسالة ، وتشمم المنديل ، ثم لف الصورة والرسالة فى المنديل وأشعل عود ثقاب . وأحرق المنديل وما فيه . . وظل يترقب بصبر لا يضاهي انتهاء الحريق وانتهى الحريق .

فالقي نظرة صابرة على رماد الحريق ، على رماد سعادته . . وتلمس طريقه إلى بيت الله يلتمس فيه اذكاء شعوره بتقوى الله ، ثم القدرة على اكتساب ما ضنت به عليه دنياه . .

اشترك في نشرتنا البريدية