الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

لقاح الفكر

Share

أذكر وقفة لى فريدة لا تنسى امام تمثال فى بعض متاحف باريس . كان ذلك منذ سنين ولكن الذكرى ناصعة حية الى اليوم والاحساس أبدا ناضر طريف .

لم أكن أتصور او يخطر لى ــــ قبل اكتشاف » المفكر « لرودان ـــ انه فى وسع المعدن الصلد الموات ان ينافس الانسان بيانا وافصاحا ، وغوصا على ادق المعانى رمزا وتلميحا .

رجل في جلسة هادئة حازمة قد انحنى الظهر منه واسند وجهه الى يده مطرقا مغرقا فى التفكير .

ما ان وقع نظري على الصورة حتى اخذتني الدهشة والرهبة وشعرت باحساس غريب مبهم مزيج من روعة واعراض من فتنة ونفور كما لو كنت امام جسد يهم بأن ينبض حياة ويعتنق النور او هو قد سكتت عنه الحياة ولم يخمد بعد ولم يتجمد .

وتلك لعمري من اصدق آيات الابداع فى الفن وحجة من حججه الباهرات . جلال ودعة . عظمة دون بهرج ولا ضوضاء . قوة وهيبة ولا ثقل ولا كثافة .

بيد انى ، وقد خفت عنى الدهشة شيئا وزالت ثائرة الانفعالة الاولى ، اخذت أتلمس سر الحسن فى هذا التمثال وبدأت أدرك أن عبقرية » رودان « لم ننحصر البتة ، كما بدا لى لاول وهلة ، فى القدرة على التجسيد واشاعة الروح في الجماد وصدق التمثيل لهيئة من هيئات الانسان مهما تكن دقيق مستعصية .

كلا ! لم يكن غرض الفنان محض الشكل والصورة . ولم تكن همته لتقف عند مجرد  »التصوير « على ما فيه من خلق وروعة .

والا ففيم العرى؟ ولماذا اختار » لمفكره « هذا الجسم القوى المكتمل دقة صنع وبداعة تكوين حتى لكأنه جسد بطل من ابطال الرياضة ممن نصبهم لنا الاغريق مثالا للحسن على وجه الدهر .

أيكون قد وقع هذا عبثا واعتباطا ؟ او فتنة وهياما بالجمال الجسدى لا اكثر من غير لزوم ولا تبرير ؟

يخيل لي ان المثال قد قصد قصدا الى هذه الصورة بالذات ، عن وعي وبصيرة .

لقد عمد الى تمثيل نموذجه املس عاريا تجريدا وتنزيها وسموا به عن زيف الظواهر واقنعة الاباطيل . لا غاية له الا الحقيقة العارية الخالصة . الإنسان في جوهره الدائم لا يحده زمان ولا مكان .

فى العرى الصدق والبساطة . العرى اصالة وحرية

هذه درجة اولى من درجات » التعبير « وثمة ثانية ابلغ واروع تتمثل فى قوة هذا الجسم البارز العضلات قد تجمع كتلة جبارة متحفزة وادعة مستسلمة .

ماذا عساه أراد بهذا التناقض المجسد ؟

أليس هو قد أرانا رأى العين حالة التوتر القصوى التى يكون المرء عليها عند الاستغراق فى التفكير والتأمل فاذا بالكيان كله قد تجمع وتماسك وتركز غاية التركيز بل قد سخر تسخيرا تعبئة كلية لهدف واحد : الفكرة .

فيالها من طاقة ، كأنها الجزر العرم ، ارتدت الى باطنها وانطوت على ذاتها منقلبة الى الصميم منها !

لقد أرانا الفكر مستندا الى المادة منطلقا منها موجها اياها متحكما فيها .

الفكر كأنه السهم العرد مشدودا الى قوس الجسد .

لقد أرانا الفكر عينا ثاقبة تجوس الآفاق والاعماق صامدة تحدق الى كل صوب تتحسس النور هنا وهناك لا تنى تعدل نظرتها الى الهدف حصرا وشمولا حتى تزدوج بضالتها وتستوعبها استيعابا . .

سفينة سحرية امتطت يم الغيب ترود مجاهله كشفا عن جزر السعادة والخلود فيه ، يحدوها روح من المغامرة لا يشبع أبدا ولا يرتوى .

الفكر مركز الكون ودعامته . الفكر قاعدة الوجود اجمع .

هذه الألماسة الصغيرة الضئيلة . . كالقطة الضائعة فى فضاء اللانهاية . . . عجبا لها كيف لا ترزح ، كيف لا تنوء بثقل الكون كله ، على عظمته وجبروته وما فيه من هول وبلاء وجهد وشقاء وعبث وسخافة ؟ !

الفكر صلابة ومرونة كالعضل تماما طواعية واكتنازا . هنا دلالة الرمز . هنا مغزى الصورة . . .

وخرجت فجأة من حلمي على ثرثرة وفد من السياح فحييت التمثال على عجل نظرة مختلسة ولذت بالباب هاريا بنشوتى وهذياني .

اشترك في نشرتنا البريدية