، علم جمال الشعر, ( القسم الثاني )

Share

لقد أخذت أذكر وأنا اكتب هذا الكلام لمجلة ( المنهل ) بجدة التى بنشئها الكاتب العبقرى الكبير صديقى القديم الاستاذ عبد القدوس الانصاري - قصيدة للشاعر " سوللى برودوم " من شعراء الفترة الحديثة فى مطالع الادب الغربي بهذا العصر اسماها( الكأس المشعورة ) وقد أدار فى قصيدته معانى تتعلق بالقلوب التى حطمها الهوى وضاع منها الشباب . فهي متماسكة فى النظر لكنك حين تمسها تنهار تحت انملتك متناثرة او متحطمة

فلو أن ابيات ابي نواس كانت مشعورة ، وغير شاعرة ، لامسك ابو شعيب بيده قلة مصدوعة ، ولكان لها بين يديه خنين بديلا من الطنين . وكذلك اجد الشعر الذي كان اصحابه حفيظين على علم جماله ، فسكبوه من قرائحهم الموهوبة التى يرقدها طويل زمن في ثقافة ومعرفة ووعى وشدو من اللغات ورسوخ في العربية واصول البلاغة

كلها . هم الذين يعجب أمثال ابي شعيب القلال من نقاد عصرنا بأثارهم . واما اولئك المتهافتون فى ثقافتهم من الذين لا يقيمون العبارة ولا عرفوا لغة راسخة ولا شدوا من آداب الامم بمقدار كثير او قليل ، وانما أرادوا ان يتخذوا من بعض الصحافة التى لا ترديد لامس شهرة ومظاهر فنسجت لهم القاب الشعراء البواقع ، إذا أخذت ترى الى مقولاتهم لم تجدها شعرا ولم تعرفها نثرا ، فهي مولود هجين تنكره العربية ويبرا علم جمال الشعر الى خالقه فزعا منه ، كما تبرأ الام من وليدها حين تسأل الطبيب المولد وهى على سرير الولادة :

- ماذا وضعت ؟

- لقد جئت بولد شاله له رأسان وبطن واحد وهو بغير قدمين

فتدير رأسها الى وسادتها وتبكى آسفة حسري ولعلها فى سرها تلعن والده ومن زوجها منه ، فاذا جاء زوجها معاتبا ناقما اذ لم تلد له الفتاة الجميلة ولا الصبى الذي سيكون بطلا إذا شب واكتهل . قالت له - وهي الواعية بالفطنة - مقالة زوج الحجاج حين صدمته بهذه الكلمة :

- انت الذي أعطبت ، فأنت الذي تأخذ .

كذلك فارق الحجاج زوجته فراحت مستريحة من مواليده الشائهة ، فمتى يتاح للعربية فى عصرها الحديث وهبتها الحاضرة أن تستريح من مواليدها البغيضة وصورها المقيته فى القول الجديد الذي سينبو عنه حتى الابد ، علم جمال الشعر .

لم يكن جمال الشعر أمرا عرضا وانما هو جوهر فير صميم الانسان . وفي لغتنا

العربية نجد مطالع هذا الجمال منذ عصر الجاهلية إلى عهد شوقي وما يتاح للعربية من بقاء وخلود فى ظلال القرأن فيظل نبعه الجمال الصافي الالهى .

لا يحسبن حاسب ان الشعر ولد منذ كان بسبيل ألهية او سلوة وانما كان محض تعبير نفسي وغنائى لمواجد الانسان ، والطبيعة التى حبتنا تلاحين بلابلها وهزيم رعودها وحفيف أشجارها هى ذاتها التى الهمت الشاعر شعره ونفخت فيه من روحها . يقول الشاعر العراقي ( معروف الرصافي ) الذي كان طلعة القرائح في مستهل عصره

قرات وما غير الطبيعة من سفر

صحائف تحوى كل فن من الشعر

أرى نمرر الأيام تبدو نضيدة

على صفحات الكون سطرا على سطر

وما حادثات الدهر الا قصائد

يفوه بها للسامعين فم الدهر

وما المرء الا بيت شعر عروضه

مصائب لكن ضربه حفرة القبر

تنظمنا الايام شعرا وانما

ترد المنايا ما نظمن الى النثر

فمنا طويل مسهب بحر عمره

ومنا قصير البحر مختصر العمر

وهذا مديح صيغ من اطيب الثنا

وذاك هجاء صيغ من منطق هجر

فلله هذا الرصافى الذي ألهم في الشعر هذه القطعة التى اتخذ معانيها وطريقة

ادائها من فن جمال الشعر وفن العروض أيضا . وكان ابو العلاء المعرى يكثر من تمجيد صناعة الشعر ، ويحدث فيها تجديدا فى نظام الروى والقافية فان طريقته التى اتبعها وسماها ( لزوم مالا يلزم ) هى تجديد ما عرفه شاعر قبله وما كان له ملتزما ونظرية الالتزام التى قامت في عصرنا في الادب والفكر يصح ان تلازم المعري في ديوانه العظيم ( لزوم ما لا يلزم ) ، وقد كتب مقدمة لهذا الكتاب ( الديوان ) ضافية عسرة بين فيها منهج القريض الذي اتبعه في اللزوم ، وكان الدكتور ( عبد الوهاب عزام ) رحمه الله قد انشأ موضوعا ألقاه فى المهرجان الألفي لأبي العلاء المعري في دمشق جعله بحثا ودرسا لترتيب اللزوميات ودراستها ، وفي هذا البحث يتجلى الجمال الشعري عند المعرى المزدان بالعروض المقيد الملتزم .

ولم يغادر اكثر شعراء العرب والفرنجة موئلا يمجدون فيه جمال الشعر الا دخلوه واقاموا فيه ازاهير خواطرهم وثمرات قرائحهم .

وقد كان ( بول فاليرى ) أعظم شاعر غربى فى عصرنا معنيا بجمال الشعر وان يكن قد خلع على الشعر صناعة غيبية ورمزية عميقة فإذا كان يقول :

" أنا لا اقول الشعر وانما أهندسه وابنيه " .

فهو كما قدمت في صدر الكلام يريد بذلك أن الشعر صناعة مثلى تخضع للقواعد والنظم الاساسية ولا يكون مرجلا ركيكا وإنما هو بناء مبنى على قواعد ثابتة .

وشوقي شاعر عصرنا كان كثيرا ما يتناول

فكرة الشعر وفنه ويتداول ابياتا يقولها فى هذا السبيل فمن شعره الذي لم ينشر بعد فى هذا الصدد قوله :

الشعر صنفان فباق على

قائله أو ذاهب يوم قيل

ما فيه عصرى ولا دارس

الدهر عصر للقريض الاصيل

والله ما " موسيه " وليلاته

ولا " لمارتين " ولا غرازبيل

احق بالشعر ولا بالهوى

من قيس المجنون او من جهيل

قد صوروا الحب واحداثه

في القلب من مستصغر أو جليل

تصوير من يبقى وفي شعره

خلود ذكراه على كل جيل

وشوقي يدفعنا فى هذه القطعة من جمال الشعر عنده الى الادب المقارن الذي نشأ فنه فى عصرنا وما الادب المقارن الا صنع دارس متمكن ان يوازن بين قطعتين من الادب في الشعر أو النثر فى لغة واحدة او لغات مختلفة او بين لغة عربية وثانية اجنبية ، فليالي الفريد دوموسيه التى بدأها بقوله :

" أيها الشاعر خذ قيثارتك وامنحنى قبلة " . وكان الذى يخاطب الشاعر هى ملهمة الشعر " لاموز " وقد اتفق لي ان وفقت سنة ١٩٦٠ أمام دار الاوبرا في باريس لارى تمثال الفريد دوموسيه بصنع

النحات " دافيد " وقد وضع فوقه ربة الشعر ترف عليه وتندى خواطره ونقش على قاعدة التمثال بيت موسيه المشهور الذي عربته بقولي :

لا شئ يجعلنا عظاما

مثل آلام عظام

هناك في تلك الوقفة رأيت بعيني جمال الشعر خالدا في تمثال دافيد وممثلا بالشاعر الرقيق المراح الفريد دوموسيه وبربة الشعر التى حنت برفيف حبها عليه .

وشوقي لا يفارق مطارحة الشعر خنان جماله فهو يقول :

رياحين الرياض يمل منها

وريحان القرائح لا يمل

فذلك بيت قاله في مقدمة العدد الاول من مجلة " أبولو " للشعر الحديث التى صدرت فى عهده بمصر ورأسها أحمد الصاوى محمد بفن بديع واخراج رائع وضمت شعراء الطليعة من الشبان بعد شوقي وفيهم فوزى المعلوف وشفيق المعلوف واحمد زكى " أبو شادى وحسن كامل الصيرفي وعلى محمود طه المهندس صاحب قصيدة " الجندول " وابراهيم ناجي صاحب ديوان " ما وراء الغمام " وكان أول بيت في القطعة الشرقية قوله :

ابولو مرحبا بك يا ابولو

فانك من عكاظ الشعر ظل

وهكذا استطاع شوقي بعبقرية خياله ان ينقل ميسما من مياسم الاغريق من جبل الاولمب المطل في اليونان على بحر ايجه الى سوق عكاظ بين مكة ومنعرج الطائف

وعلم جمال الشعر يتناول غايتين كبيرتين تتمثلان بالصورة والشكل والموضوع والذات فكل بحث فى الأدب الراقي يخضع لهذين العاملين : الظاهر والباطن والشكل والموضوع . فالشكل هو الجمال الفني الظاهرى فى الهيكل الذي يصب فيه الموضوع . والشكل يتناول على الغالب القواعد الفنية الجمالية التى تكون آنية للزمر الذي يوضع فيها . فقطعة من الشعر انما تكون فى وزن وقافية ومنسكبة فى طريقة وتعبير ملائم للموضوع

والموضوع هو ما يسلك ضمن هذا الاطار ويعبر عن فكر أو صورة أو مثال . والعرب اتخذوا هذين الامرين تعبيرا دائما وهما " المعنى والمبنى " واتخذ الغربيون تعاببير لا تخرج عن هذا الصدد وهي " الشكل والموضوع " . وحين يدرس جمال الشعر انما يتناول هذين الامرين . ونحن سنندفع الى دراسة الشعر في هذين النطاقين وهو موضوع الشعر ووزنه أيضا

اشترك في نشرتنا البريدية