الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

رسالة الأصل والتحول

Share

إن الدكتور كمال أبو ديب لما عجز عن تفسير بعض الظواهر الغريبة فى إيقاع الشعر العربي أنكر ضرورة اعتباره من الوجهة الكمية معللا موقفه بأن ابراهيم أنيس ومحمد مندور وستانيسلاس قويار وغيرهم من المختصين الذين تناولوا القضية من وجهة نظر كمية لم يقدموا لهذه الظواهر تفسيرا مقنعا (1). وهو ما جعله ينكر كل أساس كمي فى إيقاع الشعر العربى وينهض لمعالجة القضية من وجهة النظر الاخرى ( النبر ) التى نادى بصحتها وسلامة مأخذها المستشرق قوتولد فايل فى فصل " عروض " من دائرة المعارف الاسلامية.

ولقد كان عذر فايل فى صدوفه عن وجهة النظر الكمية فى ما يخصه ، هو ما زعمه من وجود صنف من المقاطع وافر العدد فى الشعر العربى يجوز فيه المد والقصر ويسميه المقاطع المحايدة Les Syllabes Neutres هو ما يعوق الباحث ، حسب زعمه ، عن التوصل إلى أى حل للقضية يأتى على ذلك الاساس . ومعلوم انه لا وجود لمقاطع ) محايدة ( فى الشعر العربى اللهم أن يكون وهما واختلاقا . وهو ما أثبته وأكدته فى كتاب لى تحت الطبع بعنوان الكميات اللفظية والكميات الايقاعية فى الشعر العربى . وأما عذر كمال أبو ديب فى عزوفه عن النظرية الكمية بأنها لا تقوى على تفسير ظاهرة الزحاف وما يطرأ بسببه من التحولات فانه مردود . وقد أثبت ذلك وأكدته فى مقال الى بعنوان " الاساس الكمي في إيقاع الشعر العربى "  (2) هذا وما الموقفان فى الحقيقة الا موقف واحد لولا اختلاف الصيغة وهو موقف الفشل وعدم الاعتراف

بالهزيمة . ولكن مهما كانت نتائج أعمالهم جميعا فانه لا يسع القارئ الا ان يكبر شوقهم الى الحقيقة وتوقهم الى المعرفة ؛ على خلاف العروضيين الذين قنعوا من العلم بأوهام العصور فهم شاكرون قاعدون متثائبون على الأرائك متكئون.

وأما الظواهر الغريبة التى أشار اليها كمال أبوديب وذكر أنها توئس الباحث وتزهده فى اعتبار الايقاع من وجهة النظر الكمية فانها حقيقة لا ينكرها أحد . وهى على جانب كبير من الدقة والالتواء . ولا أدل على ذلك من امتناعها عن الفهم رغم الجهود الجبارة التى بذلها العرب والمستشرقون من غير أن يتقدموا فيها ولو خطوة واحدة.

ومن هذه الظواهر التى تقاصر الفهم عن تفسيرها تلك التحولات التى تعترى التشكلات الايقاعية عن طريق الزحاف فى مثل:

( فاعلاتن ) . - ٮ - - 2 1 2 2  7 ( متفاعلن ) ٮ  ٮ - ٮ - 1 1 2 1 2 7

و ( فعلاتن ) ٮ ٮ - -  1 1 2 2 6 و ( مفعولن )   - - - 2 2 2  6

فى ضرب الكامل . وغير ذلك كثير ( أعيا العقول وحير الافكار ) ويؤكد الباحث على ذلك بما معناه = لو كانت النظرية الكمية على شئ لاستطاعت ان تفسر لنا وقوع ( مفعولن ) بديلا من ( فاعلاتن) فى ضرب الخفيف وبديلا من (متفاعلن) فى ضرب الكامل وبديلا من (مفعولات) فى السريع وبديلا من (مستفعلن) فى الرجز.

ذلك السؤال لو ألقى على لارتحت اليه أشد الارتياح لانه وأنا أعرف مغالق القضية ومفاتيحها هو السؤال الذى يجب أن يطرح في هذه المرحلة على ما فيه . فلا جرم أن يكون صاحبه من أهل الاختصاص . وأما أسئلة من نوع : " لم

ارتفاع ثمن الكتاب ؟ وهل قام صاحب النظرية بما يلزم للتعريف بها ؟ وهل أن وسائل الاعلام قد تعهدت بعد بالتعرف عليها والتعريف بها ؟ " فانها أسئلة إذا القيت على صاحب البحث ذرعه القيئ وتمنى لو ان يدا شلت قبل أن يكتب وان فما فض قبل أن يتكلم . ولكن لندع ذلك فان الوقت أنفس علينا من أن نضيعه فى سفساف الامور ومحاقرها

ولنلتفت الى كمال أبو ديب لندحض حجته ونقيم الدليل على صحة النظرية الكمية وضرورة الاقتناع بها والاعتبار لها والارعواء اليها . ولكنى أشعر بالحاجة قبل ذلك الى إعادة السؤال مرة أخرى وفى صيغة اخرى تكون أحرى أن توضح للطالبين المعنى الحقيقى للسؤال المطروح والغرض الحقيقي الذي يرمي الباحث من ورائه اليه : كيف تفسر تعادل ( فاعلاتن ) و (متفاعلن) و ( مفعولات ) و ( مستفعلن ) ذلك التعادل الذي ينبغى أن يكون متجسما في قبولها جميعا وعلى حد سواء للتحول المشترك بينها ( مفعولن )

1   تعادل ( فاعلاتن ) و ( مفعولن ) فاما تعادل ( فاعلاتن ) و ( مفعولن ) فانه يبدو لأول وهلة امرا مستحيلا ، وذلك انا اذا قارنا بينهما واعتبرنا الفارق الزمني الذي ينبغى أن يكون بين المقصور والممدود والذى هو بنسبة التضعيف : ٮ    ٮ  =  -

انتهينا الى النتيجة الآتية : ( فاعلاتن )      ≠     ( مفعولن ) - ٮ - -             -  -  - 2 1 2 2            2  2  2 7                         7

واذا بهذه المحاولة تفضى بنا الى جدار حديدى يقف فى وجوهنا كأنه سد منيع يحول دون ان نتقدم ولو قيد أنملة فى اتجاه الحل الكمي . وكذلك يفعل كل الباحثين اذا تناولوا هذه القضية وكذلك يتدرجون في تفكيرهم والى تلك الغاية ينتهون فيتراجعون كاسفين مهزومين يائسين . ومرجع هذا الفشل - لو علموا - الى الخليل بن أحمد وعلم العروض والى الدوائر والتفاعل التى

يأبى الباحثون أن يتناسوها ولو لحظة . ولو فعلوا لكانت القضية أيسر مما يظنون .

وهنا يطيب لى أن أسأل الدكتور أبو ديب : ما باله يسأل عن تعادل ( فاعلاتن ) و ( مفعولن ) ولا يسأل عن تعادل ( فعلاتن ) و ( مفعولن ) ؟ لأنه إذا كان الأمر يتعلق بضرب الخفيف فان ضرب الخفيف يأتى على ثلاث صور: ( فعلاتن ) و (فاعلاتن ) و ( مفعولن ) . وإذن لماذا يهتم الباحث بوقوع ( مفعولن ) بديلا من هذه ولا يعتبر وقوعها بديلا من تلك ؟

والسبب بسيط . وهو أنه يعتقد أن ( فعلاتن ) هى تشكل تحول فيلغيها لذلك السبب ؛ ويعتبر ( فاعلاتن ) من حيث هى فى اعتقاده تشكل أصل ولكن من أين له أن ( فاعلاتن ) هى التشكل الاصل ؟ وذلك هو السؤال الذى لم يراود أذهان الباحثين أبدا مع أنه هو أهم سؤال فى البحث . ومعقول ألأ يطرحوه أبدا إذا كانوا يعتقدون أن ذلك هو ما حكم به الخليل " العقل الفذ " ، كما يطب لهم أن يصفوه ، وأيده بتفاعيله وأكده بدوائره . فهل يشك أحد فى الأمر بعد هذا ؟

ولو تركوا علم العروض جانبا ورجعوا الى المعطيات الشعرية وفحصوها جيدا على الأقل فى الخفيف للاحظوا أنه لا يوجد شئ يدل على أن التشكل الأصل هو ( فاعلاتن ) وليس ( فعلاتن ) . ولو فعلوا لغيروا مجرى البحث من اساسه ولتسنى لهم أن يواصلوا البحث فى اتجاه سليم . ولئن تعجبت فانى اتعجب من كمال أبو ديب كيف يخلص للمفاهيم العروضية هذا الاخلاص كله مع أنه يوبخ نازك الملائكة عليه ويحذر الباحثين من مغبة الوقوع فى شركه وهو ما نستفيده من قوله صفحة 101 " مشكلة الملائكة " انها كالعروضيين فى عصور التحجر الفكرى يسيطر على تفكيرها النموذج النظرى سيطرة كاملة " .

فالسؤال المطروح غالط من أساسه ، وإذن كيف يستطيع أمرؤ أن يجيب على سؤال قائم من أساسه على غلط . والحقيقة التى نحن قبلها هي أن السائل حين يستند فى سؤاله الى معطيات غالطة يكون متورطا فى الخطا ويستدرج لمجيب كى يقع مثله فى نفس الخطا . وهنا أجد نفسى أمام ضرورة أريبة وهي الغاء السؤال المطروح لقيامه على معطيات مفروضة مسبقا قد قبلها الباحث بلا جدال ومن غير أن يحاسب المصدر الذى نجمت عنه لا لشئ إلا لأن صاحب

المصدر مشهود له بالعصمة لكون اسمه " الخليل " ولئن ألغيت هذا السؤال فلأنه سؤال ثان لا يطرح الا بعد الجواب عن سؤال أول هو : أى التشكلات الثلاثة أصل فى ضرب الخفيف ( فعلاتن ) أو (فاعلاتن ) أو ( مفعولن ) ؟ وهذا الجواب :

ولنعتبر تلك التشكلات الثلاثة ولنمتحنها باعتبار الفارق الزمنى الذى يجب أن يكون بين المقصور والممدود والذى هو بنسبة التضعيف :

( مفعولن ) -  -  -  2  2  2 6

( فاعلاتن ) - ٮ -  - 2 1 2 2 7

( فعلاتن ) ٮ ٮ  - - 1 1 2 2 6

واذا باثنين من التشكلات المعنية يتعادلان مع بعضهما ويستقيم لنا أمرهما بما يخدم النظرية الكمية ويشجع على المضى فى اتجاهها وهما (فعلاتن) و (مفعولن)  فلنترك ( فاعلاتن ) مؤقتا ولنتدبرهما مليا عسى أن نعثر فيهما على ما ينير لنا السبيل لمواصلة البحث فنقول :

لو افترضنا أن أحد هذين التشكلين هو أصل التشكل الايقاعى دون ( فاعلاتن ) وأن الآخر هو تحول له لكان افتراضا ممكنا معقولا اذ لا يوجد فى المعطيات الشعرية مايمانع فيه أو يعارض ؟ ولأن اعتبار (فاعلاتن) أصلا للتشكل الايقاعى المعنى هو مفهوم نظرى بحت عروضي صرف . واذا كنا نريد أن نتعرف على واقع الايقاع الشعرى عند العرب فما شأننا وشأن المفاهيم العروضية وما يمنعنا من الرجوع الى المعطيات الشعرية لنستفيد منها مباشرة ما يكون لنا عونا على استكناه ذلك الواقع واستجلائه ؟

فاذا قبلنا ذلك الافتراض أمكننا أن نطرح السؤال التالي : أى التشكلين ( فعلاتن ) و ( مفعولن ) يمكن أن يكون أصل الايقاع وأيهما يكون التشكل التحول عن طريق التسهيل ( الزحاف) ؟ والجواب على هذا فى منتهى البساطة لأننا إذا القينا نظرة واحدة على التشكل ( مفعولن ) والرموز المجسمة له ( - - - ) نفينا أن يكون هو التشكل الاصل وذلك لسبب بسيط وهو انه يتألف من عناصر كلها ممدودة بما يتضارب ومبادئ الايقاع ويتعارض وطبيعة اللغة العربية.

فأما تضاربه مع مبادئ الايقاع فلغياب نزعة الخفة فيه والايقاع ملاءمة بين نزعتين : الثقل ( - ) والخفة ( ٮ ) .

- وأما تعارضه مع طبيعة اللغة فلأنه لا يتهيأ لاحتضان المقطع المقصور واللغة تحتم وجوده وتقتضيه اقتضاء . واذا استحال ل ( مفعولن ) ان تكون تشكلا إيقاعيا أصلا فلأنها اذا تتابعت دوراتها تتابعت المقاطع فيها كلها ممدودة

وهو ما لا يكون فى العربية ولم يكن إلا فى بعض الحالات الشاذة ، نحو :

مالى مال إلا درهم         أو برذوني ذاك الأدهم

وإذن فلا تصلح (مفعولن) إلا لأن تكون تشكلا تحولا يأتي عرضا عند الحاجه من التسهيل والتلوين . واذا نحن رجعنا الى واقع الشعر وجدنا أن ذلك صحيح لا ريب فيه . وفعلا فانها لا تأتى الا عرضا فى الضرب وفي العروض دون بقية الاجزاء سواء كان ذلك فى الخفيف أو فى الكامل أو فى السريع أو فى الرجز . فاذا ثبت ذلك - وإنه لثابت - كانت ( فعلاتن ) فى إطار هذا الافتراض هى الأصل.

ويليق بنا عند هذه الفرصه أن نستكنه هذا التحول ونتدبر أمره لنعرف ما هو . ويتسنى لنا ذلك بمجرد أن نخلع من التشكلين المعنيين القيم الحركية الثابته فيهما وهى ( لاتن ) فى ( فعلاتن ) و ( عولن ) فى (مفعولن)

( فعلاتن ) ٮ ٮ     -  - 2         4

( مفعولن ) -      -  -  2       4

فماذا حصل ؟. إن ما حصل هو وقوع تحول تحقق بجمع المقصورين ( فع ) (ٮ ٮ)  فى ممدود واحد ( مف ) ( - ) للتسهيل على الشاعر في عملية نسميها تسهيل الجمع   La mutation par addition

ذلك التشكل الايقاعى (مفعولن) أثبتنا بجميع الحجج انه تشكل تحول عن تشكل يجوز أن يكون أصلا وهو (فعلاتن) . ونحتاج الآن الى أن نصل إلى (فاعلاتن) وكيف تتحول الى (مفعولن) . وهو السؤال الذي يطرحه أبو ديب لتحدى النظرية الكمية وتعجيز القائلين بها .

وهنا أيضا لا استطيع أن أخفى شعورى عن الدكتور وأنى صرت لا أثق بصحة أسئلته الا بمقدار ما أثق بصحة إجابته التى وردت في كتابة عن قضايا الايقاع . ولذلك أسأله : " إذا كان ولا بد من وجود تفسير لهذا التحول

( فاعلاتن ) ⬳ ( مفعولن )

فانه لا بد من قيام الدليل على وجود ذلك التحول . واذن فلن أشرح لك طبيعة ذلك التحول حتى تثبت لى وجوده بدليل لا تستقيه من علم العروض - إذ ليس الخليل عندى بحجة - ولكن من الواقع الشعرى . فان لم تفعل - ولن تفعل - فانه لا يكون لسؤالك من معنى الا كونه ورطة لاستدراج الباحثين للوقوع فى الخطا والوهم . ولذلك سأصرف اهتمامى الى وجهة اخرى أراها أجدى على بكثير مما تقترح . وهى الرجوع الى تلك النتيجة التى ثبتت بالبحث والمتعلقة بحقيقة التحول

ٮ  ٮ    ⬳    -

لاستغلالها فهى أحرى أن نسترشد بها فى هذه الظلمات الداجية.

أقول : هل تتكرر هذه الظاهرة فى تشكلات ايقاعية اخرى ؛ فان هذا لاحتمال اذا تحقق كان لهذه الظاهرة شأن وأى شأن ، لأنها ستكون هي النبراس الذى يبددلنا حجب الظلام ويقودنا الى شاطئ السلام ( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية