طالع قراؤنا الاماثل في العدد الماضي الصادر لشهر ذي القعدة ١٣٨٤ ه تلك المقدمة الرائعة التي حبرها فضيلة الاستاذ محمد محمد المدني الاستاذ بالجامع الازهر بالقاهرة وعميد كلية الشريعة سابقا لكتاب العرب في احقاب التاريخ " واليوم اتماما لجوانب البحث وجلاءا لجوهر الكتاب الذي يعتبر كنزا من كنوز تاريخنا انزاهر ننشر فيما يلي " التوطئة " الشاملة التعريف بالكتاب التي قدم بها المؤلف الفاضل البحاثة السيد أمين مدني كتابه القيم الممتع الجامع .
باسم الله استعين - واصلي واسلم على محمد وعلى من سبقه من الانبياء والمرسلين الذين حملوا رسالة الخير والحق والمبادئ البناءة . فاشعلوا النور في ظلمات الماضي وخططوا الطريق المستقيم لكل امة تريد ان تحمي وجودها في معركة الحياة التي بدأت منذ دهور . وما زالت واسعة المجال للذين كبرت نفوسهم فتطلعت أمالهم الى ما وراء الافق الكبير . . افق دنيا هذا الانسان الذي خلقه الله ليتدبر خلق السموات والأرض - ربنا ما خلقت هذا باطلا .
فيالها من جهود جبارة - جهود الانسان الذي صعد بعقله من بطن الغاب الى ما فوق أجواء الفضاء . . ويالها من مراحل طويلة مراحل تطوره وتجاربه من بداية عصره الحجري الى عصره الذري الحافل بعظمة العقل البشري ومعجزاته .
وعظمة العقل الإنساني ومعجزاته اليوم
لا تجحد جهود الماضيين ، وما تكبدوه في سبيل التطور . فلئن انزل الماضي ستاره على حياة امم كان لها شان في حضارات عفت بطول الزمن معالمها . . فلم تصل معارفنا الى غير قليل تناقت عنه الاجيال انباء غامضة بعثت الاعجاب في المتقدمين فاطلقوا لتصوراتهم العنان . وبعثت الشك والحذر في المتأخرين فتقيدوا بالظنون المترددة - فان تضحيات الانسان القديم واضحة في هذا الشرق العربى .
أنا لا انكر : قيمة التحقيق المتأخر وما يفرضه الشك والحذر عن حرص وتريث وفي الوقت نفسه انا لا اعتقد ان بحوثنا التاريخية العربية القديمة كلها بحوث اسطورية تافهة لا وزن لها في معايير كتابة التاريخ في العصر الحاضر . . فلو كنت اعتقد ذلك لما اقدمت على بذل ما استطعت في تتبع ما وصلت اليه جهود رواد الباحثين عن تاريخ جزيرتنا الغالية الخالدة . ولما اقدمت على تنقية ما جمعته
من بطون مؤلفات التاريخ : الضخم منها والمختصر . العربي منها والمعرب ومقابلة الظن الحديث بانرأي القديم وتحقيق ما امكن تحقيقه من هذا وذاك ولما اقدمت على ترتب ما انتقيته وقنعت به في هذا المؤلف : " العرب في احقاب التاريخ " الذي اضع الجزء الاول منه : " التاريخ العربي وبدايته " بين يدي القراء ليطالعوا ما يستحق المطالعة ولينقدوا منه ما يستحق النقد .
وكذلك انا لا اعتقد ، انني وفيت حق البحوث التي جمعتها وناقشتها على ضوء الادلة التى حصلت عليها فأحداث الجزيرة - احداث تراكمت عليها الدهور فطواها الغموض - فهيهات ان يعرف ابن القرن العشرين بعد الميلاد كل شئ عن ابن القرن العشرين قبل الميلاد . واحداث الزمن : القديم منها والجديد - ما فتئت ملونة بما اقتنع به المؤرخون ، او بما فرض عليهم الاقتناع به .
فمن النادر جدا ان تجد عصرا من العصور مصورا في مؤلفات المؤرخين بريشة واحدة . او ان تجد حدثا من الاحداث اتفقت كلمة المؤرخين على تفسير اسراره وتوحدت اراؤهم في تعيين اسبابه فكيف بالباحث الذي اقتحم اغوار الماضي ليعرف شيئا عن حياة العرب . وحياة العرب واسعة الاطراف قديمة العهود وكيف بالباحث الذي يريد ان يعرف حقيقة التاريخ العربي الجاهلي ، والتاريخ العربي الجاهلي في جزيرة العرب مشوش لا سيما اخبار اولئك الذين هاجروا بالقومية العربية الى سهول الهلال الخصيب وجباله او الى صحراء سيناء وضفاف النيل ... فرسموا الحدود السياسية لشبه جزيرة
العرب فملكت الارض العربية على اثرهم دول عربية .
اجل ملكت الارض العربية دول عربية عرفت في بحوث تاريخ العراق القديم بدول : " الكلدان " و " أشور " وبدولة " اللخميين " وعرفت في تاريخ سورية بدول " الكنعانيين " و " الفنيقيين " و " العمالي " جبابرة " الشام " و " تدمر " وبدولة " الغساسنة " وعرفت في مصر بدولة " العماليق الهكسوس او الشاسو . او الرعاة - وعرفت في شمال الحجاز ونجد : بدول " العاديين " و" الثموديين " و المديانيين " و " اللحيانيين " و"طسم " و " جديس " وعرفت في مكة بدول : " جرهم الاولى - والعماليق و " جرهم الثانية " و " خزاعة " وكنانة فقريش " . وعرفت في الجنوب بدول " معين " و " قتبان " و ارسان " و سبأ" و"حمير " الى غير هذه الدول مما سيأتي ذكرها في الجزء الخاص بالتاريخ السياسي القديم .
والدول العربية الاولى التي قامت فى انحاء الجزيرة العربية - لم تجد الطريق مفروشا بالزهور . بل كان عليها ان تضحي بالكثير في سبيل وجودها . وكان عليها ان تناضل في مختلف الميادين لتستطيع ان حافظ على كيانها السياسي ، ويتاح لها ان ننشر عقائدها ، ولغاتها وحضارتها التي عرفت في بحوث المستشرقين بالعقائد و اللغات والحضارات السامية .
والدول العربية في جميع عصورها لم تسلم من خصوم الداء حاقدين ناصبوها العداء السافر . ومن خصوم متقنعين يضمرون في نفوسهم الحقد والكراهية والدس . كانوا وما زالوا يحاولون اطفاء الشعلة العربية - الشعلة التى حملها العرب فأناروا السهول والجبال والأودية فمثلما اكتسحت دول شمالي الجزيرة
نمزوات الآرميين في الماضي والحاضر اندست بين الشعوب العربية عناصر يغيظها الانتصار العربي فلا تألو جهدا في تشويه السمعة العربية والحط من مكانة العربى وجهاده .
فلقد نقمت الشعوبية من الامة العربية في العراق . فبذلت قصاري جهدها ؛ لتحطيم المجد العربي ونقمت منها الشعوبية في مصر فلم تدخر جهدا لوصم التاريخ العمليقي بالبربرية الضارية وبكل صفاتها دمارا وسفكا وتخريبا .
فما اكثر ما جاء في اثار الآشوريين عن انتصاراتهم على امارات ودول عربية ولكنها مع كل مبالغتها لم تستطع اخفاء مواقف جيوش العرب عبر العراق وفي سهول سورية وشمالى الحجاز ونجد وهي على جمالها امام جنود أشور الممتطين الجياد السريعة والمدججين باحدث اسلحة ذلك العصر عندما ذكرت انتصار الآشوريين ولم تستطع اخفاء ثروة الدول العربية مما لا يتوفر وجوده الا لدى الامم المتمدينة - عندما ذكرت غنائم الجيوش الآشورية .
فالشعوبية في العراق ترجع في رأيي الى العصر الآشوري - فمثلما تسلطت العناصر غير العربية على حكومة " بغداد " العباسية كانت هناك عناصر غير عربية مسلطة على حكومة " نينوي " الآشورية .
ثم جاء العهد لفارسي في العراق . وانانية الاكاسرة وعنجهيتهم واضحة فى ايام العرب مع الفرس وفي مواقف " النعمان " وجدوده . في مجلس " انوشروان " وجدوده
وكذلك دول الفراعنة في مصر لم تخل من العناصر غير العربية التي حصلت على
النفوذ والسيادة على وادي النيل - فلقد حمل هؤلاء على " الهكسوس " العماليق وشوهوا تاريخهم - واخفوا معالم حضارتهم . لكنهم مع ذلك لم يستطيعوا ان يمحوا من على ارض النيل اثار العرب او ينكروا انتشار اديان " ارض " الآلهة " جزيرة العرب " كما كان ينعتها الفراعنة في وادي النيل - وتعبد المصريين للآلهة السامية او ينكروا حاجة الفرعنة إلى بخور الجزيرة ومعادنها وكل ما في اسواقها التجارية .
حقا : لقد حملت التوراة على العماليق جبابرة سورية - ولكن ما هو الفرق بين العماليق في فلسطين . وبين القرشيين في مكة . اليس موقف العماليق في فلسطين من ذلك الجمع الغفير الذي تبع موسى وجاء يريد القضاء على عقيدتهم وسلطانهم والتحكم في ارضهم هو موقفا اقرب الى المنطق من موقف قريش من الاسلام الذي سطع نوره من ( غار حراء ) ودعا اليه من تعرف قريش صدقه وامانته واستقاءته ؟ فهل كان القرشيون كلهم ( ابا لهب ) و ( ابا جهل ) و ( النضر بن الحارث ) وهل لم يكن في قريش مثل قصى بن كلاب . وعبد المطلب بن هاشم . وورقة بن نوفل ؟
ولم يسلم التاريخ العربي من الدعاوة المغرضة فكانت الشعوبية في العصر الاسلامي اكثر دسا وتشوبها لحقيقة التاريخ الجاهلى فقد كان بين الشعوبيين علماء نابغون وشعراء مجيدون . اندسوا في صفوف العرب ودسوا في تاريخهم الشيء الكثير .
ولم تكن خصومة المسيحيين الذين اعلنوا الحرب الصليبية على العرب والاسلام بأقل خطرا واقل غرضا من الشعوبية . فما فتئت كتابات المستشرقين عن الاسلام والتاريخ العربي - تسير وراء
الدعاية التي ادت لاثارة الحماس الصليبي ضد العرب والمسلمين .
واخيرا الاستعمار الحديث - والاستعمار الحديث قام على حطام الحقائق فلم يدخر جهدا في تبرير : الاستعمار ، والوصاية والانتداب . هذه الاقنعة التي تكنعت بها مطامع الغرب في الشرق . فبرز فيها وجه الإستعمار بعد ان انجلي غبار الحروب التي شهدتها سورية والعراق ومصر والجزائر ومراكش وكل بلد عربي غلب على أمره . . ولم ينفعه وقوفه بجانب الحلفاء يبذل النفس والنفيس .
فمن ذلك الماضي الغائم الى هذا الحاضر الواضح - وخصوم العرب شعوبين ومستعمرين - لم يبرحوا موقف التشهير بأبناء الجزيرة والحط من شأنهم .
انا لا اعتقد انني وفيت بحوث هذا الكتاب : " العرب في احقاب التاريخ ايضاحا وتفصيلا . وحقائق التاريخ العربي تغطيها شكوك جمعتها اعاصير الدعاية المضللة . وزادتها حلوكا اساطير القصصيين حتى خيل للكتير . ان الكلام عنها حديث خرافة .
فلولا ما جاء في الكتب المنزلة . ولولا ما جاء على الآثار المكتشفة لدفن تاريخ الجزيرة القديم الى ابد الدهر فالذين يؤمنون بالكتب المنزلة من السميع العليم لا يستطيعون ان يكذبوا بما جاء فيها من آيات بينات تدل على وجود امم في غابرة هذه الجزيرة كانت تبني في كل ريع اية وكانت تنحت من الجبال بيوتا وكانت اذا بطشت بطشت جبارة فتاكة . وكانت السماء تمطرها مدرارا وكانت الانهار
جرى فى ارضها فنفحها الخصب والخير العميم ، فعاش ابناؤها حينا من الدهر في جنات وارفة الظلال ونخل طلعه هضيم .
والذين اقتنعوا بالآثار الدفينة - لا يستطيعون ان يذكروا اثار ثمود . ومدين . الجزيرة وبخور الجزيرة واسواق التجارة وقوافلها وطرقها في الجزيرة . ولا يستطيعون ان ينكروا آثار : ثمود . ومدين . ومدن السبيئيين ، والجرهائيين . واليماميين وقصورهم المزخرفة بالذهب والفضة والاحجار الثمينة . ولا يستطيعون ان ينكروا قدم البيت وطهره وقداسته منذ رفع ابراهيم قواعده واسماعيل .
فما جمع في هذا لكتاب من التاريخ الجاهلى القديم نهل او اقتبس من عديد المؤلفات كلفني جمعها في خزانة خاصة جهدا متعبا وثمنا غاليا .
وما نقل في هذا الكتاب عن التاريخ الجاهلى القديم نعل واضح المصدر المنقول عنه . وواضحة النتيجة التى انتهى عندها البحث . وواضحة الادلة التى انبنى عليها الإقناع بما اعتمد عليه مما جاء في مصادرنا العربية ، ومما جاء في تحقيقات المستشرقين ولقد حرصت على ان اقابل ما جاء في مؤلفات المستشرقين بما في مصادرنا العربية كلما وجدت لذلك سبيلا .
والذي جمعته من مؤلفات المستشرقين هى المؤلفات المعربة . فمسئولية ما وجدته فيها ترجع على المعرب . ولا اظن معربا يجهل مسئولية الترجمة ، او لا يقدر امانة التعريب .
ولا اقول : ان ما جمعته من مختلف المصادر وقابلته وحققته يرسم صورة كاملة واضحة لعصور الجزيرة القديمة .
وانما هو في اعتقادى خطوط اولية قد تستجد معلومات في اللغة تتم رسم الصورة وتظهر معالمها اكثر وضوحا . مثلما استجدت معلومات لم يعرفها من مضى مع الامس .
ولقد رأيت : ان يقسم هذه الكتاب الى قسمين : القسم الاول - عصور ما قبل الاسلام - والقسم الثاني عصور ما بعد الاسلام ، وبحمد الله قد انهيت من تسويد القسم الاول في خمسة اجزاء .
١ ) الجزء الاول : " التاريخ العربي وبدايته " وهو هذا الجزء الذي تم طبعه وموضوعات هذا الجزء تجدها مفصلة في بيانات بحوثه . ولقد بينت في كل بحث الاسباب التي دعت للكلام عما جاء فيه - فالدين . واللغة . والخطوط . والشعر والحضارة والنشاط الاقتصادي - كلها من علامات التاريخ - فلا يمكن لامة ان تبدأ تاريخها ما لم تكن متمدينة ذات دين ومجتمع.
٢ ) الجزء الثاني : " مصادر التاريخ العربي " وسيطبع قريبا ان شاء الله ، مع بقية الاجزاء . ومن موضوعاته : القصص . والقصة . والامثال في القرآن الكريم ، والتوراة واخبارها . والمصادر اليونانية ومن اين وصلت اليها اخبار العرب في الجزيرة ؟ ومصادر التاريخ العربي في العصر الجاهلى - والآثار - والمستشرقون واقطاب التاريخ في عصور ما بعد الاسلام .
٣ ) الجزء الثالث : " جغرافية الجزيرة العربية . ومن موضوعاته : حدود الجزيرة العربية . اقسام الجزيرة الطبيعية : الحجاز . نجد . تهامة . اليمن . العروض الهلال الخصيب . سيناء والصحراء
العربية من مصر . عصور الجزيرة الجيولوجية . وكيف عرفت هذه الجزيرة باسم الجزيرة العربية ؟ . وهل هنا فرق بين الاسمين : الجزيرة . وشبه الجزيرة ومنها ثروات الجزيرة المعدنية والزراعية . وطرقها وثغورها التجارية .
٤) الجزء الرابع : " شعوب الجزيرة " ومن موضوعاته : حقيقة انساب القبائل العربية . والهجرات وعواملها . والاسماء التي جاءت في المصادر الآشورية واليونانية وكيف حملت القبائل العربية اكثر من اسم واحد . ومن هم الشعوب البائدة . وما معنى الإبادة ؟ .
٥ ) الجزء الخامس : " الدول العربية القديمة وسياستها " ومن موضوعاته : دول الارميين في العراق وفي سورية والعماليق في مصر - ودول قلب الجزيرة وجنوبها - وصلات هذه الدول بعالم ذلك الزمن والحروب التى خاضتها الدول العربية ذودا عن وطنها وحماية لمصالحها .
وانا عندما اذكر بعض موضوعات الاجزاء القادمة لا اقصد الاعلان عنها . وانما اذكرها مقدمة لايضاح الاسباب التى دفعتني الى بذل هذا المجهود
ان لكل عمل مهما كان بسيطا او خطيرا - دوافع واسبابا والدوافع لمناقشة هذه الموضوعات وتقديمها مصنفة في هذه الاجزاء : كثيرة . فلقد كان من رحلاتي الى بعض الاقطار التى نعتز بتاريخها في داخل المملكة السعودية وفي خارجها من البلاد العربية والى الهند خارج البلاد العربية - ما جعلني اهتم بكل ما يقال عن ماضي الجزيرة العربية القديمة في البحوث
التاريخية . واهتمامي بما يقال عن الجزيرة جعلني الاحظ على المؤلفات الاسلامية عندما تتكلم عن الجاهلية والجاليين ، واتجاه اكثرها الى ناحية واحدة مما جاء في القرآن الكريم - الا وهي ضلال قوم عاد . وثمود . والعذاب الذي حل بهم واقتناع أكثرهم بما جاء في الاسفار عن العمالية جبابرة الشام - فلقد شط بعضهم في حكمه على تلك الشعوب وفي فهمه تفسير ما جاء في القرآن الكريم - فظن : ان الله لم يبق من عاد وثمود باقية . وشط اخرون في وصفهم الحياة العربية من فجرها الى ظهور الاسلام فتخيل العرب في تاريخهم الطويل ، وحوشا مشردة في فباقي الجزيرة العربية .
ولقد لاحظت على المؤلفات العربية المتأخرة تعلقها بأراء المستشرقين فما يخص التاريخ العربي القديم ومصادره التى ورثناها من باحثين كرسوا حياتهم في جمع الروايات وتسجيلها . فمن الباحثين المتأخرين من أخطأ في حكمه على أصدق المصادر العربية : ( القرآن الكريم ) فقال عن القصص القرآني كما قال المستشرقون : " انه قصص " بلغت من الادب الرفيع مرتبة المعجزة ، وهو ككل قصة لا يمكن ان يتضمن حقيقية تاريخية " وما يقوله المستشرقون اليوم قاله بالامس المكذبون من قريش : " ان هو الا أساطير الاولين ، وذلك كما نراه مفصلا في الجزء الثاني " مصادر التاريخ العربي " .
والغريب في الامر : انك لتجدال الذين أعجبوا بالمنطق المستشرقى . يعنون بشكوك المستشرقين اكثر مما يعنون برجوعهم الى بعض الحقائق . فقيل الذين اهتموا بما قاله غوستاف ليبون " في كلامه عن حضارة العرب و " ديتلف نيلسن " في كتاب التاريخ
العربي القديم ، وغيرهما عن المصادر العربية التي اظهرت صدق الكثير من انبائها عن الجنوب العربي - البحوث الاثرية .
فعلي هذا انحو أهمل تاريخ قلب الجزيرة في البحوث التي تعرضت للتاريخ العربي القديم ، فلم يعر الباحثون ما جاء في مصادرنا عن الماضي العربي كبير اهتمامهم - فضاعت بذلك حلقة هامة من حلقات التاريخ العربي القديم . وضياع هذه الحلقة الهامة سبب عدم ترابط تاريخ الجزيرة وتسلسل الاحداث العربية .
وعلى هذا أصبح جمع الاخبار المتناثرة في بطون المؤلفات ومقابلة الخبر القديم بالتحقيق الحديث . والرواية العربية بالبحث المستشرقي والخروج بعد ذلك بنتائج تنير ولو بعض الشئ جوانب الماضي القديم - مهمة صعبة لا يغرى على تحملها الكسب المادي - وانما الذي يشجع عليها الواجب . واجب الذين ينتمون لهذه الجزيرة ، ويفخرون بمنعتها ، ويعتزون بماضيها : ويعملون لمستقبلها .
واجب اولئك الذين رضوا بها وهي جرداء بلقع يعوى في صحاريها الذئب وتصفر في أوديتها الريح - حتى فجر العلم من أعماقها ينابيع البترول واخذت الابحاث الجيولوجية تكتشف كنوزها المعدنية : فأشرقت شمس يوم جديد في حياة الجزيرة الخالدة . . الجزيرة التى انجبت محمدا صلى الله عليه وسلم وكفى به فخرا وعزة ومجدا .
انه الواجب وحده هو الذي يشجع على تحمل هذا العب الثقيل في تجلية هذا اليوم المشرق . فحرى بنا . ان نعرف ماضينا لنقوم حاضرنا ونبني مستقبلنا وحرى
بتاريخنا أن لا يكون قيد نظريات المستشرقين وظنونهم . بأخذه عنهم قضايا مسلما بها دون الرجوع الى تراثنا وحرى بتراثنا ان يحقق وينقي من الخيال الذي علق به ومن مبالغات القدامى التي لا يقرها المنطق فمن ذا الذي يصدق ان الحميريين كانوا يعيشون مئات السنين ؟ ! ومن ذا الذي يصدق ان لقوم عاد أجساما كالتي صورتها بعض الروايات العربية المتأثرة بالقصص الاسرائيلية والفارسية ؟ !
ان احداث الجزيرة العربية لها شأنها الكبير في تاريخ هذا الشرق واممه من فجر الحياة . فلقد تحملت الجزيرة جزء كبيرا من مسؤولية التاريخ العربي ، منذ اذن ابراهيم بالحج بجانب البيت العتيق . ولقد تحمل أبناء الجزيرة العبء جميعه منذ نزل القرآن بلسان عربي مبين . ( وقد تركت فيكم ما ان اعتصمتم به فلن تضلوا ابدا . امرا بينا . كتاب الله وسنه نبيه . ايها الناس اسمعوا قولي واعقلوه تعلمن : ان كل مسلم اخ للمسلم . وان المسلمين اخوة فلا يحل لا مرئ من اخيه الا ما اعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن انفسكم - اللهم هل بلغت ؟
أجل . لقد بلغ محمد صلى الله عليه وسلم الرسالة وحمل المسلمين واجبها فلا وثنية في ربوع الجزيرة ولا صد عن البيت الحرام . ولا طغيان ، ولا فساد ، ولا فرق بين عربي وعجمي ، ولا فضل لهذا على ذاك الا بايمانه . وتقواه . وادائه واجبه .
وما اكبر واجب المسلمين نحو دينهم ونحو مجتمعهم ونحو تاريخهم !!
وما أكبر ما قام به السلف الصالح من أبناء الجزيرة الذين حملوا الشعلة ودافعوا عنها ، ورفعوا راية العدالة والحق والاخوة خفاقة عالية .
فما هذا المؤلف الا دعوة عملية الى معرفة تاريخنا الكبير وكفاحنا الطويل الذي شهده كل جزء من أجزاء عالمنا العربي الفخور بماضيه الجدير بما ينتظره في مستقبله بفضل ايمان شعوبه وترابط دوله وخيرات بلاده .
وما هذا المؤلف على ما بذلت فيه من جهد غير دراسة أولية تنتظر من يوسع نطاقها ويجد في تحقيقاتها ولعل الله يبعث همم المسئولين عن تاريخنا فتتجه للبحث الاثري في ارجاء الحجاز ونجد - مثلما اتجهت همم المسئولين في العراق وفي مصر وفي سورية للبحث الاثري - فكانت تلك النتائج الضخمة التي زادت المعارف العربية .
فلئن كانت الظروف القاسية التي مرت بقلب الجزيرة قد حالت في الماضي بين المسئولين وبين هذا الواجب العظيم . فان وضعنا اليوم افضل من الامس بكثير . فلدينا من الامكانيات ما يزيح العقليات عن طريق البحث والتنقيب
والله اسأل ان يحقق الامل الكبير.

