لاأريد أن اتحدث عن الكتاب من جميع نواحيه ، ولا عن شخصية مؤلفه الفذة فان قلمي أعجز من أن يصورهما حق تصويرهما ، وحسبك ان تعلم انه ينبغى بل يجب أن تكون الكتب المؤلفة عن الصحابة على طراز هذا الكتاب ، ولا غرابة في ذلك فان الاستاذ الطنطاوى من الأدباء الذين أخذوا بقسط وافر وحظ كبير من الآداب ؛ فهو من أدباء العربية الممتازين فى هذا العصر ، ومن المصابيح اللامعة فى سماء الأدب السورى ، يضاف الى ذلك تمسكه بالدين الصحيح والعقائد الاسلامية الحقة ، لا يحيد عنها قيد شعرة . وما اسمى الانسان المفكر اذا تمسك بدينه ، وتغلغل فى العلوم . يعجب الانسان من استناده لمراجع عديدة واسفار هائلة ، غير مهمل كل ما قيل عن الخليفة الأول . انها لهمة علية لا تبالي بما يعترضها من المشاق . وفى الحقيقة ان هذا الكتاب ليس تاريخا لابى بكر فحسب ، بل هو تاريخ لعشرات من الصحابة رجالا ونساءا ، ولمثلهم من التابعين ،
فدأب المؤلف فيه أنه كلما مر على اسم احدهم فى اثناء بحثه ترجمه ترجمة صغيرة فى اللفظ كبيرة فى المعنى قد يستطيع القارئ الحصيف ان يدرس منها نفسية المترجم ، وكتابة الاستاذ كلها أدب مع مصابيح السنة الذين أمرنا بالاقتداء بهم. وقد تقرأ لكثير من المؤلفين والكتاب المعاصرين ، تراجم للصحابة فتجدهم يحاولون الطعن عليهم باسم البحث الحر ... والحق أنها بلوى أتت من المستشرقين واعداء الدين الذين يحاولون طمن الاسلام فى الصميم ؛ ومع هذا كله فانى أوجه على كتاب الاستاذ ملاحظة خفيفة هي عده شرحبيل بن حسنة من وجوه قريش ،
والواقع انه من كندة قحطانى ، كما حققه المرحوم الخضرى ، وكما يفهم من اكثر روايات (( الاستيعاب )) وانما نشأ فى قريش ، واسلامه قديم ؛ و ((حسنة )) أمه ، وهو أحد القواد الاربعة الذين أرسلهم الخليفة الأول لدك الدولة الرومانية ، وهم : شرحيبل هذا وأمين الامة : أبو عبيدة ، ويزيد بن أبي سفيان ، وداهية العرب : عمرو بن العاص .
وقد توفى شرحبيل سنة ١٨ هجرية وعمره ٦٧ فى طاعون عمواس هو وأمين الأمة في يوم واحد ، وقد ذهب فى هذا الطاعون عدد غير قليل من المسلمين رحمهم الله . وأخيرا اكرر اعجابى بهذا الاستاذ فقد استفدت من مؤلفاته ومقالاته. المدينة المنورة

