- ٩٧٢ - سباق الخيل
قال لبيد :
(معاقلنا التى تاوى اليها
بنات الاعوجية ، والسيوف ! )
جاء في الصحيح من حديث بن عمر قال : " سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخيل فأرسلت التى ضمرت منها . وامدها ( الحفياء) الى ( ثنية الوداع ) والتي لم تضمر امدها ( ثنية الوداع ) الى مسجد بني زريق ) "
وقال الامام ابن القيم فى كتابه ( الفروسية ) : في الصحيحين عن موسى ابن عقبة ان بين ( الحفياء )الى (ثنية الوداع ( ستة أميال او سبعة . ومن ثنية الوداع الى مسجد بني زريق ميل ( اه
قلت : أوردت ذلك بمناسبة ما نشرته الصحف من تعميم اندية الفروسية فى كل من المنطقة الغربية والوسطى والشرقية
وأعتقد ان ذلك سيكون خطوة أولى لتعميمها فى سائر انحاء المملكة ومدنها الكبرى والصغرى . فان الخيل معقود بنواصيها الخير . . وهي مما خصه الله بالذكر من الاعداد فى الاسلام .
والامل وطيد في حضرة صاحب السمو الملكى الامير عبد الله بن عبد العزيز رئيس الحرس الوطني في أن يبذل جهوده الموفقة فى هذا السبيل بالتعاون مع المسؤولين فى كافة المناطق ان شاءالله فى ظل جلالة طويل العمر المفدى فيصل العرب والاسلام . حفظه الله .
وهنا استفسار من فضيلة العلامة البحاثة الاستاذ عبد القدوس الانصارى عما إذا كانت ( الحفياء) المذكورة آنفا ما تزال معروفة بهذا الاسم حتى اليوم كما هو الحال بالنسبة لثنية الوداع ) أم انها اندرست ؟ وهل يزال ما بينها خلاء يصلح كميدان للسباق تم غلب عليه وفيه العمران ؟ ! فان كانت الاولى فما اجمل ان تعود كما كانت بحول الله تعالى ( ١ ) .
-٩٧٣- المثنى بن حارثة ومعركة (البويب ) البويب ( نهر بالعراق يأخذ من الفرات !
وفيه وقعت معركة كبرى بين المسلمين والفرس بقيادته ابان الفتوح الاسلامية . . قالوا : " ولما حمى وطيس القتال حمل المثنى ( على ) مهران ( قائد الفرس فازاله حتى دخل ميمنته ، واختلط الجيشان وارجع قلب المسلمين فى قلب المشركين . . فقتل غلام نصراني من تغلب - ) مهران ( واستولى على فرسه ، وما زالوا يكيلون للفرس الضربات حتى فروا من امامهم ، وقد راع المثنى هذا النصر الذى احرزته ) فئة قليلة ( فقيرة على جيش قوى معد أتم عدة فقال :
" قد قاتلت العرب والعجم في الجاهلية والاسلام . ووالله لمائة من العجم في الجاهلية كانوا اشد على من الف من العرب ولمائة اليوم من العرب أشد على من الف من العجم ، ان الله اذهب قوتهم واوهن كيدهم . فلا يروعنكم زهاء ترونه ! ولا سواد ، ولا قسى فج ، ولا نبال طوال - فانهم اذا أعجلوا عنها وفقدوها كانوا كالبهائم أينما وجهتموها اتجهت "
قلت : وفي ذلك ذكرى وتذكير . . و ( ما ينبؤك مثل خبير ) .
- ٩٧٤ - كيف كانوا يقاتلون
خطب ( عبد الله بن رواحة ) الجند يوم ( مؤتة ) بقوله : " يا قوم ، ان التى تكرهون للتي خرجتم تطلبون من الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، ولا نقاتلهم الا بهذا الدين . . الذي اكرمنا الله
به . فانطلقوا فانما هي احدى الحسنيين . اما ظهورا واما شهادة.. اه - -
قلت : بذلك استطاعوا بحول الله وقوته ورسوخ ايمانهم وشدة بأسهم وسلامة عقيدتهم ان يسودوا اهل الارض من مشرقها الى مغربها . . وليس قوله ) اننا لا نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ) . . تجردا من الاعداد والاستعداد - وفقا لما أمر الله تعالى في كتابه العزيز . . ولكنه أراد بذلك أن السلاح وحده لا يغني قتيلا إذا خلا القلب من اليقين . . فاذا اجتمع ذلك مع هذا فانه للنصر المبين . . قال تعالى : ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم
- ٩٧٥ - أوردها سعد وسعد مشتمل
هذا شطر بيت قديم - وشطره الثاني . ( ما هكذا يا سعد تورد الابل ) وهو غير سعد الصنم الآتي ذكره :
فان سعدا هذا صنم (١) كان يبتغي لمبركة فى العصر الجاهلى فيما يزعمون ، وقد اقبل اليه رجل من بني ملكان بابل له مؤبنة . . فلما ادناها منه ورأته . . وكان يراق عليه الدماء . نفرت منه ، فذهبت فى كل وجه فغضب الرجل وتناول حجرا رمى به الصنم ، وقال : " لا بارك الله فيك الها نفرت ابلى ثم خرج فى طلبها حتى جمعها وانصرف وقال :
اتينا الى سعد ليجمع شملنا
فشتتنا سعد فلا نحن من سعد :
وهل سعد الا صخرة بتنوفة
من الارض لا يدعو لفي ولا رشد ؟ !
قلت : أما انه لا يدعو لرشيد . . فلا ريب فى ذلك اطلاقا . فأما الى الغي ، فانه هو الغي بذاته . . وان لم يدع - نطقا - فقد دعا وتداعى اليه الحمقى جهلا وخرقا . والحمد لله الذي هدانا بالاسلام واعزنا بالطاعة وأذل الشرك والمشركين . . وهو حسبنا نعم الوكيل
- ٩٧٦ - قبل اكثر من خمسين سنة الرئيس - والمرؤوسون
كان من جملة جهاز الدولة فى العهد الهاشمي بمكة ، محكمة يطلق عليها ) محكمه شيخ السيادة ( وهو الذي يتولى فض الخصومات بينهم وسماع المرافعات البسيطة واثبات الوراثة والاقرارات وما الي ذلك فى حدود معينة . . ويلحق بهم ايضا اخواننا من الجالية الحضرمية الكريمة ..واعتقد أن لها مثيلا - كان - بالمدينة المنورة -ثم ادمجت في القضاء الشرعى العام فى العصر السعودى
وكان شيخ السادة نفسه هو رئيس المحكمة ..وقد عينت له الحكومة أو ( سيدنا ) رحمه الله احدى الغرف الصغرى " بدار الحكومة ) وبالحميدية ).. . التى أصبحت أثمرا بطسه تنفيذ التوسعة للمسجد الحرام . . فكان ... - ما ويستقبل فيها أرباب الخير
- ومالشهود والمركين . . ويقوم معه كاتب واحد بكل اعمالها وتسجيلاتها وصكوكها . . وليس لها ( متفرقة ولا قرطاسية ) ! وانما تسير بالبركة كما يقولون .
والطرفة التى حرصت على ايرادها هنا هى ان الكاتب المشار اليه وهو الشيخ سعيد ( باكلكا ) كان من طلبة العلم وصاحب ديانة وامانة واستقامة . . ودؤوبا على العمل ليل نهار . . وبراتب زهيد جدا . . وكان يوقع على الشروح والهوامش هكذا : " رئيس كتاب محكمة شيخ السادة"! وكنت اذ ذاك رئيسا لديوان قاضى القضاة . . فانكرت توقيعه بهذه الصورة . واستدعيته ورجوته ان يبين لى اسماء الكتاب الذين هم تحت رئاسة . . فما اعرف ان لهم قيدا أو حتى وجودا لديه . . فهز راسه قليلا . . وكان ذا لحية كثة . . من تحت (العنفقة ) . . فقبضها بيده اليمني وقال : يا اخي . مهلا ان عليكم ان تمنحوني جائزة مقابل تصرفي هذا . . ان العالم كله لا يمكن ان يصدق ان محكمة يترافع فيها الناس ولها ضبط وسجل وقيود وتصدر صكوكها . . لا يقوم بكل ذلك فيها الا كاتب واحد ) اما كفي ان رئيسها وكاتبها ومراجعها كلهم ينضمون الى بعضهم فى مثل سم الخياط . . واني اقوم بعمل محرر ومبيض ومصدر ومورد وكاتب ضبط - وكاتب سجل - وكاتب صك . . كل هذا وغيره مع المخابرة اتولاه . . بحيث لا يشغله على الاقل الا اربعة من الكتاب . . واتحمل المشاق في ذلك . . فاذا وقعت : ) رئيس الكتاب ( انكرتم ذلك على . . او نفستوه واستكثر تموه . . قلت : معك حق
في هذا كله . . لولا انك توقع ( رئيس الكتاب ) ولا كتاب ! قال : وهنا وجبت المكافاة . . فانني رئيس لمرؤوسين يجتمعون كلهم في شخصى فأي ضرر على احد من ذلك ؟ ثم لا يذهبن عنكم انني بذلك اوهم من لا يعرفنا اننا اكثر من قليل ! قلت : توكل على الله . . ولك ان توقع كما تشاء وحسبنا الله ونعم الوكيل . رحمه الله اجمعين
-٩٧٧ - التزهيد والتسحير
هاتان الحرفتان كان لهما الى ما قبل اربعين سنة او اكثر قليلا اهمية بالغة فى حواضرنا وقد ادركت اهلمهما بمكة المكرمة . . فأما " التزهيد " فيقوم بها من يطلق عليه " المزهد " وهو من يستحضره قاصدو زيارة المسجد النبوى الشريف . . في الرجبية مع " الركوب " أو مع القوافل فى الشقادف . . ليقيم عند أو امام دارهم ليعلن - بصوته الرخيم عزمهم على الزيارة عدة ايام متواليات ولا سيما يوم السفر . فانه ليترنم طوال النهار بابيات شعرية وصلوات نبوية ، وتشويق الى الزيارة بحيث يحمل غيرهم على العزيمة اليها والقيام بها ولو باعوا مما يملكون . . ولقد شهدت مرارا دموع الحاضرين والسامعين تسيل مدرارا على وجناتهم من تزهيده وما هو الا ذكر لله وتسليم على رسوله صلوات الله وسلامه عليه ، فى شجن ودنف وشوق وشغف . وتنهى مهمته بتوجه الزائرين . . والحمد لله رب العالمين ...
أما " التسحير " . . فأحسب ان الاجيال الجديدة الصاعدة لم تره ولم تسمعه . . وان القائم به يسمي " المسحر " ولكل مسحر
منطقته المحددة فلا يتخطاها الى سواها . . وتراه بطبلته وفانوسه ومقرعته . . بين الحارات والأزقة فى طول مكة وعرضها فى ليالي شهر رمضان المبارك وقبيل المدفع الاول سائرا على قدميه قارعا طببلته - تحت كل منزل ودار . . ويسمى كل من فيه من المذكور من كبار وصغار . . وكانما هو ( مصلحة احصاء ) عامة متجولة . فلا يفوته ذكر احد منهم . . ولو كان مولود ليلته . . ومحل العجب هو كيفية حصوله على هذه المعلومات الفورية ! واعجب من ذلك انه لا يحمل معه دفترا ولا سجلا ولا ورقة . . بل يستذكره من ذهنه المختزن ، لأكثر من الف اسم او خمسمائة على الاقل ، فى حدود منطقة صلاحيته . . وهو بشدوه وترنمه بالأسماء ، انما يردد جملا تقليدية فى ليالي شهر رمضان فقط . . دون سواها . . ومنها . .
صائم عبئ سحورك يا صائم ، وربك الدائم ، ابرك الليالي والإيام على سيدي الشيخ . . فلان بن فلان ) . .
والمشيخة تتصل حتى بالصبى والغلام كان لا يزال في المهد و الكوفلة ) وغارقا فى المنام . . وبذلك يدخل المسرة على أهله . . وترى الصغار يسهرون حتى يسمعوه يردد اسماءهم فوق طبلته . . وربما حملهم ك على الصيام ولو من (ورا الزير ) اي الشرب خلسة في الهجير : وخير لياليه عشر الاواخر ، حيث يتلقى المكافاة من كل بيت ، اما كسوة او نقدا او حنطة . . او ما معا . .
وقد روي لي احد المسنين - والعهدة عليه - مسحرا طائفيازار الاستانة في عصر السلطان الحميد الثاني ، وكان من اهل الطائف
. وله صلة بشخصية كبيرة هناك استطاع بها ان يصل إلى السلطان فقال له :"تمن" فقال : ارجو من افندينا ، ان يقررني في تسحيرة اهل الطائف كلهم بلا استثناء فامر له بذلك . . واستمتع بها وجده دون سواه حتى لحق بمولاه ، رحمه الله .
- ٩٧٨ - انسان يعض كلبا
سمعت أو قرأت أن الصحافة المتطورة ، هى التى تعنى بكل شئ ومن ذلك أنها تلفت انظار القراء الى الاحداث المفاجئة والغريبة ، والتي لا يتوقعها الناس . . كأن تروى خبرا عن انسان عض كلبا ! اما أن يعض كلب انسانا فذلك حديث مكرور ... ولا يجلب الاهتمام.
ووقفت في (معاهد التنصيص ) على هذه الطرفة . . قال : وهو يترجم ( للصمة القشيري ) قائل الابيات الرقيقة التى منها :
تمتع من شميم عرار نجد
فما بعد العشية من عرار
انه - اى ( الصمة ) وكان مبتلي بالكلاب - بضم الكاف - سأل يوما أولاد الاكابر الذين كانوا يحضرون عنده أن يمضوا معه إلى ( كلودا ) . . فظنوا ذلك لحاجة عرضت له ، فركبوا خيولا وخرجوا ، وجعل يمشى بين أيديهم ، فسألوه الركوب ، فأبى عليهم ، فلما صار بخرابها أوقفهم على ( ثلم ) . . وأخذ كساء وعصا ، وما زال يعدو الى كلب هناك ، والكلب يثب عليه تارة ، ويهرب منه اخرى حتى أعياه ! فعاونوه عليه حتى أمسكوه له ، فأخذ يعض الكلب باسنانه عضا شديدا ، والكلب يستغيث ! ويزعق اغما
تركه حتى استشفى - أى (شفى غيظه منه ) . . وقال : هذا عضنى منذ أيام وأردت أن اخالف قول الاول :
شاتمني كلب بني مسمع ،
فصنت عنه النفس والعرضا
ولم اجبه لاحتقارى له ،
ومن يعض الكلب ان عضا ؟ ! اه .
قلت : وتمشيا مع القاعدة التى يراها او رآها ارباب الاختصاص فى أن تورد الصحيفة نبأ كهذا . . فيسمع لها . . وتروج . . بادرت بعرضه فى هذه الشذرة . . على رغم آناف ياجوج - وماجوج !
٩٧٩- ذهب الناس
أبو حية النميرى شخصية فكاهية ظريفة . . رويت عنه قصص طريقة . . ومنها أن مسلمة بن عياش قال له يوما : اتدرى ما يقول الناس ؟ قال : وما يقولون ؟ قال : يقولون أنى اشعر منك قال : انا لله - ذهب والله الناس . اه
قلت : ما انصفه واظرفه ! فما شتم ولا قذف . . ولا رمى احدا بالحصى . . ولا اقترف . . وانما قال كلمة صدق وحق . . فقد ذهب الناس - وجاء الناس ! ونعوذ بالله من الرجيم الوسواس الخناس ! فلو قيلت لغيره من ذوى النعرات والخنزوانات ، لهفت القائل العصى والخيزرانات . وهكذا تكون عفة اللسان ، وطمانينة النفس ومكارم الاخلاق وظرف الأدب !
- ٩٨٠ - ( وراك )
تتردد هذه الكلمة آلاف المرات فى باديتنا يوميا . . وفي اكثر المحادثات الدارجة وهى تعنى - الاستفهام تارة واخرى التعجب . . وثالثة ورابعة . . على حسب ما تواضع عليه اهل الوبر . . أما فى الحاضرة فانها لا تعنى الا مقابل امامك ! ولها اصل عريق فى الادب العربى : اذ قال الشاعر الجاهلى
ولكن ما وراءك يا عصام ) ؟
فهي هنا استفهامية ايضا . . وقد حذفت الهمز منها مى عصرنا هذا من باب التخفيف . . وهي فى الفصيح من الاضداد اذ تعنى وراءك - أى خلفك - كما تعنى أمامك . . ولذلك ادلته للباحثين . .
- ٩٨١ - ايام ( القرص ) و (الحنانة )
نشأنا وما من بيت فى مكة او جدة أر الطائف أو المدينة المنورة أو كل المدن والحواضر ، الا ويستحضر صاحبه الحب أو البر أو الحنطة ويختزنها لسنة أو أقل . . وتكون من صنف ( النقرة ) الطائفية أو الحب المصرى . . أو السندى . . وهلم جرا وهناك تقوم ( الأسرة ) بعد أن تغربل من المحترفين ( بالتنقية . . ثم النشر . . ثم ارساله الى الطاحون . . ثم تلقيه . . ووقايته وحفظه ثم عجنه وكته وتبذيره بالحبة السوداء والشمر والمحلب . . بما يسمونه ) ابذار العيش . . ثم تقريصه . . على الالواح الخشبية . . ثم تركه بعض الوقت ليخمر وينضح . . ثم إرساله الى الفرن . وعلى كل
لوح . الحنائن . . أو الحنانات . . للأطفال . . ومن وهذا الدقيق أو الطحين تتخذ الفطائر والعرائك . . و الفتوت و المشلتت والويل لمن يقول لربة البيت : " بلا شى اليوم دوشة خمير . . نشترى العيش من السوق . . لان عندكم غسيل ! " فانها تنتفض فى وجهه كالمحموم . . محتجة على قوله ! وتقول : ما شاء الله ! ليه احنا ايادينا مكسرة . . والا اتجننا حتى ناكل من عيش السوق ؟ ! دا كله (لغوصة و بعبلة : والله هو اللى بقي ) : ومنهن من تقوم بعمل كل شئ بيدها فى الدار حتى المطبق والمعصوب ! وكل ما تسمح لها ولذويها بازدراده !
ومن المفارقات الصارخة ، أننا اصبحنا - بحكم التطور الحضاري الجارف إذا عكسنا الآية . . وقلنا : " يا جماعة ! والله نفسنا في العيش البيتي المبزر - فان الحمى تزداد حرارتها الى درجة الخطر : ) ها شاء الله هوه احنا فاضين للكلام الفارغ ، هذا هو السوق هليان عيش بلا غلب ) . .
وافلس صاحب ( نخال : نخال ) ... وصح قول الشاعر في ذوات الجمال ، ان منهن او كلهن المكسال والمعطار ! و ) الدرب ماشى ( و ) الحبل على يد الجرار ( ويفضل الله ما يشاء ويختار .
- ٩٨٢ - التوى والأوى
أما التوي - فانه قد ورد ذكره في مقصورة ابن دريد المشهورة قبل ثمانية قرون .قال:
اذا ذوى الغصن الرطيب فاعلمن
ان قصاراه نفاد ، وتوى !
وهو في اللغة ، الخسارة والضياع والهلاك . وقلما يستعملها الناس في بلادنا . . الا المتأدبين .
وأما ( الأوى ) فقد اعياني الوقوف على اصل له بالمعنى المتداول - رغم انه لا تكاد تمر ساعة الا وتنطلق به قذائف الافواه . . فى البيت والشارع والحانوت ! فما هو ؟ ان المقذوف به يدعى عليه بان يصاب بالأوى ) . . ولا يدري القاذف والمقدوف معا حقيقته الا انه مجرد شتييمة ليس غير ! الا اننى اطمن من يقال له ذلك ويرمي به أنه فى اللغة ) الإيواء إلى البيت ( . . وأيضا ) أوى ( أوية ، واية ، وماوية ومأواة له : رق له ورحمه ( ١ ). اذن تصبح دعوى له لا عليه . . وبهذا المعنى والمدلول . . لا ينزعج منها الا من يكره الرقة والرحمة . . وكلنا نتمناها . .
- ٩٨٣ - لا تسوى لنا " دوكة "
يصيح بصاحبه اذا ارتفع صوته . . تدريجيا فى نزاع عارض أو مفاهمة صاخبة : يا اخي بس : لا تسوى لنا دوكه . . فما
تعنى هذه الكلمة فى الاصطلاح العامي انها ذات مدلول هام جدا . . فان الدوكة ) احدى الانغام السبعة الاصول . . وهي تبدأ . . بنبرات خفيفة ثم تتدرج في الصعود : بشكل رائق شائق ، مطرب معجب . حتى لتكاد تمثل ارتقاء الصاعد من " الكر " الى " قمة كرى " . . على مراحل ومناهل . ومن هنا فان المنزعج انما يعنى بذلك ان صاحبه لا يزال يرتفع صوته . . ويعلو . . حتى استمع لكلامه البعيد والقريب فهو ينهاه عن ذلك . . ولن يستطيع اسكاناته . . فى هذه المرحلة فان ( الدوكة ) لا تستحق هذا النعت او الاسم الا اذا استقرت بمكانها فى " القمة " . . وما أحلاها وأعذبها وأطربها وأعجبها ! الا ان تكون فى ( المنازعات ) . . فانها تكون من ( النازعات ) .
-٩٨٤- البنجخة
هى في الواقع والمدلول - اخت للفخفخه . . وانما يحيك فى النفس منها انها مجهولة المورد او المصدر - اللهم الا أن تكون من الغريب في اللغة . . ولها اصل فى المعاجم الكبيرة . . نجد أنها اصبحت دارجة على
الإلسن كلها . . وهي فى الجملة . . انما نعنى المبالغة فى الظهور والترف ، والتبذير والإسراف . . ومن حقها أن تدون . . بعد أن احتلت مكانها فى اللهجة المتداولة
- ٩٨٥ - الفرق بين المروة والفتوة
قال ابو الريحان محمد بن احمد البيروني المتوفى سنة ٤٣٠ ه في كتابه ) الجماهر فى معرفة الجواهر : " المروءة تقتصر على الرجل نفسه وذويه وحاله ، والفتوة تتعداه واياها الى غيره ، والمرء لا يملك الا نفسه وقنيته التى لا ينازع فيها أنها له ، فاذا احتمل مغارم الناس وتحمل المشاق فى اراحتهم ، ولم يضن بما احل الله له وحرمه على سواه ، فهو الفتى الذى اشتهر بالقدرة عليها ، وعرف بالحلم ، والعفو والرزانة والاحتمال ، والتعظم بالتواضع ، ترقى الى العلياء وان لم يكن من اهلها وسود باستحقاق لا عن خلود دار " ١٠٠ ه وقال الجرجانى فى التعريفات : " المروءة " هي قوة النفس مبدأ صدور الافعال الجميلة عنها المستتبعة للمدح شرعا وعقلا وعرفا " . وقال عن الفتوة : " الفتوة في اللغة الكرم والسخاء وفي اصطلاح اهل الحقيقة هى ان تؤثر الخلق على نفسك بالدنيا والآخرة " اه
قلت : ونسأل الله تعالى أن يجمع لنا ولاجيالنا الصاعدة بين المروءة والفتوة ويزيدنا بطاعته واتباع هديه منعة وقوة انه على ذلك قدير - وبالاجابة جدير
- ٩٨٦ - ابو حية النميرى ولعاب المنية
كان ابو جية النميرى ويسمى الهيثم ابن الربيع من شعراء الدولتين الاموية والعباسية : وكان اهوج جبانا . . حكى عنه ابن قتيبة أن جارا له حدثه عنه ، قال دخل الى بيته ( كلب ) فظنه لصا . . فأشرفت عليه - وقد انتضى سيفه ) لعاب المنية . وهو سيف ليس بينه وبين الخشبة فرق ووقف في وسط الدار وهو يقول : " ايها المغتر بنا ، والمجترىء علينا . . بئس والله ما اخترت لنفسك ، خير قليل ، وسيف صقيل ، لعاب المنية الذي سمعت به . مشهورة ضربته . لا تخاف نبوته . . اخرج بالعفو عليك قبل ان ادخل بالعقوبة عليك ، اننى والله ان ادع قيسا عليك . . لا تقم لها ، قيس وما قيس ، تملأ والله الفضاء خيلا ورجلا ، سبحان الله ، ما اكثرها وأطيبها . . فبينا هو كذلك اذ خرج الكلب ، فقال : الحمد لله الذي مسخك كليا وكفانى حربا " . اه
قلت : انها لأحدى الطرف المروية . والله أعلم بصحتها . . الا انها ان صحت . . فأن اباحية - عفا الله عنه - لم يرد ان يبادر بالبطش قبل الانذار . . والوعيد والتهديد . . شأن الخلق الطيب . . والشيمة الكريمة . . ولولا انه مسخ كلبا ! . . لملآه بسيعة خوفا ورعبا ! وبطشا وضربا . . و ( من عوفى فليحمد الله)...
-٩٨٧- انه ( السنور )
"يروى ان لصا دخل دار الفضل بن الحباب الكفيف ، فصاح ابنه باللص ، فخرج الفضل الى صحن الدار ، وقال : ايها اللص ، ما لك ولنا ؟ ان اردت المال فعليك بفلان وفلان . . انما عندنا ) قمطران قمطر فيه احاديث ، وقمطر فيه اخبار . ان اردت الحديث حدثناك عن ابي الوليد الطيالسي ، وابى عمر الجوي ، وابن كثير وهو محمد . وان أردت الاخبار أخبرناك عن الرياشى ، وعن الاصمعي ، وعن محمد بن سلام ( فصاح ابنه : يا ابت ، ليس الا الخير ، انما هو سنور " . . ا ه
قلت : وقد لطف الله في هذا الحادث . . اذ كان اللص فيه " سنورا " . . أما لص ابي حية النميري . . فقد كان "كلبا " وكفاه الله حربا بعد ان استعدى عليه الصناديد ، من ( قيس ) . وما أراها الا مجرد ( دعايات ) ظريف تختلف فيها الأوزان ، وتحفظ القافية !. .
- ٩٨٨ - النمل المجنون
ظهرت في هذه الايام - بعض انواع الكائنات الحية . . الطائرة أو السائرة : بالوان مختلفة . . نتيجة الامطار الغزيرة التى رحم الله بها عباده المؤمنين . . ومن ذلك نوع من ( النمل ) يطلق عليه الناس :
( النمل المجنون . . وهو اصغر حجما من النمل الاحمر . . ويميل لونه الى السواد ، وهو من الكثرة ، والتجمع ، والالتفاف حول بعضه بحيث لا تكاد تجده الا في (عصبة ) مؤتلفة متحابة متعاونة .
ومها لفت نظري فيه بصورة ادق . . انه مسالم فلا يعتدى . . ولا يقرص ، ولا يتسلق على الابدان . . ولكنه . . يلف ويدور حول نفسه . . وفي سرعة غريبة ( : وعن هنا اطلقوا عليه : " المجنون " . وفي احدى المرات . . ضايقني دورانه ) . . وجنونه ، فى غير مبرر الا ان يكون فى مباراة رياضية ! لانه لا يندفع الى طعام ولا شراب . . اللهم الا اذا وجد صرصورا ) ميتا فانه ليحيط به من كل جانب . . وما يزال به نهشا . . ونهسا . . حتى يواريه فى احشائه . . بعد ان يمسح به الارض مسحا ويحيط به احاطة السوار بالمعصم ، ويوسعه جرا . . يمثل الجنازة ) ومن حولها من حملة النعش ! وفي تعاون وتضامن ومشاركة تبعث على الاعتبار . .
واختبرت فيه الزهد عن التعرض بالاذي لبني آدم ، وحاولت مرة ان ادوس عليه وابيده بقدم يذعن لذلك من سلم منه . . واخذ ينتقم بالتسلق على الساق . . والقدم . . ويقلق راحتى بما مس بني جنسه من ظلم وألم : واخذت منه عبرة وعظة فى تعاونه وتناصره . . وابائه الضيم وقبوله التضحية واحتمله الفتك به - إذا الم به السوء او تعرض له بحال .
هذا وهو (دويدة) حقيرة ! وقد الهمها الله البصيرة والدفاع عن النفس وسبحان الخلاق الحكيم الذي احسن كل شئ خلق ثم هدى ( ٣ ) .
-٩٨٩- هو - بتخفيف الواو- وهو - بتشديدها-
قليل منا من إذا اراد ان يشير الى الآخر . . يقول هو - بفتح الواو- وانما يشددها . . فيما ينطق به . . فيقول (هو ) - فلو انه قالها صحيحة . . بدون تشديد لكان محل الاستغراب ؛ عند العوام وكذلك الشأن فى المرأة . . فهي نقول هيه )بدلا من ( هي ) . ولتقويم ذلك لابد من صبر جميل وأمد طويل . .
وظفرت بمثلها فى بيت من الشعر القديم : قال الشاعر ، وهو حسان بن ثابت رضي الله عنه :
وان لساني شهدة يشتفي بها
و ( هو ) . . على من صبه الله علقم
وبهذا يسعنا ما وسع صاحب الضرورة الشعرية فلولاها ما كان له ان يشدد ، ) ويسروا ولا تعسروا . و ضرورتنا تفادى الاتهام بالفيهقة . . والتقعر!!
-٩٩٠- العلاوة - بالضم وبالكسر
في اللغة : ( العلاوة )بضم العين عاليتة - أرفعه ) و ( العلاوة بكسرها اعلى الرأس أو العنق ، وما وضع بين العدلين - والعلاوة من كل شئ . . ما زاد عليه وكان عطاء لبيد ( ألفين ، فنسأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ) لم ترك الشعر ؟ ( فقال : تغنيني عنه ( البقرة - وآل عمران ) . . فزاده خمسمائة . . فلما تولى زياد ، قال له . يا أبا عقيل هذان الفودان ، فما هذه ) العلاوة ( ؟ . فقال : " أموت ، وأترك الفودين والعلاوة " فرق له زياد . . " اه
قلت : فهذه هي ( العلاوة ) التى نصت عليها الأنظمة الحديثة للموظفين ، الا ان اكثر الناس ينطقونها بفتح العين . . وما هي الا بالكسر . . وهي ايضا من مصطلحات المواريث ( ولها باب يسمى ( العول ) والله عليم .
- ٩٩١ - تهنئة الشيخ محمد الشيبي
كتب الى ، حضرة صاحب الفضيلة العلامه المؤرخ الجليل الشيخ محمد الدفتردار من المدينة المنورة على ساكنها افضل التحية والتسليم ، رسالة كريمة فى ١-٣-١٣٨٩ ه
جاء فيها أنه قرأ بعض ما كتبته عن " ال الشبيبي الاماجد في مجلة " المنهل الغراء . . وقد أحب أن يتحفني بأبيات جميلة هنا بها شاعر المدينة الشيخ " حسن بن مصطفى بصنوى " - فضيلة الشيخ هحمد الشيببي بقدومه الى المدينة المنورة عام ١٢٤٧ ه . . أى قبل ١٤٢ سنة . . وقد رآها فى ديوانه المخطوط الذى يحتفظ به أحفاده وكان عنوانها : " الى سادن البيت الحرام " . . وأورد سيادته الابيات المشار اليها وهى :
لك ( مجد ) ممن برا وهبي
أين منه جد الورى الكسبي ؟
وصف معناه كيف يبديه لفظ
وهو سر ، وعلمه غيبى ؟ !
ايها الماجد الذي نال سعدا
يخجل الشمس نوره الكوكبي !
ذاك في الكون يسعى اليه
) ملكاه ) الشرقي ، والغربي !
حجب الاجنبى عنه لامر
لم يطق نقض عهده الاجنبي !
من قديم قد أبعد الكفر عنه
صدق ما قال في الحديث ) النبي
ذاك عز اوتيه من قديم
عن بني شيبة وانت صبي !
خالد ، تالد العطاء عن الوا
لد ، يزهى به ابنه الصلبى !
فى سراة شم العرانين غر
فى دجى الخطب رأيهم شهبي :
كعبة ( الرب ، عين وجه المعالي
ولهم فيه زينها الحاجيس
وثناء يهدى اليك وحمد
سكري ، تكريره - ضربي
ودعاء ما فيه قط رياء
من محب اخلاصه لبي :
وتهان اذ زرت روضة ( طه )
أي طيب ترابها الطبي ؟ !
(بيت تاريخه به الفال يشدو
وله الثغر ريقه عذبي :
عدت ، والعود احمد - للرحي
سم . الصدق - ( طه) محمد الشيبي " !
قلت : هذا ما كتبه الى مشكورا فضيلة الاستاذ الدفتر دار صاحب " اعلام المدينة المنورة " الذي ننتظر طبعه وصدوره بفارغ الصبر . . فقد انهى رسالته الكريمة بقوله : ) ان من اجمل ما طالعته من دواوين شعراء أهل المدينة ديوان الشاعر الفذ الشيخ حسن
بصنوى ، وهو في جلد واحد وفيه كثير من شعر الاحاجي والمعميات و ) الاوفاق ! وتواريخ بناء بعض الآثار والمنشآت ، والابتهالات والمعارضات والتخاميس والتهاني والمرائى وخطب الافراح وغير ذلك ( اه
وقد وعد فضيلته بنشر ترجمة الشاعر (البصنوى) رحمه الله في فصوله الممتعة ( أعلام المدينة المنورة ) .
وقد أردت ان يشاركني القراء في الاطلاع على ما سلف ذكره . . وفيه نموذج للادب فى الحجاز قبل قرن ونصف قرن تقريبا . . وهو لا يخلو من اطراف واتحاف . ونرجو ان يوفق استاذنا الدفتردار الى المبادرة باصدار مؤلفه الثمين ونشر ادب المدينة المنورة فذلك مما يتطلع اليه كل باحث ومنقب ومعقب . واسأل الله لنا وله التوفيق . . كما تضاف هذه . القصيدة الى ترجمة السادن الكبير عام ١٢٤٧ ه الشيخ محمد الشيبي رحمه الله .

