همام بن غالب الفرزدق من اعيان القرن الثاني الهجرى قيل فى شعره :لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب " . وهو من الطبقة الاولى في الشعراء الاسلاميين . .
وقد تخللت صور مشاعر الحج شعره باشكال مختلفة واوصاف رائعة تدعو الباحث الى الوقوف عندها ليعرف مدى تاثير الشعراء بهذه المشاعر والمواقف والمناسك وانها شغلت حيزا كبيرا من شاعريتهم
ولنسر مع الشاعر الفرزدق سير الحجاج فى اداء نسكهم فنرى ان اول ما يسترعى نظر القادم الى الحرم الكعبة المشرفة التى يصلي اليها كل يوم متوجها الى الله وحجرها الاسود الذي يقبله الطائفون ويشاهد حولها الناس وهم محرمون اتوا اليها من كل فج عميق
ولا تخلو مشاهدة الشاعر لهذه المناظر من الافتخار بنفسه وقبيلته جريا وراء عادته فقال :
ورثنا كتاب الله والكعبة التى
بمكة محجوجا عليها ستورها
* * *
ورثنا عن خليل الله بيتا
يطيب للصلاة وللطهور
اذا اجتمع الآفاق من كل جانب
الى منسك كانت الينا امورها
واراد ان يذكر من يمدحه بحفظ يمينه فقال :
واني حافظ فاحفظ يميني
بمكة عند مطرح الرحال
يمين محافظ فاحفظ يميني
بمكة حيث القيت الرحال
وتصور المحرمين وهم يسارعون الى البيت الحرام فقال :
ملبدة رؤوسهم سراعا
الى البيت المحرم ذي السنور
ويصور الشاعر اسراب الحمام التي لا يخلو الحرم منها ومن تحليقها فوق المصلين بمختلف المعاني :
ارى شعراء الناس غيرى كانهم
بمكة قطان الحمام الاوالف
وقال :
ابلغ زيادا إذا لاقيت جيفته
ان الحمامة قد طارت من الحرم
وقال :
فدعني اكن ما كنت حيا حمامة
من القاطنات البيت غير الروائم
وكان الشاعر يمر بعد انتهائه من الطواف بالواقفين بين الحجر والحطيم وزمزم يدعون الله ويستغفرونه فيقول :
ولئن حلفت على يديك لاحلفن
بيمين اصدق من يمينك مقسم
بالله رب الرافعين اكفهم
بين الحطيم وبين احوض زمزم
ثم يقول مفتخرا :
لنا الموقفان والحطيم وزمزم
ومنى على هذا الانام امينها
ثم يتصور الشاعر الجموع الحاشدة وخروجها من كل فج عميق تتوجه على كل ضامر نحو منى ويتنوع فى وصفها وتصويرها فيقول :
حلفت برب الراقصات الى مني
لئن بلغت بي منتهى كل راغب
حلفت برب الراقصات الى مني
خفاقا واعناق الهدى لمقلد
حلفت برب الراقصات الى مني
بقين نهارا داميات المناسم
حلفت برب الراقصات الى مني
تجرر في الاسراع منها نعالها
ولقد حلفت بمقبلين الى مني
جاءوا عصائب فوق كل سبيل
والراقصات بكل مبتهل
من كل فج كل عمليق غبر
فانى وايدى الراقصات الى منى
وركبانها حج ملاء مشاعره
ويذكر الشاعر اجتماع الناس في عرفات حول جبل الال - الذى يسميه الناس جبل الرحمة من اجناس مختلفة فيقول : -
فاني والذي حجت قريش
لكعبته وما ضمت ) الأل (
ومن الال نفيض الى ) جمع ( المزدلفة التى
قال عنها الشاعر : -
لترتحلن اليك ببطن جمع
قواف تحتها النوق العجال
ولا تتركه نعرة الافتخار والاعتزاز بالنفس والقبيلة فيقول وهو يصور تلك الجموع الهائلة المجتمعة بالمشعر : -
والناس يعلم اننا اربابهم
يوم التقى حجاجهم بالمشعر
ومن المزدلفة تنتقل احاسيس الشاعر وتخيلاته إلى يوم النحر وبينا هو يمدح سليمان بن عبد الملك يتذكر مقتل عثمان رضى الله عنه يوم النحر فيقدم للناس صورة مجللة بالسواد : -
انا لنرجو ان تعيد لنا
سنن الخلائف من بني فهر
عثمان اذ ظلموه وانتهكوا
دمه صبيحة ليلة النحر
وفي رمى الجمار كان للعرب ترتيب بحسب افضلية القبيلة وتقدمها على غيرها ويشير الفرزدق فى هجائه لقيس الى ذلك ويقول
الم يات منا رب كل قبيلة
بحيث جمار القوم يلقي حصابها
ولم يجد الشاعر في بعض اقواله القبيحة الا ان يستعين بمنظر تطاير شعر الناس يوم النحر فى وصف ما يريد وصفه فيقول
يطير عنه نفيان الشعر
نفي شعور الناس يوم النحر
وفي هجائه المقذع للطرماح الطائى تذكر لذبح فقال :
سالت حجيج المسلمين فلم اجد
ذبيحة طائى لمن حج حلت
ويصور الشاعر نزول الحجاج لطواف لافاضة يوم النحر من مني الى مكة بقوله :
إذا هبط الناس المحصب من مني
عشية يوم النحر من حيث عرفوا
وتعرض لخصمه جرير وكلاهما كنا فى حج فقال له : -
وانك لاق ) بالمحصب ( من مني
فخارا فخبرني بمن انت فاخر
فلم يرد عليه جرير بشئ غير ) لبيك لهم لبيك . . . (
ويذكر الصفا والمسعى بقوله : -
بمنزلة بين الصفا كنتما بها
وزمزم والمسعى وعند المحلق
ولنعد بعد الطواف والسعي الى مني الشاعر يصور خيام مني واعمدتها واجتماع الناس بها بفوئه وهو يمدح الوليد بن يزيد بن عبد الملك :
وترى لهم بمنى بيوت اعزة
رفعت جوانبها صقوب العرعر
) والصقوب العمد (
ويخاطب جريرا بقوله :
واسال بقومك يا جرير ودارم
من ضم بطن مني من النزال
وقال :
فلعل باهلة بن يعصر مثلنا
حيث التقي بمني مناخ الاركب
واخيرا عاد الى الافتخار والمفاضلة مع جرير فيدعوه الى ان يأتي القبائل المجتمعة فى مكة بعد الحج ويسألها لتحكم بينهما فقال : -
هلم نواف مكة ثم نسال
بنا وبكم قضاعة او نزارا .

