الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

ومضات من شمس الحضراء، فى الحضارة التونسية المعاصرة

Share

الومضة الثانية او الرؤية الفكرية التونسية فى مفهوم الدمقراطية :

ان المتأمل فى النفس النقدى الذى تلونت مظاهره هذه الايام بمشارب اصحابه وتفاوتت درجاته حسب نزعاتهم يشعر بالحاجة الملحة اذا كان منطلقة حب الارض وتوسم الخير في اهلها الى تقييم موضوعى رصين لهذه الظاهرة الهامة حتى يقع تعهدها بحرص وحذر وتخليصها من كل شائبة مشبوهة فينضاف بها درب نموذجى من دروب مسيرة التطور فى تونس المعاصرة ....

فبعيدا عن كل تشنج وجدانى أو مغالاة منطقية هذه خواطر تحليلية تنطلق من الواقع الملموس وتخاطب الآمال المراودة مرورا بحلول لا مندوحة من الاستناد فيها الى العقل والوجدان والضمير ومتطلبات الحياة فى شتى مظاهرها الطبيعية .

الارضية الفكرية والبناء الحضاري :

. بداهة أن كل عمل فعال يسبقة امعان وتفكير الا ان هذه القاعدة تتحتم اكثر اذا كان العمل متصلا بالمجموعة يمس فيهم قيمهم المعنوية والمادية فلا بد عندها من من منطلق تتضافر على تدعيم أركانه عدة عناصر تضمن له سلامة الأسس .

. وبداهة أيضا ان كل عمل فعلى يهدف الى التطوير الحضاري في كل جوانبه يستند حتما الى أرضية فكرية هى اشارة الانطلاق ورصيد المسيرة ومرجع الافق . انه السبيل الذى انتهجته فى التاريخ قديمة وحديثه كل حركات التحرير والاصلاح بوجوهه المتنوعة وهي دوما ملامح عامة الا أنها اساسية تحدد الاطار الجوهرى المتهئ لاستيعاب كل الاجتهادات الايجابية المتولدة عن متطلبات التغير والتحول والتطور

. وبداهة أخيرا أن الارضية الفكرية المتحتمة لكل بناء حضارى يتولد عن العمل الفعلي لا تنزل تنزيلا أو تقدم على طبق جاهز وصاية فكرية موروثة أو تسلطا حديثا دخيلا بل هي حصيلة مساهمات تنبع من كل محلل حصيف مطلع نزيه وثمرة مراحل تم تخطيطها بحذق ومراس وسداد نظر بعيد فيقترن التفكير العميق المركز بالتخطيط الدقيق المحكم ليكونا الاطار المقصود بمصطلح الارضية الفكرية المتحتمة للعمل المباشر الفعلى

. وما الارضية الفكرية عندنا اليوم الا تلك الحلقات المدروسة المتلاحمة طيلة الحهاد التحريرى فى اطار مراحل بورقيبة حكيمة ، تمثل ما اعتبرناه حتميا وهو التخطيط العملى الذي يتلو بداهة المخاض الذهنى والتهيؤ الوجدانى . ثم ما الارضية الفكرية كذلك الا هذا الاسهام الثرى من كل الطاقات المفكرة الموضوعية فى موقع المسؤولية والتسيير والعمل مهما تنوع الميدان مما خلق مناخ تواصل وخصوبة توالد مرحلى متجدد فى جهاد ما بعد الانعتاق من التسلط الاستعمارى والتوق الى البناء الحضارى انطلاقا من المقومات الذاتية الخالدة الاصيلة

موقع الدمقراطية من هذه الارضية :

والحديث عن الدمقراطية لون من ألوان الخوض فى مسائل الارضية الفكرية المتحتمة في مرحلة ما بعد الاستقلال ، ذلك أن هذا المفهوم لا محل له زمنيا وذهنيا في المرحلة التى كان فيها الذهن والقلب والساعد طاقات مكرسة لاكتشاف الذات وفرض الوجود واثبات موضع القدم وخريطة الكيان وماهية الهوية وهي فترة الجهاد التحريرى ، أما وبطاقة التعريف في سجل التاريخ تبلورت فالحوار الخلاق في اطار التكامل البناء ظاهرة صحية سليمة ولابد من تهيئة هذه الارضية الصلبة له تفاديا لكل انزلاق مشبوه أو انتكاس ضار ، لتنزل مرحلة العمل الفعلى في حياتنا العملية منزلة الانشاء والاضافة

الدمقراطية : مناخ ومبادرات عملية

ان الدمقراطية حسب الخط الفكرى التونسي المتشبع بتجاربه الاصيلة الواثق من قدراته الذاتية لن تكون لفظا أكاديمى المدلول قاموسى المفهوم أو شعارا كمراسم المناسبات أو مادة استهلاك يلوح بمحتواه المثالى للبسطاء تخديرا وبابعاده الفلسفية لذوى الثقافة تغطية بل هى مناخ أولا وعمل ثانيا

أما المناخ فهو ذلك التهيؤ النفسانى للفهم ثم للنقد ليكون بعدهما البناء ولا يتسنى ذلك الا بضمان المكونات الحقيقية لكل مناخ سليم وأهمها :

- تعميق الوفاء للقيم الاصيلة دينا ولغة وحضارة . - نشر الثقافة وتعميم المعرفة ببذل أقصى الجهد فى مجال التربية والتعليم - ترويض الرأى العام على اعتماد العقل سبيلا منهجيا للنظر والحكم والتصرف . - العمل على كبح جماح الذاتية الفردية النابعة من العاطفة المتأججة والسهر على تلطيف حدتها كمقياس حياتى يشوه الانسجام المتمثل فى المصلحة العامة العليا فيحوله الى نشاز مقيت - تقوية داعي الضمير فى أعماق الشعب - انتهاج سبيل النسبية والتدرج في فتح منافذ المبادرات العملية الايجابية الموصلة الى الاطار المثالي المنشود فى ممارسة هذه الظاهرة الفكرية والاجتماعية التى تنعت بالدمقراطية

وأما العمل على أرضية المناخ اذ تسلم عناصره فيكون بخلق تواصل طبيعي أصيل مع حلقات العمل المركز الماضي . ذلك أن المبادرات العملية فى هذا المجال لن تكون باستيراد شكل جاهز بل باستلهام ما يتلاءم مع النفسية العامة والارضية المبلورة والمقومات الحضارية المتنوعة فى تصرف لبق وتكيف ذكي لا يحيدان عن الهدف المرسوم والاسمى ويتعهدان التخطيط الموصل اليه بمرونة متواصلة . ومن المظاهر العملية المستلهمة من كل ما سبق ، دون أن نعد الوحيدة الممكنة بل هى منطلق قابل للاثراء والاضافة والتكملة ، الوسائل التالية :

- العمل المركز قولا وفعلا وتنظيما هيكليا على تهيئة المناخ المتقبل والحيلولة دون أى وجه من وجوه الانحراف كسلوك سبيل السرعة المتطرفة أو المثالية

الهوجاء أو التسميم المبطن لان هذه النعوت تشير فى الحقيقة الى ألوان سلوك ومظاهر تصرف تحمل على منهاج الدمقراطية وهو منها برئ ، فلا يمكن ابدا أن ننادى بالحرية الافلاطونية المطلقة اذ فيها تحلل لا يتسنى لمجتمعنا تحمله ولا يعقل كذلك ان يكون المناخ الخاص فى هذا الموضوع بالذات والموجود فى رقعة أرضية اخرى لها معطياتها المعينة متلائما مع جوهر مقومات موقعنا فى الكون نفسانيا وفكريا وماديا ، والمناخ العام وان كانت مكوناته أسسا عامة صالحة لكل زمان ومكان الا انه يتحتم تقولبها وتكيفها بالمرونة الضرورية الكافية مع معطيات الظرف زمانا ومكانا وبشرا وحياة ومتطلبات فكرا ووجدانا ومادة ليتسنى التطبيق ويسهل ضم النظرى للفعلى

- الحفاظ المتواصل على حيوية الوازع التلقائى فى الهياكل العقائدية وتمثلها المنظمات القومية المختلفة العاملة بتنسيق متكامل فى تأطير نموذجي خطه الحزب منذ انبعاثه ، وتجميعه مختلف القوى فى لحمة قومية مثالية ، فعلى قدر تغذية هذه الحيوية البناءة بالاستكشاف الدائم للواقع والكشف الصريح عن انواع المظاهر الموجودة سليمة كانت أم مثيرة للاحتراز والسعى الى المبادرات العملية المعالجة يكون التطور العقلي والوجدانى والمادى فى الاتجاه الطبيعى

- ديناميكية الهياكل الدستورية وخاصة منها البرلمان ، فهو مدعو الى أن يكون اطار صيانة للقانون ومجال تحاور بناء بين كل وجهات النظر الموضوعية المنصهرة فى صلب وحدة التاريخ والنضال ووحدة المصير والمطمح القومى

وهو حرى هيكلا وصلاحيات وموقعا بتبني بوادر عدة فى سياق التطوير الايجابي المرن اذ أن درجة الحرارة الفكرية والنفسانية تنبع من منابره لتشيع حتما فى المناخ العام والارضية الاجتماعية العملية فالحذق فى تعهد الميزان يقود حتما الى رسم خطى محكمة سليمة فى المسيرة الجماعية

- التعهد الدائم لفاعلية الاجهزة التنفيذية فى دواليب التسيير الاداري ولا تتأتى هذه الفاعلية الا بضمان المستوى الثقافي الملائم لنوع الموقع والتحرى فى مدى النضج الاجتماعى أخلاقيا وعمليا والرسكلة المتواصلة بدون عقد وبطرق رفيقة تبدو وكأنها فى صلب المهمة الادارية الا أنها فى الحقيقة تكملة متواصلة للتكوين الذي لا ينتهى بالتعيين بل يبتدى فعلا لان التطبيق يتطلب الماما متواصلا بكل طارئ وحياة المجموعة عوارض متغيرة تفترض الاستجابة الذكية المستلزماتها . وعندها ينمو عند كل الاطراف هذا الشعور المقصود وهو تجاوز

الذات لملامسة المصلحة العامة ويمثل ذلك خطوة أساسية فى درب المسيرة الاخلاقية المتحتمة لكل مناخ ديمقراطى يتطلب الايمان بالشخصية باقرارها فى النفس واحترامها عند الغير فاذا هو تعامل حر نزيه متعقل .

- حركية الاجهزة الفكرية وخاصة منها وسائل الاعلام فى الاتجاه الافضل ولا يتسنى ذلك الا بتنمية الذوق الموضوع لدى المتعامل معها المستهلك لمادتها . ويمر خط الموضوعية بطريق الامانة فى النقل والتعليل الحقيقى للحدث والتدرج في استعمال وسائل النقد النزيه البناء وفتح منافذ لما قد يكون نافعا منه ولو أدى الامر الى محاسبة النفس والتضييق على ساحة أعمالها بسلطان العقل والضمير والواقع الحق

- هضم حركات التصحيح لمسار الجهاد الحضارى فى البلاد كلما حدث زيغ أو بدا انحراف أو خيل فى بادئ الامر انه اصلاح ثم تطور الى انخرام وضرر ، فهضم مثل هذه الوقفات وابداء التقبل والقابلية لاستيعابها كفيل باكساب هياكل البلاد القانونية قوة وصلابة وقدرة على المواجهة وتجديد النفس واستكناه أفضل سبل التطور ، فالهضم في هذا الميدان ذو وجوه متكاملة تبدأ بامتصاص مضمون النقاط السلبية ولفظه جانبا ثم توسعة الشورى والانطلاق الجديد في أرضية نقاء واطار صفاء بعد التأكد من صلابة الاسس وسلامة الاتجاه ووضوح الهدف  .

هذه هي اذن خطوط كبرى أولية لما نعتبره أرضية صحيحة للعمل الحضاري الحق فى اطار من الدمقراطية السليمة شريطة أن يتهيأ المناخ الملائم ، الا ان الارضية مهما كانت صلابتها والمناخ مهما كانت سلامته لا يوصلان الى مظاهر تطبيقية نموذجية الا اذا اقترنا بما يمهد التقبل ويساعد على الاستيعاب ويجعل هذه الظواهر متسايرة مع طبيعة المتجه اليهم بها نفسانيا وحضاريا وعمليا بل وحتى ذوقيا .

ومن هنا تولد عنصر ثالث متحتم لتنزل الديمقراطية منزلة الظاهرة الطبيعية فى حياتنا وهو عنصر الاصالة الذاتية

الدمقراطية مناخ وعمل . وأصالة

ان القيم العديدة والاسس المتينة التى انبنت عليها الحركة التحريرية تفترض أن يكون خط المستقبل مستوحى منها مستلهما مما أثبت ايجابيته

العملية وفرض منهجيته على التاريخ فخط فيه لونا جديدا لم يكن طفرة حماس أو شرارة اجتهاد عابر بل هي طريقة عمل نموذجية وأساس بناء فكرى تتواصل ركائزه المبدئية في محتويات متنوعة ومضامين ميادين مختلفة . فتولد ايمان عميق لدى التونسي بذاتيته الاصيلة أو أصالته الذاتية وأصبح يعدها أوضح وسام في صفحة هويته الحضارية . وكان هذا الايمان بالذاتية عظيما والوطن أسير مطامح الاستحواذ الاجنبى وصريع براثن الابتلاع الحضارى فتركز سعى الخطة البورقيية على ابقاء منفذ نور بالحوار حينا والتصلب حينا آخر لضمان كوة يتسلل منها نفس الذاتية الاصيلة ويتسرب من ثناياها شعاع الانتماء التاريخي فيبدد قتامة الفترة الحالكة ويضمن من الحاضر المظلم ابان الاستعمار آفاق انعتاق وانشاء للكيان وانماء لمقوماته .

فكيف لا يتعاظم الايمان بالذاتية فى المرحلة الحالية وهي مرحلة المجتمع المنعتق التواق الى آفاق طموحة بضرورة ارساء كل خطة عمل وطريقة تخطيط ومبادئ نظرية على أسس تلك الذاتية الاصيلة خاصة وان دواعي ذلك لم تنقطع وظروفه تدعمت .

وظاهرة كالديمقراطية تتفرع مقوماتها الى مناخ وارضية وعمل فتؤثر بذلك فى كل المجالات الحيوية في نمط حياة شعب من الشعوب لا مندوحة لنا اذا ما اردناها عنصر تكامل مع مقومات ذلك الشعب حضاريا من أن ننزلها فى اطار ذاتيته الخاصة او أصالته بالذات وهذا ما ينتهى بنا بعد أن تلمسنا المظاهر المميزة للذاتية التونسية الى توليد مفهوم تونسى خاص لهذه الظاهرة الفكرية والعملية الهامة

الدمقراطية من خلال التجربة التونسية :

ان الدمقراطية انطلاقا من هذا التحليل المبدئى واعتمادا على حتمية التشبع بالذاتية فى مقوماتها الحضارية وانتماءاتها التاريخية ومواصفاتها النفسانية والاجتماعية ليست لفظا أكاديمي المدلول قاموسى المفهوم أو جدلا بيزنطيا حول مفهوم الحرية . وهي ليست طرقا تطبيقية منزلة من علياء مفكرين لم يخطر لهم يوما ببال وضعنا ولا لامست عيونهم أديم أرضنا ولا تصورت أذهانهم معطيات بيئتنا أو مادة استهلاك تدرجها بعض الأنظمة او التنظيمات ضمن قائما صادراتها أو شعاراتها كوصاية حضارية مسمومة يلوح بمحتواها الخيالى للبسطاء وبهرجها الفلسفى لذوى الفكر او تقليدا لا شعوريا يساير نسق

الموضة متناسبا المقاييس الخاصة وهو يكسو نفسه بمقاييس الهياكل المستوردة أو المقلدة .

لست الدمقراطية حتما مفهوما نظريا متحجرا نهائيا ولا انماطا أو أشكالا جاهزة ولا تيارات تجرفها الينا ريح العدوى بل هي وضعية فكرية نفسانية نتولد عنها مبادرات عملية طبيعية . فاذا ما انطلقنا من التسليم بوجود الارضية الفكرية التاريخية الاصيلة وتعهدنا برفق وكياسة وذكاء مستلطف المبادرات الفعلية انتهينا الى مفهوم خاص يتجسم فى تبلور نمط طريف أصيل لمفهوم التسيير العصر والتعايش الاجتماعى المتحضر في اطار تونسي صرف بعيدا عن هستيريا النقد المشبوه وتجنبا للحلول المستوردة الفضفاضة واذا الديمقراطية من خلال الاستكناه التونسي ورؤياه الخاصة جوهر تتكامل فيه الآراء من خلال الحوار النابع من الضمير والعقل فى اطار الوجدان العام والمصلحة العليا الجماعية أما ماعدا ذلك فعوارض عارضة .

ثم ماذا اخيرا ؟

هذه مشاغلنا في شأن الديمقراطية حزبا وحكومة وشعبا وتلك هي الرؤية الفكرية لمفهومها العميق من خلال منظار تونسى أصيل ، وللحق والتاريخ نتبين ركائز الارضية تتغلغل بهدوء ورصانة ووفاء للذاتية وليس لنا الا أن نعمل على تدعيمها وتطويرها نحو الافضل بنبذ كل نية مبيتة لاجهاض هذه التجربة التونسية الصميميمة وتحويلها عن مسارها الايجابي الى متاهات غايات أخرى .

فمن منطلق الايمان السليم بالوزن الحضارى للبلاد والاضافة الخالدة من الحزب للتاريخ أهمس لضمير المتربصين بنا الدوائر لاغتيال آفاق المستقبل :

. الى كل من رضع ثدى الحضارة فى الخضراء ، الى كل من آمن بحتمية اثراء قوس قزح تاريخنا الخصب نية أو فكرا أو عملا  .

. لا تجهضوا وليد المسيرة الحضارية التونسية المعاصرة بانحرافات وشعارات واتركوا تعلة قميص عثمان لعهد معاوية

اشترك في نشرتنا البريدية