الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

مطالعات، في السيرة

Share

-٢- مجرد خواطر ، اثارها ضباب الارتباك ، وقصور الادراك ، اطرح خواطرى ، لذوى العلم والمعرفة ، مؤملا ان ينقشع ضباب هذا الارتباك ، لقد كرست سويعات من يومي ، اعيش فيها في جلوة من خلوة فيها التجلى المؤنس من السيرة العطرة ، لقد كان في طريقي وانا امتع الروح بصفاء نورها الوهاج ، ما حدث لى في نقط تقاطع ، وقفت معها حائرا ، أى الاتجاهات أسلك ، فالى من سلك ووصل ، أقدم خواطرى ، لا عدمت المهديين الهادين الواصلين ، اسئلة اطرحها ابغي من ورائها العب من عين الحقيقة .

هل كانت عائشة رضى الله عنها ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم الى بدر ؟

كانت واقعة بدر الكبرى في يوم الجمعة ١٧ من الشهر التاسع في السنة الثانية من الهجرة وقد كانت تسطر صفحة من الايمان المتدفق ، بلا تحفظ ، حفظها التاريخ في سجله الخالد ، سطرتها أقلام مجيدة على مر العصور ، وللامامين ابن اسحاق وابن هشام ، قصب السبق ، رحمهما الله .

هذا ابن هشام ينقل فى سيرته فى الصفحة ١/٦٢٨ عن ابن اسحاق ما نصه :

(( قال ابن اسحاق : وحدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها ما قال فيه ( قالت : لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب ، طرحوا فيه ، الا ما كان من أمية بن خلف ، فانه انتفخ فى درعه فملأها ، فذهبوا ليحركوه ، فتزايل

لحمه فأقروه ، وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة ، فلما استقروا في القليب ، وقف عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أهل القليب ، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فانى قد وجدت ما وعدنى ربى حقا ، قالت (( يعنى عائشة )) فقال له أصحابه : يا رسول الله ، أتكلم قوما موتى ؟ فقال : لقد علموا ان ما وعدهم ربهم حق . ثم عقب على ما قالت بقوله : والناس يقولون ، انه صلى الله عليه وسلم قال : لقد سمعوا ما قلت لهم وانما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد علموا .

وفي ذيل السيرة قال المحشى : قال السهيل : ( وعائشة لم تحضر وغيرها ممن حضر أحفظ للفظه عليه الصلاة والسلام )

والذى نقل عن السهيلى فيه جزم بعدم حضورها رضي الله عنها والذى رأيت في كتاب وفاء الوفاء وفي الصفحة ١١٨٩ عند ذكره (( حرة الوبرة )) انه قال ما نصه : (( ولهذا صح في مسلم : عن عائشة رضى الله عنها قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدر : فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل ، قد كان يذكر عنه جرأة ونجدة ، ففرح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين رأوه ، فلما أدركه قال : يا رسول الله ، جئت لأتبعك وأصيب معك . قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : تؤمن بالله ورسوله ؟ قال : لا . قال : فارجع فلن استعين بمشرك . قالت : ثم مضى ، حتى اذا كنا بالشجرة - أى بذى الحليفة - أدركه الرجل . فقال كما قال أول مرة . فقال النبي

صلى الله عليه وسلم كما قال أول مرة . قال - أى الرجل - : لا . قال : فارجع فلن أستعين بمشرك . قال : ثم رجع فأدركه بالبيداء ، فقال كما قال أول مرة . تؤمن بالله ورسوله . قال : نعم . قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : فانطلق.

هذه عائشة رضى الله عنها تصحب الركب النبوى في ظاهر حرة المدينة مما يلى العقيق من ناحية المدرج : ثنية الوداع الغربية ، الى آبار عروة بن الزبير وفي طرف الطريق بئر السقاية ، هذه عائشة رضى الله عنها تقص حادثة رأتها وسمعتها وتنقل مراحلها ، والحوار الذى دار فيها ، بلفظه وما تم حياله والحديث ينقله السمهودى عن صحيح مسلم بدرجة الحديث الصحيح.

وأورد المجد - كما نقل السمهودى - عن عائشة رضى الله عنها قالت : أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاحد بملل على ليلة من المدينة ، ثم راح فتعشى بشرف السيالة ، وصلى الصبح " الثاني " بعرق ظبية .

انها تنقل في رواية المجد خطة السير بدقة بالغة : روحة ، وسرية ، وغدوة ، مضت في كلتا الروايتين الى ما يقارب أربعين ميلا فى خلالها سواد وبياض ، قالت في الاولى : حتى اذا كنا ، فأذن هى واحدة دخلت ضمن ضمير المتحدث عنهم ، عائشة رضى الله عنها حديثة عهد بالمدينة فكيف بأطرافها ولو لم تكن ظعينة ، فكيف رتبت مراحل الطريق ومجريات الحوادث ، واذا كان حديث مسلم بدرجة الصحيح وأكده ما نقل عن المجد فهذا مستلزم لحضورها لواقعة بدر الكبرى ظعينة

لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا ما يتبادر للذهن ، وان لم يأت ذكرها فيمن حضر بدرا فيما نقل عن ابن اسحاق ، حضورها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى بدر الكبرى ظعينة ، ويثبت ان ما قالته هو الصحيح الثابت.

والذى يثبته الواقع ومما نقله ابن سيد الناس فى عيون الاثر : عن ابن عائد بسنده عن أبي طلحة : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان اذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاثة ، فلما كان يوم بدر ، أقام ثلاثا ، وألقى بضعة وعشرين رجلا من صناديد قريش ، في طوى من أطواء بدر ، ثم أمر براحلته فشد عليها رحالها فقلنا انه منطلق لحاجة . فانطلق حتى وقف على شفى الركى فجعل يقول : يا فلان يا فلان ابن فلان . فى هذه الرواية حصر في الركى وتعداد في القتلى وصل الى سبعة وعشرين شقيا . وفي رواية عروة : القليب الذى فيه بعضهم ، وذكر تفسخ أمية بن خلف مما اضطرهم الى القاء ما غيبه من الحجارة والتراب عليه . والذى أفهم من هذا تعدد القلب التى ألقيت فيها قتلى قريش.

والذى بقى أن أشير اليه هو تعيين الجهة التى فيها القلب هذه والركى على ما ظهر لى في تحديد الميدان ومراكز الجيشين فمن سير الواقعة ، يظهر أن مركز الجيش النبوى كان في منطقة النخيل ، حيث يوجد مركز القيادة (( مسجد العريش )) واذا كانت فريش قد أقبلت من كثيب العقنقل الواقع

في الجنوب الشرقى من بدر حتى قطعت وادى العقنقل ، لتواجه في تركيز قطعات جيشها ، جيش المسلمين فيكون مركزها ما يلى غربى مجرى الوادى مما فيه اليوم المقاهى ومسجد الجمعة وهذا يفرض أن يكون الميدان في مكان سوق بدر القديمة ، وحيث نقل ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر ببعض القلب (( وهو ما كان بين مركز الجيشين )) فقورت وليس من المعقول أن تنقل جثث قتلى قريش التى مر عليها اليومان والثلاثة من مكان الميدان الى أبعد منه فتكون ناحية القلب والبرك التى ضمت أجداث المجرمين في الناحية التى ما بين السوق والنخيل الى جهة الشمال أقرب الى السوق القديمة وحيث القلعة التركية اليوم وأمس . ولعل فى وضع القلعة فى هذا المكان ما يشير الى ميدان القتال . وكانت الحكومة العثمانية كثيرا ما تتحرى الآثار ، وفي المغرب عنها الناحية التى ذكر المؤرخون نزوله صلى الله عليه وسلم فيها والتي كانت تعرف بالدبة . وكلمة الدبة لا تزال البادية الى اليوم تستعملها للجبل الصغير المنفرد فى قاعه وأذكر منها دبة رن بين العيص وينبع النخل ، ودبة المستعجلة قديما وحديثا وتعرف اليوم دبة بدر برقاب على ولى ميدانها اليوم مدرسة بدر . الا ان هذا المنزل تركه النبي صلى الله عليه وسلم الى المنزل الثاني وفى مكانه مسجد العريش فأذن وجود القلعة ما هو الا اشارة للاتجاه نمقط . ولو كانت للتعيين لانقلب الوضع مما لا يتفق وتركيز الجيشين والميدان.

( المدينة المنورة )

اشترك في نشرتنا البريدية