- ٢ -
يا قوم ! ان هذا الادب بضاعة كاسدة سأروجه بمبدأ (( خالف تعرف )) (( لسان حال الدكتور زكى مبارك ))
اشعر اليوم ، وانا اتقدم الى تحليل ادب (( الدكتور محمد زكى عبد السلام مبارك )) كما يدعو نفسه حينما تأخذه العزة بالادب ، بان على كاهلى حملا ثقيلا أهم باطراحه ، واشعر بان هذا القلم الضعيف برزخ الآن تحت هذا العبء الثقيل الذى لابد لى من تحميله اياه ويهم بالقائه ! ومن ذا الذى يستطيع أن يقدم على هذا البطل المغوار الصنديد ليضع ادبه على المشرحة ؟ ! . ولكنى ، وقد توكلت على الله العلي الاعلي ، صممت على المضى فى هذا التحليل ؛ وفاءا بحق الادب علي وها انا ، وقد بدأت فى (( عمليتى )) المرهقة احسست بان اعصابى بدأت تصطدم بهذه الصخور الصماء الحادة التى كدسها الدكتور المبارك على شواطئ أودية ادبه وحافات أنهر فكره ، فى مقالاته وقصائده وكتبه ، ومن ثم تحاشاه الباحثون ،
وتناءى عنه المشرحون ، حذرا منهم ان تنقض احدى هذه الكتل الحديدية الهائلة على دماغ احدهم وهو لا يشعر فتحطمه تحطيما اليما ... ولكن الامر انه اذا كان الدكتور المبارك يتسلح بسلاح الصرامة فى هجومه على خصومه ، ويحمل فنابل الصراحة فى دفاعه عن آرائه : افليس من حق هذا (( العبد لله )) ان يستعير جزءا من هذا السلاح الفعال من ادب الدكتور الكريم ، ليشعر بكفاءته لمبارزة هذا القرن العظيم ولو ساعة من نهار ؛ وهل يفعل الحديد سوى الحديد ؟! والآن وقد شعرت بان شرارة من روح اسلوب الدكتور قد تسربت الى
يراعتى فها انا امضى فى تشريحاتى . وكل املى من سادتى القراء ان يضفوا على ما اسطره ستائر الانصاف فما تدرعت الا بالصراحة ، وما تمنطقت الا بالاخلاص وما تعممت الا بحسن النية ، كما يقول دكتورنا فى جل مباحثة التى هى من هذا القبيل ...
(( خالف تعرف )) - حكمة قديمة وضعها الاولون ليدلوا بها على احدى حالات تنشأ مع بعض النفوس البشرية التى فطرت على حب الشذوذ والركون الى الخلاف لتستدعى بذلك ، تقدير الناس وجذب انظارهم نحوها .. ودكتورنا الجريئ وجد فى هذه الحكمة الغالية مادة حياته وا كسير اشراقه ، فآمن بمفعولها ايمان العجائز واتخذها (( قانون )) حياته الادبية ، فسعد حظه ونبه أمره ؛ وبرهن بالتزامه طاعة هذا القانون على انه مغرم بالوفاق وسلوك سبيل الوئام ، ولكنه جنح عنهما عمدا لحاجة فى نفس يعقوب . وتلك هى تقدير الناس له واكبارهم لادبه الجبار الذى شاده على صخور من الاغراب والخلاف . والناس بطبيعتهم ميالون الى اكبار الرجل الصنديد ، ولو كان فى كثير من نزواته يسئ اليهم فى اقدس ما يجلون ! خبر الدكتور الاغر الاسم ؛المبارك اللقب،هذه الحقيقة الاجتماعية وقدرها حق قدرها ، ومن ثم نظر نظرة فى (( نجوم )) الادب اللامعة فى صفحة سمائه قديما وحديثا ، واقسم ليرمينهم من قلمه (( برجوم )) تنزلهم من سمائهم الى ارضه ليرتفع هو الى السماء بعد ان يغرقهم فى الوحل والطين ، ويجعل ادبهم خبرا بعد عين ، يبدو زائفا لكل ذى عينين، وبينما هو يحكم الفكرة ويهم بالبدء فى العملية اذ لاح له كوكب ساطع النور ،ارتفع الى السماء حديثا وتبوأ منها برجا مشيدا ، ذلك هو استاذه ومربيه الدكتور (( طه حسين )) الذى طار صيته من منبر الجامعة المصرية واشتهر بجراءته الادبية ، على الهدم والبناء ، والنفى والاثبات ، والتشكيك
فى النظريات والحسيات والمرويات ، فقال الدكتور زكى ليكن طه حسين اول فرائسى ! واضمر له كيدا وصرف جل جهوده لهدم مركزه الادبى ... والدكتور زكي اديب جبار ، رائع الاسلوب قوى العارضة ، مطلع على الادب العربى والافرنسى اطلاعا واسعا وفى نظريات استاذه الد كتور طه جوانب من السمو والضعة ، والقوة والضعف ، والصحة والاعتلال ، وتلميذه الزكى اعرف الناس باسرار صحته واعتلاله ، ووجوه ضعفه وسموه ، فليدع نقط القوة جانبا ، وليوجه هجومه العنيف الى نقط الضعف فيه ، ليهدم منها صيت الدكتور طه حسين ، حتى إذا سقطت قلاعه المهلهلة على يد الدكتور زكي واحدة بعد اخرى يستسلم طه لهذا القائد المغوار الدكتور زكى مبارك ، وهنا يتقدم الزكى الفاتح لراية الادب العربى يحملها ، فيصبح عميده بحق ؛ وأميره بصدق . وثارت الحرب بين التلميذ والاستاذ .. أثارها التلميذ شعواء ضارية على استاذه ، فلم يترك له سقطة من السقطات ولا فلتة من الفلتات الا شهرها ونشرها ، واشاعها واذاعها ، ونادى بان من كان هذا علمه فهو ساقط العلم ومن كان هذا ادبه فهو فاشل الادب ومن كان هذا فهمه فهو رديئى الفهم ! وانى لمثله ان يستحق (( زعامة )) الادب فى هذا العصر الرشيد !
وفى الدكتور طه عناد عنيد ؛ يابى له ان يسلم بأن له جزء من الف جزء فى غلطات الفكر واخطاء الرأى ؛ وفيه بعد تكبر شديد وخنزوانة شماء عن ان يقر حالة يصول فيها عليه تلميذه وخريجه ، ومن اجل هذا كله كانت نقمته قاسية على الزكى المبارك ، وقد ازالت عنه رداء فضفاضا من النعمة ! فانصرف الى جيوشه ينظمها والى عتاده يعده ليوم الفصل وفى كل يوم يحمل بهما على برج الدكتور طه حسين ، لا يشكو مللا ، ولا يبالى فشلا ، ولا يصرفه المصلحون ، ولا يثنيه الوسطاء ومن جد وجد ، اذن فلابد ان تنجح هذه الحملات الادبية من الدكتور الزكى ولاغر وان تؤثر على مقام الدكتور طه حسين بعد كل هذا الاستمرار الطويل
العريض ، من الدكتور الصبور الصنديد الذي عبأ حملاته المتواليه طبق قول الشاعر الحكيم :
اطلب ولا تضجر من مطلب فآفة الطالب ان يضجرا
اما ترى الحبل بتكراره فى الصخرة الصماء قد اثرا
وهكذا كان فقد احس الدكتور المبارك بارتجاج نقط الضعف فى خصمه وقد نشأت له نظرات فى الادب ، اثناء هذه المعركة ، غير نظرات استاذه القديم ، فهو اذن سيستمر على حملانه عليه للنهاية ، ليقضى عليه ، من هناك ينشر آراءه باطمئنان على اثمارها وانتشارها اذ يصفو له الجو ، ويخلو له الوكر ، وهو يعلم ان نشر هذه الآراء على الناشئة والشباب لا يتسنى له مطلقا ما لم يقض على سمعة خصمه الذي يتسنم مرتبة الوصل والفصل فى الادب ، كره او احب !
ومضى الدكتور زكى فى حربه الشعواء ، حتى اذا شعر بخفة خطر مناضله واحس بتقدير ذوى الامر والرأى لادبه انصرف انصرافا ممقوتا عن هذه الحرب التى انتهى حكمها الى حرب اخرى اقوى اثرا فى النكاية بخصمه وكل من على شاكلته وتلك هي الاشادة بعلو منزلته ، وفلة غرب من يتعرض لمبارزته ايا كان ! ولم يجتزئ الدكتور زكى بهذا الاعلان وحده بل راح يفتش عن خصوم آخرين فوجد فى اثناء تنقيبه كثيرا من النجوم اللوامع فى العصر الحاضر والعصور الخوالى ، فراح يكيل لهم الطعن جزافا والنقد بغير حساب وهو فى نقده لاغلبهم يسمو حينا ويخفق احيانا .. ها هو فى كتابه (( النثر الفنى فى القرن الرابع )) الذى عده معجزة الاوان قد مضى يستلهم فيه خياله الخصب أغرب الافتراضات المريضة مرض ليلى بالعراق (١) ، وهى افتراضات قائلة مبنية على بحوث علمية جليلة ، وهكذا جاءت نتائج اقيسة الدكتور زكى فى النثر الفنى مخالفة للمقدمات فى المنطق والدلالة ، من ذلك انه بني مؤلفه على (( انه كان للعرب قبل الاسلام نثر فنى يتناسب مع
صفاء اذهانهم وسلامة طباعهم ولكنه ضاع لاسباب اهمها شيوع الامية وقلة التدوين وبعد ذلك البئر عن الحياة الجديدة التى جاء بها الاسلام ودونها القرآن (١) وراح يزعم ان العرب فى الجاهلية يعلمون النحو والاعراب والصرف وغيرهما من العلوم الادبية ، ومضى يقيم على هذه النظريات الهشة الف دليل ودليل ، وكلها مما فاض به بحر خياله المتلاطم .. واذا اردنا ان يجرى المنطق على غرار منطق دكتورنا المبارك فلنا أن نزعم بانه كان فى هذا الجو الذى نتنفس فيه والذى هو بين الارض والسماء شعوب حية طاعمة شاربة تكتسى ريش النعام ، متمددة القامة كجذوع النخل تسير فى الهواء باقدام مجنحة وكانت هذه الشعوب ذات حضارة وادب راق ونثر فنى وشعر بديع ، يتناسب مع صفاء ادهانهم وسلامة طباعهم ولكنهم بادوا ونسيت حضارتهم لشيوع الامية فيهم وقلة التدوين ولم يبق من آثار نشأتهم وحضارتهم الا الذكريات النادرة التى دون بعضها الشاعر . فى قوله . -
يا عمرو ان لا تدع شتمى ومنقصتى اضربك حتي تقول ( الهامة ) اسقونى
وما الهامة الا امرأة جبارة استبدت بشعوب الجو ايام حضارتهم فحرموها من الماء نكالا لها فصارت تولول دواما : اسقونى ! اسقونى ! ولكنهم منعوها عن الشرب حتى هلكت ...
هل سمعت يا سيدى القارئ بمنطق مستوحى من الخيال المحض كهذا المنطق اما انت فتقول لى . اجل ان هذا منطق مستمد فى اصله وفرعه من جو الخيال الخالص ولكنى انا ، وقد تقمصت روح ادب الدكتور زكى ومنطقه اصارحك القول بان ما رويته لك هو (( عين اليقين )) ، وبدورى اقيم لك عليه ملايين البراهين ، وسأصنف لك فيه تصنيفا ضخما واطبعه طبعا انيقا ، فى ورق صقيل ،
وامكث فى تأليفه عشرين سنية شمسية ، واصححه فى عام كامل حتى يتم تمامه فيظهر صحيحا رائعا ، مفصلا فنيا وادعوه (( حضارة الشعوب الجوية فيما قبل التاريخ )) وساعتز بكتابى هذا واشيد بان (( هذا الكتاب اول كتاب من نوعه فى لغة الانسان فهو بذلك اول منارة اقيمت لهداية السارين فى غيابات ذلك العهد السحيق (١) ))
ومن ثمار خيال الدكتور زكى زعمه ان القرآن من النثر الفنى الجاهلى ، ثم اخذه القرآن حجة على وجود النثر الفنى الجاهلى ! وقد نسى ان القرآن نزل بلغة العرب ، وان هذه اللغة ركب فى طباع اهلها البلاغة سليقة لا فنا ولا تفننا ، ولهذا لما سمعوا هذا الكلام الذى نزل بلسانهم حالما هو اسمى من لسانهم جدا سجدوا لفصاحته وآمنوا لبلاغته . حقا (( ان صاحبنا مفتون بنفسه اشد الفتون وهو يرى نفسه ازكى الناس ولم يخطر بباله ان الله انشأ انسانا اصح منه عقلا )) (٢) وهذا الاعتداد بالنفس والفكر آفة ما مثلها آفة على طمس معالم الايثار والتسامح والرضوخ للحق والبعد عن جموح النفس الامارة بالسوء ؛ ولكنه في نفسه آية من آيات الرجولة الناضجة والفتوة الشامخة والهمة العالية .
كتب الدكتور زكى شعرا ، وشعره من اللون المهلهل المقلد ، فليس فيه الا معان تقليدية ، وقد خلا جله من المعانى التجديدية وقد احسن صنعا بطبع ديوانه فى حجم ضئيل يتناسب مع ما يحتويه .
وكتب الدكتور زكى نثرا كثيرا فى صيغة مقالات نشرت في الصحف ، وفى صبغة مؤلفات مستقلة ، اطلعت منها على (( النثر الفنى فى القرن الرابع )) و
(( حب ابن ابى ربيعة وشعره )) و (( مدامع العشاق )) و (( الموازنة بين الشعراء )) و (( الاخلاق عند الغزالى )) . وانا اجزم ولا اتمتم بان هذا النثر كله زاخر بقوة الاسلوب وسمو التعبير وانا اجزم ولا اتلعشم بان هذا النثر مزدحم بعرض الشواهد وسوق الادلة ؛ واستعراض النقول ، مما يبرهن على مبلغ كفاح الدكتور فى رفع مستوى فكره ، ومما يبين عن سعة اطلاعه وغزارة مادته ، واحتفاله الرائع باحياء الادب العربى ونبثه من مدافنه ، ولو لم تكن له ميزة فى ادبه الا هذا لكفاه فخرا ، فان لدكتورنا المبارك فى كل ميدان ركضا ، وفى كل جو تحليقا وفي كل بقعة منجما ، ولو كنت ممن يعطى الالقاب فى الادب لسميته (( اديب العربية الجبار )) ، على ان لاعتداده بادبه وبنفسه اثرين مختلفين لدى انظار قرائه فمنهم من يعد هذا منه وصمة ودعارة غير لائقة ، ومنهم من يمجده ويرى فيه تمثال البطولة المغرى ، ولعل هذا النظر هو الذى بعث العراقيين لتقديره فانتدابه استاذا فى مدرسة المعلمين العليا ليغذي فى ابنائهم بناة مستقبلهم روح الطموح والاعتزاز بالنفس والثقة بها والدعوة الى حفظ الكرامة وحماية الذمار
ومن الانصاف ان نقول : ان الدكتور زكيا قد ارتطم فى فجر حياته أو ضحاها بتيار الحب الجارف فناضله واخيرا اسلم له القياد ، على نحيزة فى الصدر وشكيمة فى النفس وقد احدث اصطدامه بهذا التيار واستسلامه له ثغرة مشرقة فى قلبه ، تفيض بالعطر العاطر والاحلام اللذيذة والتخيلات الجميلة فى حياة الدكتور المتجهمة ، فهي لا تلبث ان تبدو فى صفائها من خلال اسرته العابسة كلما لجت به نزوات النفس الجموح الى نزق الصبا ؛ فردته الى ذكريات الحياة المرحة الطروب ولهذا السر بذاته تراه يجيد كل الاجادة فى (( حب ابن ابي ربيعه وشعره )) وفى (( مدامع العشاق )) ويسف كل الاسفاف ، فى (( النثر الفنى فى القرن الرابع )) ويتأرجح في (( الاخلاق عند الغزالى )) بين مرتبتى الارتفاع والهبوط .
ومن الحق أن نبرئ ساحة الدكتور زكى من وصمة (( الادب المعاد )) اى تأليف كتبه من مادة مقالاته ، شأن اكثر زملائه ، وهذا لا شك اثر من آثار العقلية الخصبة العبقرية التى لا ترضى بالدون ، ولا تقبل الهون
أما رأيى الأول والأخير فى أدبه فهو انه أديب من الطراز الأول فى عصره وأديب يسعى لينشئ أدب الجيل الذى بعد عصره ؛ أقول هذا لسمو هدفه و بعد مرماه ولعنائه الرائع فى البحث والاستقصاء برغم ما يصل اليه فى كثير من الاحيان من النتائج المتناقضة والآراء المتداعية .. ولله در ذلك الاديب السورى الذي قال فيه : (( ان دعوى الادب عند الدكتور زكى مبارك اكثر عنده من من الادب )) .

