ليس الدين موضوعا فلسفيا محضا بل انه يمثل مجال بحث مشترك بين جملة من العلوم التى قد تتباين أهدافها ومناهجها تباينا شد يدا احيانا .
من ذلك انه يهم التاريخ عامة وتاريخ الاديان خاصة من حيث نشأته وتطوره وتأثيره في العلية التاريخية وصلته " بقواعد السياسة وطبائع الموجودات وا اختلاف الامم والبقاع والاعصار فى السير والاخلاق والعوائد والنحل وسائر واختلاف الامم والبقاع والاعصار فى العصير زاك الاحوال " ( 1) .
ويهم الشريعة من حيث تأثيره المباشر أو غير المباشر فى تنظيم الهياكل والظواهرالاجتماعية والعلاقات الرابطة بين الأفراد والجماعات والمؤسسات ومن حيث دوره فى بناء الشخصية القاعدية وتنشيط الضمير الجماعى ...
ويهم علم الاجناس من حيث تدخله فى تجديد انماط العقليات وأشكال التجمعات .
ويهم علم النفس من حيث طبيعة الشعور الديني نفسه وأسباب نموه وأهميته في تحقيق توازن الشخصية وتيسير تكيفها فى العالم الخارجي...
وقد لا يكون من المبالغة فى شئ أن نعتبر الدين شاملا لجل المظاهر والأحداث العامة في حياة الانسان من الاعياد والمواسم وحفلات الختان ومرام الزفاف الى المواقف التى يتخذها حيال أبويه أو أولى أمره أو جيرانه او اليتامى أو الفقراء أو المجاهدين أو الشهداء أو المجرمين أو غيرهم . ..ومعنى هذا انه جزء لا يتجزأ من واقعه الموضوعي ومكون أساسى من مكونات حياته الذاتية .
والدين كاحد معطيات الواقع هو " مجموع السير والممارسات الدينية ، وهو ، من هذه الوجهة ، ظاهرة سوسيلوجية (2) متصلة اتصالا مكينا بمحيطنا وحضارتنا وتربيتنا ولكنه ، بتعريفه هذا ، لا يعنينا بصورة خاصة بل انه يستثير اهتمامنا بنفس الصورة التى تستثيره بها سائر الظواهر الاجتماعية الاخرى التى تحيط بنا مثل الجبال والبحيرات والغابات ... ولذلك يمكن اعتبار ظاهرة كهذه من جملة ما ورثناه من الاعراف والتصورات السابقة للع " Pre - Scientifiques ( 3 ) .
ومثل هذه الصور الحسية الدالة على أن الدين عنصر من عناصر الواقع الموضوعي وعلى انه ظاهرة تاريخية قابلة للتحديد ، لا تنفذ ، في مجموعها ، الى جوهر المفهوم أى الى طبيعة الايمان وماهية الحياة الروحية . ومهما جمعنا من المعلومات والمعطيات المتعلقة بالعبادات والتعاليم والتحديدات الثقافية والواجبات الاخلاقية وغيرها فاننا لا نتوصل الى تحليل مختلف أبعاد التجربة الدينية تحليلا شاملا ومرضيا .
وليس هذا مما يختص به دين دون آخر وليس فيه ما يفيد أن بعض المواقف الدينية الفردية أو الجماعية أعصى على الفهم من غيرها بل ان اهم ما يبينه هو انه من غير اليسير ان نعرف الدين بالدقة المطلوبة ودون أن نذهل بعض مقوماته وتأثيراته السلوكية الاساسية ، ولقد حاول العديد من الفلاسفة وعلماء الدين وعلماء الاجتماع وغيرهم ، سواء أكان ذلك فى الشرق أم في الغرب ، أن يضبطوا حقيقة الديانة Religion ومعنى الدين Religiosite ولكنهم مالوا فى كل ذلك الى تعريف الاديان من حيث هى معتقدات وطقوس تبلغها الاجيال السابقة للاجيال اللاحقة واعتنوا بالرموز الخارجية المميزة للمحيط الديني ولم يولوا الشعور الديني نفسه وأصوله ودرجات عمقه وأسباب استمراره وسيطرته على سلوك الفرد والجماعة ما هو خليق به العناية التى يفرضها دوره فى توجيه العلاقات وتحديد المسؤوليات وتبرير النشاطات والمواقف .
وليس غريبا ان تتميز آراء الدارسين لمفهوم الدين ببعض التأثر بانتماءاتهم الملية وحتى المذهبية (4) وأن تكون خاضعة ، بدرجات متفاوتة ، لبعض التيارات الطاغية على تاريخ ثقافتهم أو على سير حياتهم الحاضرة ولكن لا ينبغي أن تنشأ عن ذلك أخطاء متعمدة أو أعراض بدع تغيب فيها الخصائص الهيكلية في التجربة الدينية سواء أكانت يهودية أم مسيحية أم اسلامية أم غيرها . ونعني بالخصائص الهيكلية ما لا يندثر اندثارا كاملا بمرور الزمن ولا يتغير جذريا بمفعول الاحداث الظرفية والاحوال الطارئة والفروق الموضوعية وما لا يمكن بدونه أن نميز بين التفكير الديني الصحيح ورواسب الذهنية البدائيه (5) Mentalite primitive وبعض مظاهر السلوك السحرى ل Comportement magique كالشعوذة وغيرها.
وكثيرا ما تكون التأويلات المنحازة سببا فى تباين الآراء وظهور الاحكام المتطرفة وغير المستندة الى تعليلات عقلية مقنعة لأنها تنشأ فى الغالب ، عن أحكام مسبقة Prejuges تدفع بأصحابها الى الانتصار لدين دون آخر والى تفضيل ثقافة معينة على ثقافة أخرى كما لو كانت دراسة الدين منحصرة كليا فى مقارنة الملل وترتيبها وابراز ما يطبع كل واحدة منها من مظاهر ايجابية أو سلبية .
ولا تدعو الحاجة ، هنا ، الى استعراض مثل هذه الحالات اذ لو اقتصرنا على الدين الاسلامي وحده لاحتجنا في ذكر ما تعرض له من تحامل ظاهر ، الى دراسة خاصة ليس هذا مجال الاهتمام بها . وتوجد مثل هذه المواقف عند بعض المستشرقين الذين ينحرفون ، أحيانا ، عما يقتضيه البحث من تجرد واعتدال فيصدرون من الاحكام ما لا يطمئن له الدارس الموضوعي وان لم تكن له أية صلة ايديلوجية بالاسلام والحضارة الاسلامية .
ومنها ، على سبيل الاشارة ، ما أورده " ما كسيم رودانسون "Maxime Rodinson في كتابه الذي عالج فيه علاقة الماركسية بالعالم الاسلامي (6) من أن بعض الماركسيين السوفياتيين ) 7 ( يميلون الى الربط بين الاسلام وما أسموه بالاضطهاد العربى للشعب الفارسي والشعب التركى وشعب القوقاز بالاتحاد السوفياتى ويظنون أن الاسلام " خطير " لما له من شدة تأثير على معتنقيه ولما يمثله ، حسب زعمهم ، من ايديولوجيا اقطاعية" . ومنها ايضا ما كتبه ريمون شارل Raymond Charles (8) ليفيد أن المسلمين " متزمتون" وان ميلهم الشديد الى الاوهام والخرافات لا يتماشى والفكر الخلاق الذي يميز الغرب .
ولا شك فى أن كل دين يمكن أن يكون عرضة لمثل هذه الحملات التي لم نورد عينات منها الا لنلمح لمدى ما يمكن أن ينتج عنها من لبس وتحريف يزيدان مفهوم الدين تعقيدا ويصرفان الاهتمام عن حقيقته الجوهرية التى لا تتضح الا لمن وقف " موقف الناقد المحايد والعارض لتيارات هذه الحياة واتجاهاتها كما هى ، دون أن يصنع من نفسه تحويرا فى مجراها".. .
" وقد كان ذلك منهج بعض المؤلفين المسلمين - على الاقل وعدا به - أمثال محمد بن عبد الكريم الشهرستانى ). ..- ...( اذ يقول في المقدمة الثانية لكتابه " الملل والنحل" "; على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على ما وجدته فى كتبهم ، من غير تعصب لهم ولا كسر عليهم ، دون أن أبين صحيحه من فاسده وأعين حقه من باطله ، واذ كان لا يخفى على الافهام االذكية فى مدارج الدلائل العقلية لمحات الحق ونفحات الباطل " (9) .
ولعل اختلاف الآراء فى تحليل مفهوم الدين دليل عما لم يزل يتردد من أقوال ملخصها ان العقل عاجز عن فهم الدين فهما كافيا وان " هذا العج يكاد
أن يكون ضرورة لا محيص عنها يضطر اليها من يؤمن برسالة دون سائر الرسالات . فان رسالات الانبياء جميعا لن تخلو من فضائلها ومسوغات الايمان بها ولن تنحصر الفضائل ومسوغات الايمان فى رسالة واحدة " (10). على انه لا يصح أن يكون هذا العجز مطلقا حتى لا تكون علاقة الانسان بمعتقده علاقة الوارث الجاهل بحقيقة الموروث وحتى لا يتسم قيامه بالتكاليف بنوع من الآلية المستديمة التى تفقد ممارسته الدينية معناها الصحيح وتجعلها شبيهة بآية عادة من العادات التى تنغرس فى النفس فتقوى عليها وتفتك بارادتها.
ولئن لم يهتد العلم بمختلف فروعه ، الى تحديد واضح لمفهوم الديانة وأصولها البعيدة فانه يمكن القول بأن الانسان منذ أن امكن للتاريخ أن يعرف عنه شيئا ، وهو متدين يتبع طقوسا ويتمسك بعقائد بحيث يصح اعتباره "حيوانا متدينا " منذ بدء حياته وشروعه فى البحث عن نفسه وفي تساؤله عن الكون . ومن الادلة على ذلك انه يمكن أن نجد جماعة من غير علوم وفلسفات وفنون ولكننا لا نجد جماعة بدون معتقدات . ويمكن أن نجد مدينة بلا سور أو بلا سوق ولكننا لا نكاد نعثر على موطن عمرانى لا يوجد به مكان خصصه أهله للتعبد .
واذا ما تأملنا في أهم ما كتب عن الدين وحاولنا استجلاء أمهات الافكار التى قد تكون موضع اتفاق أو شبه اتفاق بين عامة المهتمين بالابحاث المتعلقة بالدين والسلوك الديني لامكن لنا حصر ابرز خصائص الظاهرة الدينية ( Phenomenne Religieux )في الابعاد الثلاثة اللاحقة :
أ - الايمان بالمطلق والتعلق بما هو مقدس : يقول أبو حامد الغزالي ( 1053-1111 ) " الايمان اسم مشترك يطلق على ثلاثة أوجه : الاول انه يطلق للتصديق بالقلب على سبيل الاعتقاد والتقليد من غير كشف وانشراح صدر وهو ايمان العوام بل ايمان الخلق كلهم الا الخواص ] و [ الاطلاق الثاني أن يراد به التصديق والعمل جميعا ...
] و [ الاطلاق الثالث أن يراد به التصديق اليقينى على سبيل الكشف وانشراح الصدر والمشاهدة بنور البصيرة " (11).
والايمان " عملية باطنية مبنية على الاقتناع والتصديق فهو اصرار واقرار فى الضمير . وهو صدق وتصديق واذعان للحقيقة واعتراف بها وانقياد تام . لنور المعرفة " (12). وبعبارة أخرى ، فهو قوة رابطة بين الانسان والقوة المطلقة التى يعترف لها بالسلطان عليه وعلى كامل العالم ويطيب له أن يشعر بالاتصال بها ويخضع لمشيئتها .
لذلك يرى شلير ماشر( 1763-1834 ) (13) Friedrich Schleirrmachher أن ماهية الدين تتمثل أساسا فى الشعور بالتبعية المطلقة ازاء اللامنتهي وأن هذا الشعور يصاحب الانسان فى جميع فترات حياته ويسيطر عليه فى تصوره لمنزلته فى الوجود ونسجه لصلاته بالقوى الخارجية طبيعية كانت أو ما وراثية . ولقد توسع " أطو " ( 1869-1937 ) ( Rudolf Otto ) في تحليل جملة من النظريات المجانسة لهذه ( 14 ) في كتابه الذي درس فيه المحرمات والطقوس والمقدسات والذى بين فيه بالخصوص أن ما هو مقدس " لا يخضع للعقل بقدر ما يخضع للعاطفة ، ولا يفهم ولكن يحس به " ( 15 ) وان الانسان يعيش تجربته الدينية من خلال ما توفره له ثقافته من كنوز التصورات والشعائر المستمرة جيلا بعد جيل دون أن يفتر الاهتمام بها والحرص عليها . وغالبا ما تكون هذه التصورات والشعائر نابعة من الايمان بقوة مطلقة تتجاوز الانسان وسائر المخلوقات ، وتسوس الافلاك والاكوان التى خلقتها وأخضعتها لسلطانها غير المحدود .
وحينما نادت الرسل الى الايمان بالله لم تعن غير هذه القوة التى لم تزل تحتل مكانة مرموقة فى التفكير الديني عامة . وهذه ، على سبيل التمثيل ،
رمضان الآيات القرآنية التى تدل على أن الايمان بالله أساس الديانه وعلى ان العبادة من أهم وأقدم الواجبات المقدسة المفروضة على الانسان بغض النظر عن الملة التى ينتسب اليها :
- " وما خلقت الجن والانس الا ليعبدونى " الذاريات : 56 - " ولقد أرسلنا نوحا الى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله " المؤمنون : 23 - " وابراهيم اذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه " العنكبوت : 16 - " والى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله " الاعراف : 65 - " والى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله " الاعراف : 73 - " والى مدين أخاهم شعبيا قال يا قوم اعبدوا الله " الاعراف : 85 - " وقال المسيح يا بني اسرائيل اعبدوا الله ربى وربكم " المائدة : 72 - " وما أرسلنا من قبلك من رسول الا نوحى اليه انه لا اله الا انا فاعبدونى" الانبياء : 25
ب - نظام العقائد والشعائر والقيم : يتولد عن ظاهرة الايمان شعور بنسبية القوة البشرية الفردية والجماعية وتوق إلى الطمأنينة يظهران في سعى المتدين الى الانصهار فى مجموعته الدينية فى مشاركته لأفرادها في الالتزام بما يضبطه نظام عقائدها وشعائرها وسلم قيمها .
ولو لم يشترك معتنقو الملة الواحدة في اقامة شعائرها والحفاظ عما تحتوى عليه من تفسير للوجود وتنظيم لشبكات العلاقات الرابطة بين الفرد وربه ، و بينه وبين نفسه ، وبينه وبين الآخرين لما أمكن لاى دين أن يدوم أو يساهم في حل المشكلات التى تطرح باستمرار فى مستوى الفرد أو فى مستوى الجماعة الكبرى .
لهذا ، يعتبر الايمان المشترك بالقيمة المطلقة دعوة الى التكيف فى مجال أوسع وأشمل من مجال المشاعر الفردية ونعني به المناخ الروحى الذى يلتقي فيه الفرد مع غيره بطلب ما يطلبون من هداية وأمن ويتضامن معهم فى اقرار مجموعة من القيم تكون لهم مرجعا في اختيار الاعمال وممارستها او فى مجابهة جميع الاحوال وخاصة اذا ما كانت غير منتظرة الحدوث أو غير مألوفة .
ومن أهم ما يتميز به هذا التضامن هو رفضه لضروب الانحراف عما هو متواضع عنه ومعترف به وتنشيطه الدائب للضمير الجماعى وتركيزه لقوة المجتمع الدينى كذاتية مستقلة حريصة على البقاء وكسلوك جماعي له معاييره الخاصة فى تأويل الظواهر الروحية والدنيوية . واذا كان المتدين ( L' homme Religieux ) مسؤولا ، بحكم ايمانه وعقيدته ، عن حماية نفسه بالرياضة والمجاهدة ، من التردى في مهاوى المحرمات والرذائل فلان الضبط الخلقي في النيات والاقوال والافعال مستمد من الضمير الدينى الذى يعدل بصاحبه عما هو محظور أو محرم ويرغبه فيما هو حلال على أساس تمييز شامل بين الخير والشر والثواب والعقاب .
ولا يهمنا أن نعرف اتصال هذا التمييز بالتفكير الاستدلالى أو انفصاله عنه بقدر ما يهمنا التأكيد على أن المحرمات Tabous تمثل فكرة قديمة جدا . ولعلها من أهم الوسائل التى كانت مستعملة فى المجتمعات البدائية لحث الفرد على التوافق على العرف الاخلاقي والاجتماعي الموجود .
ولقد حل الانضباط الفردى بالنواميس والقيم المشتركة محل هذه المحرمات فى صورتها الرمزية والخرافية بحيث يمكن اعتبار مظاهر الكبت وأشكال العصاب Nervose التى يعاني منها الانسان فى المجتمعات المتحضرة بدائل عن هذه المحرمات ونظائر لانعكاساتها الممكنة فى الحياة الذاتية خاصة ويرى المختصون فى التحليل النفسي Psychanalyse وبخاصة فرويد ( 1932-1856 ) Sigmond Freudان الاعراض العصابية ناتجة ، فى الغالب عن تصارع الرغبة المكبوتة والقوة الكابتة أخلاقية كانت أو شبه أخلاقية وأن " المحرمات لا تعدو أن تكون تعبيرا اجتماعيا عن الصراع . وهي فى صميم طبيعتها متناقضة وجدانيا وتتضمن اتجاها مزدوجا من الرغبة والخوف ومن الجذب والدفع " ( 16) .
ج - التنظيم الاجتماعى : يرتكز التنظيم الدينى على أصول أساسية تتناقلها الاجيال الواحد بعد الآخر وتهتدى بها فى مواقفها وتجاربها وتهرع اليها فى حالات التوتر ( Etats de Tension ) التى قد تهدد أمن المجتمع وتوازن أفراده وهياكله
ومؤسساته ، والمقرر في المقابلة بين الديانات " أن المجتمع الانسانى يتطلب نصيبه من الديانة وان لم تشتمل على نصوص تتعرض للسياسة الاجتماعية لأن الديانات جماعية وفردية ، بل هي ألزم للجماعة وأولى بالقيام بين ظهرانيها لان ضمائر الافراد لا تنعزل بأعمالها عن شركائها فى الحياة الاجتماعية . وعلى ما فيها من الصلاح والفساد تنتظم تلك الحياة أو ينتقض فيها النظام " ( 17) . فليس من طبيعة الدين ان يتجنب المسائل الاجتماعية أو يتخلى عما يعترض الانسان من قضايا مادية اذ أن رسالته الاساسية تتمثل فى احكام التكامل بين المطلق ((Absolu والنسبي (Relatif)أى بين ما هو خالد (Eternel) وما هو تاريخي( Historique ) فهو، اذن أساس الاندماج الاجتماعى ومنبع المثل وأرضية العلاقات الدنيوية . وهو الذى يوفر للكائن البشرى اطار تفكير وعمل يجد فيه من النماذج والامثال ما ييسر عليه التلاؤم مع محيطه الثقافي وصوغ بنيته العقلية (Structure mentale)صوغا يشده الى ذاتيته ويجعله حريصا على استمرار التوافق بين أعماله ومعتقداته .
ولا شك في أن تعرض الدين ، بالمعنى العام ، للتنظيمات الاجتماعية وصيغ الاصلاح الاجتماعي ومراميه من أبلغ ما يفصح عن اتساعه للسياسة والتشريع وعن اهتمامه بأحوال البيئات ومستقبلها . و " كيفما فسرنا الدين ، وسواء اكان اجتماعيا بالجوهر أم بالعرض ، فان ثمة ناحية لا سبيل الى الشك فيها وهي أن الدين قد قام دوما بوظيفة اجتماعية : وهذه الوظيفة معقدة ، اختلفت باختلاف الزمان والمكان . على أنها ، فى مجتمعات كمجتمعاتنا ، هي العمل على تدعيم مطالب المجتمع وشد أزرها ، وقد لا تقف عند هذا الحد الا أنها تبلغه فى اقل تقدير ... فكما أن الصورة الإفلاطونية هي الحقيقة الكاملة التامة التى لا نري في هذا العالم الا محاكيات فضة لها فكذلك الدين ينقلها الى عالم جديد ، ما مؤسساتنا وقوانيننا وعاداتنا الا محاكاة بعيدة لبعض نقاطه البارزة ... وهكذا فان الدين يزيل ما بين الامر الاجتماعى والقانون الطبيعي من فوارق " ) 18( .
فالدين من حيث هو نظام من العقائد والقيم والاحكام يهدف الى تحقيق التوافق بين حاجات الانسان وامكاناته وبين أفعاله ومثله المستمدة من محيطة الروحى الشامل ويربى فيه ارادة الخير والتعاون وادراك الجمال والتفتح على الحب ليرتفع به الى تركيب أكمل وأغنى من تركيبه الطبيعى والاجتماعى ويجعل منه " خليفة الله فى الارض " .
لذلك لم تتمكن الايديلوجيات المعارضة للتجربة الدينية على استقطابها لاهتمام الناس وتزايد تأثيرها على الاجيال الجديدة وخاصة فى عهد النهضة التقنية المعاصرة ، أن تصد الدين عن مواصلة الانشغال بقضايا الانسان سواء أكانت مجردة أم عملية ، وسواء أكانت متعلقة بالعلاقات داخل الاسرة أم بالواجبات حيال المجموعة أم بالمراسم والمواسم المشتركة أم بالعمل والانتاج أم بتصور الغد الافضل والشوق اليه . بل انها لم تتمكن من سلبه هذا السلطان القديم الكبير الذي بدا لماركس ( 1818-1883 ) (Karl Marx) "أفيونا " بالنسبة الى الشعب والذى لم يزل قائما فى صفوف الملايين العديدة من البشر العاملين ، أني وجدوا ، وكل حسب طريقته الخاصة ، على تحسين منزلة الانسان والتقدم به نحو ما ينشده من سعادة وسلام .

