الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

حصاد السنين

Share

قد فاضت الدنيا بأدناسها           على براياها وأجناسها

وكل حي فوقها ظالم                وما بها أظلم من ناسها

" أبو العلاء المعرى "

تطلعت الى المرآة بعينين مغرورقتين عندما سألتها ذات يوم عن هذا القناع الاصفر الذى كسا وجهى منذ زمن طويل وعن هذه الخطوط البارزة التى أخذت طريقها الى صفحة جبينى العريض . . . ! ! فأجابتنى من خلال دمعه حائرة فى العين الحالمة وبسمة ساخرة على شفاه جافة أتبعها التمثيل فى الدرب الطويل . . . ! !

أعدت السؤال من جديد . . كان بى شوق الى من يشفى غليلى بجواب . . .  توسلت اليها كى ترحمنى وتعيد لى صورتى الاولى . . . تلك التى اغتصبتها منى السنون العجاف فى يوم عاصف .

كان ذلك ذات مساء عندما كشر الزمن فى وجهى وبانت لى أنيابه اللعينة ، فانقض علي فى شراسة . . صرخت وتعالى صراخى فلم يسمعنى ، أفقت من الغيبوية ذات يوم فلم أجد جناحى ، نظرت الى جسدى فوجدت آثار الدماء ما تزال تخضبه . . .

بدأت أزحف ببطء نحو المصير المجهول بلا جناح . . . ! !

انقضت السنه الاولى قاسية . . حالكة . . بلا نور . . . سوى السحب الدكناء . . . كانت سنة كفاح متواصل أقضى طيلة اليوم فى المكتب . . ولكن عندما أعود الى المنزل أجد اخوتى بانتظارى ويطالعنى وجه أمي مقطبا كئيبا . . حزينا . . فيزداد شقائى وحسرتى على فقدان والدى . . . ومع ذلك لا تفارق البسمة شفتى يوما رغم سطور الجبين . . . ! ! ومرت السنون التسع كأوراق الخريف تحمل لى فى راحتيها الاعمال المضنية وتذهب كل واحدة بجزء من صحتى وشبابى . . .

أفقت ذات يوم . . بعد أن مرت التسع سنين . . . نظرت حولى فلم أجد أحدا يملأ وحدتى يمسح دمعى وينسينى ذلك الجناح المفقود الذى لم تندمل آثار قطعه بعد . . . ! !

الغربة النفسية كتبت علي منذ ولادتى . . لم أكن أجد الحنان لدى أمي ولكن أبي كان يغدق علي بسخاء ويعوضنى ما أفقده من الطرف المقابل . والآن . . . ؟ ؟

التفت حولى فلا أجد سوى آثار الجناح المفقود ، انها لم تندمل رغم مرور السنين التسع . أتعجب لاخوتى كيف اندملت آثار أجنحتهم المفقودة ؟ كيف استطاعوا الطيران بلا جناح . . . ؟ !

ولكن أتذكر سريعا أننى كنت أساعدهم على ذلك كنت البلسم لجرحهم العميق . . كنت أنفق فى سخاء دون أن أفكر فى الاخذ . . . أنفقت من صحتى . . من شبابى . . من دمي . . حتى دمي امتصوه وكنت مغتبطة بذلك . . كنت غبية . . حمقاء لدرجة الشذوذ . . .

قال لى زميل ذات يوم عندما شاهد دمعتى وأنا أحاول اخفاءها با بابتسامة كاذبة رسمتها على شفتى :

- فكرى فى نفسك قبل فوات الاوان . نظرت اليه فى لامبالاة وقلت له :

- ومن سيفكر فى أمر اخوتى ان انشغلت أنا بالتفكير فى نفسى ؟ ! - ولكن . . . الشباب يمر كما تمر الثوانى فى عقارب ساعتك . - لا يهم ، ما دمت قانعة بنصيبى فى الحياة .

- ستندمين فى يوم ما . - ولم الندم . . ما دام ضميرى مرتاحا ؟ - ستندمين عندما يمر الربيع دون رجعة ولا تجدين حولك أحدا . اغرورقت عيناى دموعا ولكن البسمة أخفتها قبل أن تنزل وتبلل وجنتى . - ماذا أفعل اذن ؟ وبالتالى ما هو الشئ الذى تريدنى أن أفعله ؟ - أن تضمنى مستقبلك الى جانب التفكير فى مستقبل اخوتك .  - لا أستطيع . . . الحياة قاسية لا ترحم وكذلك البشر . - تذكرى كلامى ولا تضيعى الفرصة . . . انها لا تعود وكذلك الربيع . . . ! !

خرجت من مكتب والاسئلة تطاردنى . . تحفر رأسى وتقتل الابتسامة على شفتى .

لم أكن أدرى أينا المخطئ وأينا المصيب ومع ذلك . . رفضت أن أنظر الى المرآة . . . كنت أتجنب رؤية الذبول فى ربيع الحياة أصبحت لا أرى الا صورة واحدة تعكس لى صورة اخوتي وأمي يحملهم القارب بلا مجداف . . . ! !

حاولت جهدى أن أكون المجداف . . . كى لا تحملهم العاصفة عبر الامواج الثائرة فتحطم القارب وتبعثرهم هنا وهناك .

ونجحت فى خطتى التى رسمتها . . . ! ! لم أشعر بعبء المسؤولية الثقيل الملقى على كاهلى اعتنقت المثالية المطلقة فهجرنى الناس وحتى اخوتى . . أسعفتهم بدمي لتندمل جروحهم وتركت جرحى يأكل من جسدى النحيل . . . بلا محداف واصطخبت العواصف وتحطم القارب . . . بعثرته الامواج هنا وهناك وحاولت جهدها أن تبتلعنى . .

أرادت أن تحملنى قربانا الى الاسماك . . . ليعود الهدوء الى البحر . . . تشبثت بخشبة لا خوفا من الموت ، فلا شئ يشدنى الى الحياة . . وانما رفضت أن أكون طعاما لاسماك ، تنهش جسمى وأنا أنظر اليها دون أن أفعل شيئا . كانت خشبة يائسة مثلي ولكنها استطاعت أن تحملنى كما تحمل الأم وليدها . . ضمتنى اليها واقتربت بى الى ساحل البحر . رمت بى على الرمال الساخنة تحت أشعة الشمس . . . نظرت حولى . . تفرست فى الوجوه المحيطة بى فلم أجد

وجها أعرفه ، غريب أمر هذه المدينة قد تكون الخشبة ابتعدت بى دون أن أشعر . . لا أذكر سوى الامواج الصاخبة التى كانت تتسابق خلفى . . تتحدانى فى عنف .

النغم ينبعث الى مسمعى فاترا يزيد فى شرودى وانقباضى . . . والشمس تنتحر بين طيات السحب الدكناء تاركة المكان للرذاذ الذى ما انفك يتهاطل من حين لحين . . أنظر الى السماء من خلال النافذة ، فتعود النظرة الحالمه التى كانت تبعث الدفء فى النفوس الي وقد أنهكتها دموع السنين . . . ! !

أمسك بالقلم ، أحاول أن أحصد ما زرعت طوال هذه السنين فلا أجد سوى الجدب .

الصوت ما يزال يردد ذكريات الصبا . . . ينبعث الى مسمعى فاترا . . يائسا ، لعله هو الآخر قد انهكته السنون مثلي ، فأخذ يحبر تلك الاحلام عله يشبع احساسه منها . لقد وجد سلواه فى تلك القيثارة يتمادى صوته معها مترنحا كما تتدحرج المياه من أعلى الجبل . . . ومع ذلك وجد سلواه كما أجدها فى هذا القلم الذى بين أصابعى وهذه الاوراق التى تملأ عني وحدتى . . القلم ما يزال يترنح فى مشيته كما يترنح السكران بعد أن يفرغ قارورة الخمر فى أحشائه . هو الآخر يريد أن يستريح . . لقد تعب كثيرا ومع ذلك لم يتركنى . . لم يتنكر لى كما تنكر لى كل البشر . . . انه الصديق الوحيد ، رفيق وحدتى فى هذه السنين التسع التى امتصت مني الرحيق كما امتصت الاوراق مداده وتركته يتلوى بين أصابعى ، لا حول له ولا قوة .

السنة تلفظ أنفاسها الاخيرة . . لم يبق لها سوى يوم واحد وتنتهى . .  النهاية . . ؟ ! نهاية الـ . . نهاية . . كل الاشياء الجميلة سريعا ما تنتهى الا سخف البشر وجشعه لا توجد له نهاية فى قاموس هذه الحياة سخف تتوارثه الاجيال منذ زمن بعيد لا دواء له ولا نهاية له . . .

الشموع التى تنير سريعا ما تنطفئ وكذلك الشمس سريعا ما يغمرها المغيب فينتحر الضياء فى بؤرة السواد وكذلك السنون الجميلة سريعا ما انطوت ولم تترك لنا سوى حفنة من الذكريات اعتنقها دفترى لحظات صفائه وانشراحه ، هو الآخر أصبح يشمئز من الدموع ومن السواد القابع فوق

صدره . . . لقد امتلأ صدره من فظاعة البشر وسخفه . . لم يعد يريد تلك القصص المؤلمة التى ما انفك يسردها على مسمعه . يرفض حتى تسجيلها فى صفحاته . . أصبح يوصد الباب فى وجه القلم كلما طرقه .

السنة تلفظ أنفاسها الاخيرة مع كل يوم وكل ثانية من ثوانى الساعة التى تقيدنا بعقاربها . الطريق يتمطط أمامى وأنا أجر خلفى التسع والعشرين سنة . . . أجرها خلفى كما تجر الدابة حملها الثقيل . . .

الشارع مقفر الا من بعض المارة مبعثرين فى الطريق الطويل الممتد أمامى كالثعبان . . . كم أمقت هذا الطريق الطويل الذى أدمى رجلى منذ زمن بعيد . . . لقد تعاقد معهما طيلة تسع سنوات ولا يزال . . . انه حريص على تجديد تعاقده فى مطلع كل سنة . فتضطر الى الخضوع مكرهة .

ترى متى سيتركهما تذهبان حيث يحلو لهما دون قيد أو التزام ؟ ! . . .

حتى قلمى أصابه الجفاف فتوقف زمنا طويلا عن رى أوراقى التى استحال بياضها الى اصفرار . . . هى الاخرى أصابها جفاف السنين التسع الجدباء . . . ! !

الليل والطريق وأنا وأوراقى وقلمى . . تائهين . . فى بحور التسع سنين بلا مجداف . . . ! !

هذا الطريق الطويل المقفر الا من صدى أقدامى تقرع رأسى من شدة ارتطامها بالرصيف الكل فى سبات حتى الحديقة التى تعودت رؤيتها مستيقظة ضاحكة فى وجه زائريها تفتح صدرها الرحب لمن يقصدها فتروح عنهم وتمسح عن جباههم بنسيمها الرقيق غبار الزمن . . .

كم طرقت بابها وأنا متعبة قد أنهكنى الطريق واذا بها تفتح ذراعيها لاحتضانى كالأم الحنون . افترش عشبها الاخضر بجانب المياه العذبة التى ما انفكت تروى الظامئين وتدفع عنهم جفاف السنين . . .

تمد الازهار اعناقها الطويلة لتسمع حكايتى مع السنين والطريق الطويل . . . يرويها قلمى المجهد المسكين . . . . ! !

اشترك في نشرتنا البريدية