اليوم أحد ، وبرلين السمراء يثلجها الوبل ويخنق أنفاس مصانعها المكدودة . دمعة عريضة مترجرجة . زئبقية حارة : لا ترب يمتصها ، ولا كف تغطيها .
يخيل إليك وأنت هائم فى ثنايا برلين ، يبتلعك شارع فليفظك آخر أنك سائر فى وحل تخفى عنك طبيعته . ليس إلا التثبت والالتفات والتساؤل . فأنت فى بقعة من الأرض يمثل بين يديك ماض حاضر أبدا . الحضارة تهمس إليك . تناجيك وتحدثك . ليس إلا السماع . فلتغض البصر . لينفذ الذهن منك إلى ما وراء الخبز فى المزابل يسمن ويغنى من جوع ! لتستحل البكر بلورا شفافا . أرغمها على المستحيل . أترك ضباب الماضى يغطى وجنتيها . أسدل جفنها الهامس ، وأطل فستانها الوردى القصير . فالمرأة فى برلين وفى غير برلين تأبى إلا أن تكون أعرض ركح وأوسع شاشة .
تحدها إذن . تنازل عن بعض ما فيك . والا فاقعد دون برلين . ول ظهرك المرأة فوراءها التاريخ . . . ولسوف تقول :
قتل الانسان ما أكفره . يتخذ من القوة ضعفا ، ولا يكاد يؤوب إلى نفسه إلا خاسئا حسيرا . قتل الانسان ما أكفره . يجهل حدود الذات والامكان ، ويعبث بالزمان وبالمكان ، فلا يروعه إلا أن يجد نفسه فى دوامة طحون . تدور وتدور . . . وإذا هو يتضاءل يتصاغر ويتلاشى . يذوب ويمحى .
هزءا بالعقل البشرى . ألم يقل فيه : (( إنه أدهى الأوبئة ؟ )) العقل البشرى . هذه القوى المتعاكسة . حاصلتها الصفر . عدم وفراغ . ضياع خواء .
أى خير جنته هيروشيما من عقل ( آينشتين )) ، وبرلين من عقل (( هتلر )) ؟ الجنون لا غير . الجنون غاية العقل . أن تصبح الفكرة عملا كالحرب تماما . حرب الصغار يعفى بعضهم بالترب وجوه البعض . وحرب الجبار يمطر الأعزل رصاصا وبلا .
الحرب توق الانسان إلى التنفيذ ، إلى إحياء فكرته وبعثها بعثا ينتفى مع الوهم والريب . الحرب قمة الحضارة وأوج علاها . أنضح أثمارها وفرصة إبداعها . ألم تكن الحرب دوما قداحة العقل والذكاء وحقل الارادة يثمر حالا ؟
الحرب مخبر الحياة العفن . مرض الانسانية الخالد .
ها هى ذى الكنيسة يردد كل حجر فيها وكل عنكبوت من (( أناشيد الشوارع والغاب )) قول (( هيجو )) الأشيب : (( منذ آلاف السنين لا يزال الانسان مولعا بالحرب ، والرب يضيع وقته فى زرع الزهور والنجوم ! . . ))
ليستغفر الشرق ربه . وليعجن الهند خبزه . . .
شئ مما يعرض لك وأنت بجوف الكنيسة العظمى ، سودها الدخان وأكل الرصاص هامتها ونخر الحواشى تاركا رسوم التجريد بعثرت وتشابكت . وتعجب لحمام (( بيكاسو )) يطير أبيض رفرافا فيمرق من منبت الصليب ويعود فيلتقى فى حركات لولبية تأخذ وتملى .
ولكن أى أخذ وأى إملاء ؟
قديما أجاب (( نيتشه )) : (( إن الافكار التى تقود العالم لها أرجل الحمام )) . مسكين أنت حمام الكنيسة . وما أشد وزرك وأنكد حظك . أكنت ازدريت قبلا واستحال البياض منك سوادا ، والسجع نعاقا ؟
على كل فقد انتهى دورك . وجفاك أهلك . فمحيت من لوحاتهم ، وغبت عن أشعارهم . بل ومنعت الفتات أكلا .
أنت يا حمام الكنيسة . . .
أذاع راديو (( هانوى )) أن مجموع الطائرات الأمريكية التى أسقطت حتى الآن قد ناهز ألفا وخمسمائة طائرة . . .
كانت عيناى تتسلقان أضلاع الكنيسة حين انتهى إلى صوت المذيع . أطرقت حينا ، وعبثت قدماى بالحصى المنثور . وحضرنى قول (( غاندى )) الخالد : (( يكفى أن ننتظر لنرى الحضارة تقضى على نفسها )) ، فخطوت خارجا ، ومشى الناس فى دماغى . . .

