يعزو كثير من الباحثين والدارسين ازمة الشعر الى عناصر عدة منها المدرسة ، ( فحظ الشعر فى مناهج التعليم زهيد ، وضرر طرق تدريسه اكثر من نفعها ) ، ومنها الجمهور ( الذى اصبح يؤثر المتع الرخيصة على المتع الاستيتية ) ، ومنها دور النشر ( التى تفضل لاسباب تجارية اسخف القصص البوليسية على احسن ديوان شعري ) ، ومنها الصحف والمجلات ( التى لا تحاول رفع مستوى القارىء فتقتصر على تملق غرائزه ) ، ومنها بصفة خاصة النقد الادبى .
جناية الناقد على الشعر هى انه لا يحله فى مقالاته المكانة التى يستحقها فهو اذن لا يخبر قراءه بالحركة الشعرية . ثم انه اذا تحدث عن الشعر كان ضعيف الاحساس بالجمال قليل الانفتاح للقيم الفنية الصرف . وكثيرا ما تراه عديم الصبر عجولا لا يتروى ولا يتفهم فيقتل المواهب الواعدة فى المهد بجرة قلم . كما يعاب على الناقد ما يتأثر به فى الكثير من الاحيان من عوامل الامتنان والمحسوبية على حساب الفن فتراه يرفع من مكانة هذا الشاعر عن غير جدارة لما يربطه به من علاقات مختلفة او لما له عليه من افضال . والنقد الذى يمدح افراطا فى التزلف او فى الحلم او فى التواطؤ ، ولا يحطم المسخ من الشعر ، يساعد بلا ريب على استفحال الازمة . اضف الى ذلك الاخطاء العفوية فى التقدير . ان تاريخ الادب يثبت رغم تكهنات النقاد انه لا يبرز ولا يخلد من كل جيل سوى شاعرين او ثلاثة ولا يبقى من كل شاعر سوى قصائد قلة يرددها الناس وتؤثر في الادب وكثيرا ما يحط التاريخ من قيمة شاعر رفعه النقاد فى حين يرفع من شان شاعر آخر اهملوه أو غفلوا عنه .
كل هذه العوامل والاعتبارات هى التى تجعل كاتبا مثل جورج مونان G . Mounin يرى ان النقد غير مسؤول عن ازمة الشعر مباشرة اذ لا نستطيع ان نعيب عليه سوى انعدامه .
لو ضبطنا الميزات والخصائص التى ينبغى ان يتصف بها نقدة الشعر ادركنا
بالفعل قلتهم ونقائصهم الفادحة . ولا يمكن لنا ضبط ذلك ما لم يتم الاتفاق على بعض المسائل الجوهرية .
هناك من يقول " الشعر يشم ولا يحك " ان يبغى ان نستسلم للقصيد يسرى خدره فى انفسنا دون ان نحاول شرحه وفك رموزه . وهذا راي لا نؤيده اذ هو يجعل مهمة النقد تقتصر على الاستحسان والاستنكار عن طريق الحدس فقط ، وبالتالى يجرد النقد من مهامه . نعم ، ان الشعر لا يتحمل عملية التشريح المدرسى ، ولكنه يغنم كثيرا اذا تم شرحه بطريقة ذكية حساسية نافذة . فشرح الشعر لا يعنى تحويل النظم نثرا بل هو ابراز لنوايا خفية ، وتنبيه لمواطن جمال تبرقعها غلائل ليست دائما شفافة ، وهو ايضا نفاذ الى الروح الشعرى ، وتلبس جديد بالحالة الشعرية ، وكم يزداد القصيد عندئذ جمالا وروعة بعد شرحه . ثم ان شرح الشعر اصبحت تحتمه التجارب الفنية الحديثة ، فالشعر مضطر الى الاغماض اضطرارا . إننا لا نشك فى وجاهة نظرية " بوالو " القائلة بان وضوح التعبير مرتبط بوضوح التفكير ، ولكن ما الحيلة اذا كان التعبير قاصرا عن الاداء ؟ إن اللغة اقل تطورا من تطور الافكار ، ولذلك ينشأ احساس بالغموض فى كل تعبير عن افكار وصور جديدة . وعلاوة على عجز اللغة عن الاداء فان الكلمة الشعرية لا تخلو من اغماض طبيعي ، فهي موحية قبل ان معبرة . فالغموض الشعرى اذن حالة طبيعية نقبلها ما لم تتحول إلى طريقة أو عقده نفسية . وكل شعر جديد ينعته معاصروه بالغموض حتى لو كان واضحا كالشمس . ومهمة الناقد هى فك رموز ذلك الغموض ولا يتاح ذلك الا اذا درس الشعر دراسة كاملة شاملة عبر العصور ، فاحصا جميع مدارسه ومحاولاته ، مقلبا مختلف النظريات بشانه ثم انه يحسن بل بتاكد ان يكون الناقد شاعرا او ان يحمل فى جوانبه قلب شاعر . هل كان يمكن لابى النقد الحديث " سانت بوف " ان يطور النقد وان يرتفع به الى مستوى الخلق لو لم يكن هو نفسه قصاصا وشاعرا ؟
ما زال عدد كبير من الشعراء يعتقدون ان الشعر هبة من السماء لا تخضع لناموس الطبيعة ولا تدخل فى نشاط الذكاء البشرى العادى . ليس من شك فى ان لكل فن سره ، اذ هو مفاجآت وانطلاق مع المجهول واكتشاف للمطلق . ولكنه ليس وحيا بالمعنى الدينى ، مع ما بين الشعر والدين من قرابة ( فالاول قد سبق الثانى وساعد على بعثه وهو يلفه دائما بالصور والاخيلة و الافكار ) . و الناقد المتبصر هو الذي يقرب الفن من الانسان بادماجه ضمن حلقة النشاط الفكرى البشرى ، وهو الذى يثبت ان الشعر تعبير عن اهتزازات الانسان ، واحاسيسه ، وافكاره وخياله بواسطة الكلمة الموسيقية ، فتتغنى به الأجيال لما تجده فيه من صدى لاهوائها و انفعالاتها و من حضور انسانى مستمر . وهكذا يساعد الناقد الشاعر على التبليغ . فالخلق الفني رسالة تنتظر الرد . وقبل ان يحكم الناقد للشاعر او عليه ينبغى ان ينبهه الى مميزاته ، ويدله الى طريقه و الى
المزالق التى تترصده ، ولئن لم يخلق الناقد الحركات الشعرية فهو الذى يقننها ويكتشف تياراتها ويوضح مناهجها .
يتعاطى النقد الاختصاصيون والمؤلفون انفسهم ويبدو ان الناقد المختص يلح فى نقد العيوب ، بينما المؤلفون يتميزون بنقد المحاسن . ولا تخفى دقة مهمة الناقد وصعوبتها ، فالنقد احسن وسيلة لكسب العداوات ويعود ذلك الى حساسية الكتاب خاصة إذا كانوا ضعافا بالفعل ، هذا من ناحية ، والى عدد من النقاد قصروا عن الخلق فقاموا غيرة وحقدا في وجه كل من يكتب متسلحين باقلام والسنة تقطر سما . على ان بعض النقاد يتعرضون رغم نزاهتهم وكفاءتهم لعداوات تتسبب لهم فى عدد من المشاكل تتجاوز الحياة الادبية احيانا . فهل ينبغى ان يتنازلوا وان يجاملوا لتحاشى تلك المشاكل ؟ اظن انه من الافيد لهم وللادب ان يهملوا التفاهات وان لا يهتموا الا بما يستحق العناية .
نشر شاعر انكليزى شاب ديوان شعر عديم القيمة واهدى منه عددا وافرا من النسخ للصحف والنقاد فلم يظفر منهم بكلمة واحدة ، فشكا امره الى كاتب كبير ، هو " برنارد شو " ان صدقتنى الذاكرة ، قائلا له : انا لا انتظر منهم مديحا ، اريد منهم ان يشيروا الى ديوانى ولو بالشتم . انها مؤامرة صمت دبرت ضدى ، فبم تنصحنى ؟
- قال : انصحك بان تنضم للمؤامرة ... - نعم يجب أن تدبر مؤامرة صمت ضد كل عمل لا يشرف الفن ، ضد كل خلق ممسوخ .
الشعر مع الاسف عنوان كثيرا ما يغطى بضاعة رخيصة . لكل فن مزيفوه ، ومزيفو الشعر متعددون . ما اكثر ما نطالع قصائد مزحوفة زاحفة ، تقصر عن السمو الى الاجواء التى تحلق فيها القيم الحقيقية . ولا يخلو عصر من العصور من فئة من النظامين يغطون التفاهة تحت بهرج الكلمة وكان يساعدهم على ذلك الاسفاف فى الماضي عندما كانت الزركشة اللفظية غاية من ذاتها ، نقد شكلى عقيم ، وفى الحاضر نقد يدعى ضرورة جعل الفن ديموقراطيا بنزول الفنان الى مستوى البسطاء والمحرومين من المعرفة . وديموقراطية الفن لا تتم في الحقيقة الا بنشر التعليم وبمفعول تربية واسعة ناجعة ترفع الطبقات الشعبية وتنهض بها الى مستوى الفن . لقد اكدت الامسيات الشعرية ان الجمهور لا يطرب ولا يتحرك الا للشعر الذي يضحكه بما يحويه من طرافات رخيصة . ولكن الاناقة واعمال الفكر فى الفن لا يبرران لجوء الشعراء في فرارهم من الاسفاف ، الى الغرابة المقصودة التى سرعان ما تتحول الى عبث واستهتار بالسامع او القارىء ، والى خدش للذوق والعقل .
الناقد هو الحكم فى مثل هذه القضايا ، وهو الخبير الذي يميز الحجارة الكريمة من الحجارة المزيفة ، وهو بالنسبة للشاعر والقارئ بمثابة وسيط بين منتج
وبين مستهلك ، يرشد الاول الى طرق تحسن انتاجه ، ويخلق فى الثانى الحاجة الى الاحساس كما يخلق المربى فى التلميذ الحاجة الى المعرفة ، بما يفتحه من البصائر على اسرار الخلق الفنى .
ليس ثمة فن بدون كد ومعاناة ، اى بدون مادة يعالجها ويكيفها الفنان . وعمل الفنان هو انتاج الجمال . والشاعر مثل الرسام والنحات يجتهد ويجهد . والناقد هو الذى يقدر عمل الفنان وهو الذى يذكر الشاعر بضرورة العمل وبان الشعر التلقانى عبث واعتباط ، وبان الكلمة لا تصبح مولدة للجمال الا بعد تحويلها عن غايتها العملية اى بعد نزعها من اطار الاستعمال العادى . وهذه القاعدة يمكن تطبيقها على النثر والشعر على السواء ، فالناثر يختار وينضد كلماته هو الآخر . والحدود بين طريقتى التعبير هذه وتلك ، ليست فاصلة قاطعة ، فالكلمه الشعرية تقرب من الفن الموسيقى والكلمة النثرية تقرب من الفنون التشكيلية .
ما هى عدة الناقد لاستيعاب ما يحف بالخلق الفني من اسرار ومعطيات دقيقة علاوة على ثقافته وذكائه واخلاقه ؟ - حدسه وذوقه طبعا .
" الاذواق تختلف "،" الاذواق لا تناقش " ، " ان ما تراه قبيحا قد يجده غيرك جميلا ".. الى آخر هذه الكليشيات واشباه الحقائق التى ليست من الذوق فى شىء . فما هو الذوق اذن ؟ - انه الاحساس السليم بما هو جميل او قبيح ، بما هو متوازن او مختل ، بما هو منسجم او منشز . هو كما قال رونى والتز ) Rene Waltz حاسة تحل بالنسبة لعلم الجمال محل الضمير بالنسبة للاخلاق . وكما انه لا يمكن ان تختلف الضمائر فى تقدير الفضائل والرذائل ، لا يمكن ان تختلف الاذواق فى تقييم الجمال والقبح . والناقد مسبؤول إلى حد ما عن تهديب ذوق معاصريه لا بفرض احكام مسبقة او بسن قوانين وقواعد لا محيد عنها ، او بجعل النقد علما بالمفهوم المسند اليه فى القرن التاسع عشر ، اذ هو لا بصبح علما الا اذا تجاوز الادب ، فالخلق مادة حية تشترط في من يمسها المرونة والتحرر والعطف ، حتى تتطور وتنمو فتتولد عنها افكار اخرى وتصبح مناسبة لخلق جديد . والنقد حكم على المواهب وطرق ملامسة سر الحياة والكون قبل انن يكون حكما على النظريات والآراء ، فهو لا يعتمد حقائق جمالية او اخلاقية قابلة للجدل ، بل يعتمد الحقائق الفعلية .
مهمة الناقد اذن هى وصف الآثار وشرحها وتاكيد اصالتها وطرافتها ، وضبط علاقتها بالمؤلف وبالتاريخ الادبى العام وبالقوانين الخاصة بالنوع ، وبالوسط الذى ظهرت فيه . والنقد تبصر وانتباه للحدث الشعرى السائد ، وإحلاله الميكانه المرموقة . وهى مهمة تحليلية تجرد القصيد وتشرحه كاثر فى ذاته ، وتأليفية تضبط منزلة الاثر وتدمجه في سلسلة الآثار الفكرية الاخرى .
قال " جول لوماتر " Jules Lemaitre متحدثا عن الناقد الكبير " برونتيار" Brunettiere " بينما هو يقرأ كتابا ، يمكن القول بانه يفكر في جميع الكتب التى الفت منذ بداية الخليقة ، انه لا يمس اثرا دون ان يصنفه ، الى الابد "
من مهام الشعر الاساسية ان يعيد الانسان الى ذاته وان يدله الى اعمق رغائبه ومطامحه ، وان يغير العالم وفقا للمثال الذى ترسمه تلك الرغائب والمطامح وهذه المهمة تكتسى اليوم اكثر من اى وقت مضى اهمية عظمى ، اذ يعيش الانسان بمفعول تقدم التقنية شبيها بالآلة ، وانك لتتصفح وجوه الغادي والرائحين باحثا عن ملامح الانسان فتكاد لا تجد لها اثرا . واذا كانت مهمة الشعر اعادة الانسان الى جوهره فان الناقد النير هو الذى تنجلى تحت قلمه هذه القيم الشعرية .
كل حركة ادبية لا يمكن لها ان تتطور وان تنمو ما لم يساندها النقد ، فالنقد هو الذى يبلور الوسائل والغايات من كل حركة خلق ، وهل كان للشعر ان يفهم لولا ما بذله النقاد من مجهودات فكرية وتاملات عميقة حول مدلوله وابعاده ؟ لقد استنبط النقاد تعريفات متعددة متباينة للشعر كان لها تاثير بعيد فى توجيهه وتركيزه بالرغم من انها لم تستطع ان تلم بجميع جوانبه فالشعر مادة حية نامية لها ما للحياة من اسرار وآفاق لا تحد .
لكن حركة النقد الخلاقة المؤثرة بالمفهوم الموما اليه ينبغى ان تكون متفتحة لكل انتاج جديد ، لكل محاولة تجديد ، فالتجديد من شواهد الحياة النامية ، اشير من وراء هذا الى وجوب النظر الى حركة الشعر الحر نظرة فاحصه فيها تقدير للجهود المبذولة ، نظرة تستخلص حصيلة هذه الحركة التى افادت الشعر بلا ريب رغم ما آلت اليه من اعياء واجهاد ، فقد رسمت هذه الحركة التى تنشد الحرية حدودها بنفسها اذ هى تصرفت في عدد التفاعيل ولكنها انحصرت فى عدد من التفاعيل ظلت تتخبط بينها وعاد الشعر ينشد الحرية من جديد . والناقد هو الذي يسجل نتائج التجربة الحالية ويتكهن بنوع التجربة القادمة ويساعد على بعثها ، بما له من حدس وذوق وبما اكتسبه من معرفة بقانون التطور الطبيعى فى الفن بفضل ممارسته لجميع اصناف الشعر فى العالم قديمه وحديثه .
