خلاصة ما نشر فى العدد الماضى
فى مقاطعة جازان ومدنها وقراها واطلال بعض هذه المدن المندثرة توجد مدينة عريقة ، وتتمثل أولا فى غرب قرية ( الريان ) .. فقد كان هناك مدينتان ضخمتان معمورتان . وهناك مدينة ( درب النجا ) وقبلها تقع مساحات هائلة من الارض الخصبة وبها كانت معامل وادى جازان .. وقد ركز الكاتب اتجاهه الخاص الى درب النجا .. المدينة المدينة العريقة التى تقع بها هضبة عليها قلعتان ضخمتان .. وهناك آثار قصور وثكنات وشوارع يكتنفها السور ، وفى مدينة (ابو عريش) نضارة وجمال يتمثلان فى حقول الخضر بمعمال الجارة الممتدة إلى قرية حاكمة , وحاكمة مصيف جميل ، وفى ابو عريش تتمثل النظافة والاناقة .. ويمضى بنا حضرة الكاتب الى القلاع الامامية ليقف بنا عليها .. وكذلك الى المسجد الشرقى الاثرى .. ويمضى بنا الى آكام يرى فيها آجر احمر قان لا تزال يطلق عليها اسم (الشامخ ) .. وهو معقل فخم بناه الشريف الحسن بن محمد .. وفى المركز الغربى المسمى بالديرة توجد ثلاثة معاقل : الظاهرة ومعجبه والبرشاء ، وهى تاريخية وذوات مبان شاهقة وكلها من آثار الشريف حمود ..
اللامع اليمانى اما إذا اردنا ايها القارئ أن نعرف تاريخ هذه الآثار باحداثها فما علينا الا أن نتجه الى ذلك الكوخ المتواضع فسوف نجد بين زواياه المظلمة ، الحقائق التاريخية ، بين انقاض التاريخ ان ذلك الكوخ الاغبر يحتضن شيخا مسنا ارسله الماضى ليقدم لهذا الجيل الجديد ، تقارير واقعية عن الأحداث الضخمة بظروفها واوقاتها .. متسلسلة فى شكل مجلدين كبيرين تسمى ( اللامع اليمانى بتاريخ المخلاف السليمانى )
ان هذا الشيخ هو عبد الدين بن على العمودى مدرس العلوم الشرعية فى ( ابو عريش ) عاش فى عنفوان شبابه متضلعا من المعقول والمنقول ، مناظرا فطاحل العلماء المحققين ،. متقلبا فى مناصب القضاء الرفيعة ابان الحكم الادريسى ، وقد اعتزل ضجة الحياة ومباهجها ، فلا يداعب غير أوراقه ولا يشنف اذنه الا بصرير قلمه ، وقد نالت منه الآلام والغصص . كالقدر الذى اعطته من التضلع والنبوغ .. يملك بيتا متواضعا ليس فيه من جمال الحياة وابهتها غير النظافة ، يحوى ارائك داكنة قصيرة ، ويلبس قميصا فضفاضا وعمامة الفية ، وقد وهب منه نهمه فى المعارف والتنقيب عنها جسما فولاذيا قويا وهمة خارقة وبصرا نفاذا فهو يطالع كتابه على اشعة القمر كما يطالعة على ضوء السراج ، وانت حينما تخطو داخل عتبة داره فانما تشاهد فلسفة الحياة السلفية المستقيمه التى كان يعيش فيها عظماء الاسلام من
رجال السلف والاتباع ، وهى الفلسفة التى تنظر الى الحياة كوسيلة لغاية لا غاية ..
واذا كان لاحد الحق فى أن يتمثل بالابيات التى تمثل بها المفسر الامام جار الله محمود الزمخشرى فلا احق من أن يتمثل بها هذا الشيخ وهى الابيات التى يقول فيها :
سهرى لتنقيح العلوم ألذ لى
من وصل غانية وطيب عناق
وتمايلى طربا لحل عويصتى
اشهى وأحلى من مدامة ساقى
وصرير أقلامى على أوراقها
احلى من الدوكات والعشاق
والذ من نقر الفتاة لدفها
نقرى لالقى الرمل عن اوراقى
أأبيت سهران الدجى وتبيته
نوما وتبغى بعد ذلك لحاقى ؟
والآن وبعد أن مضت عليه أكثر من ثمانين عاما سابحا فى عالم مطبق بالصمت لا يحدث فيه غير كتابه وقرطاسه يشرق علينا بمؤلفات عديدة علمية وادبية وتاريخية من طراز أخاذ بجزالته ورصانته لها مكانتها المرموقة فى المكتبة العربية الاسلامية ، وفى طليعة هذه المؤلفات السفران الرائعان ( اللامع اليمانى بتاريخ المخلاف السليمانى )
حوار ممتع يسرك ايها القائ وانت تقف عن كثب ، ان تتمتع بحوار شيق لذيذ ،
بين شيخ مسن يتربع على اريكته الداكنة فى فئ كوخه المتواضع يتميز بلحيته الجميلة البيضاء ، ووجه الوضاء المشرق ، وبين تلميذ حديث السن وهو يسأله عن تاريخ الآثار فى مقاطعة جازان ..
س : كتب الى الاستاذ عبد القدوس الانصارى صاحب مجلة المنهل الغراء يستحثنى على الاسراع بالمقال الذى وعدته به بعنوان ( آثار الحضارة فى مقاطعة جازان ) .. وكنت قد حدثتنى عن آثار مشهورة هى المنارة والعدينة ودرب النجا وكلها فى وادى جازان ، وقد قمت فعلا بدراستها .. واعرف انا ايضا آثارا فى وطنى ابو عريش ، وهى القلع الامامية والشامخ ومعجبة والبرشاء والظاهر ، ويسعدنى جدا ان ان يعطينى تاريخكم ( اللامع ) صورة تاريخية يجد فيها قارئ المنهل متعته المحببة الشهية ..
جـ : ان الهدف الاساسى الذى من اجله ارهقت اعصابى وفكرى بالتنقيب عن المصادر بين المكتبات المتأثرة بالاحداث فى اصقاع اليمن ، والربط بين الحوادث واعطاء الحقائق التى تلقيتها فى عمرى حقها فى التحرى والحقيقة هو ان يعلم العالم العربى عن تراثه الخالد من حضارة عريقة وادب خصب ممتع وشجاعة وفروسية فى هذا المخلاف المجهول ..
ولذلك فانى أنا الآخر سعيد جدا حين يعرف قارىء المنهل اخبارا عن
الآثار هنا .. وانا حينما أقص عليك تاريخ هذه الآثار فان القصص يتطلب منى ايضاحا اكثر باقتضاب عن سلسلة حوادث تبين ظروف وجود هذه الآثار واحداثها .. واليك حديثى بايجاز :
تاريخ ( درب النجا ) و ( المنارة ) و ( العدينة ) كان أمر اليمن واختطاط مدينة ( زبيد ) بنظارة محمد بن زياد عامل الخليفة العباسى ( المأمون ) بن الرشيد وذلك فى عام اربع ومائتين ه ، الى ان قتل عام خمس واربعين ومائتين هجرى ، فتولى بعده ولده ابراهيم بن محمد بن زياد الى سنة تسع وثمانين ومائتين ، فتولى بعده ولده زياد بن ابراهيم ثم اخو زياد أبو الجيش اسحق ابن ابراهيم ودام ملكه ثمانين عاما .. فعجز عن الحركة والغزو وامتنعت عليه الاطراف وانقطعت عنه الخطابة فى الجبال .
ومن هنا وفى هذا التاريخ استولى سليمان بن طرف الحكمى من سلالة سعد العشيرة على المخلاف السليمانى ويحد من حلى الى الشرجة - شرجة حرض - وسمى السليمانى نسبة الى سليمان هذا بالذات .. وقام بنشاط باهر فى تنظيم مملكته ، وضرب السكه باسمه ، وكان مبلغ ارتفاع خراجه فى السنة خمسمائة الف دينار عثرية .
وهذا يدلك على اصالة هذا الخلاف فى خصوبته ونمائه وحركته التجارية
واذكر بهذه المناسبة عثور احد الرعاة الاعراب على كنز فى مدينة ( المنارة ) مضروب عليه اسم سليمان بن طرف الحكمى ، كان هذا قبيل قيام الحكم الادريسى على هذا المخلاف ، وعلى أثر السيل الجارف الذى مر على هذه المدينة حينذاك من وادى جازان .. وقد بيعت دنانير هذا الكنز فعلا من على سويد بمدينة جازان وهو احد التجار المشهورين فى ذلك العهد .
واستولى بعد سليمان بن طرف الحكمى على هذا المخلاف ، الاشراف آل موسى الجون ، وكان ملوك ابو عريش الاشراف آل قطب الدين . وأولهم الشريف خالد بن قطب الدين وكانت عاصمة ملكه ( درب النجا ) وبها منازله وقلاعه الشاهقة الفخمة ، وهى على ضفاف وادى جازان والمدينة ضاربة الى ساحل الوادى ..
ومن هنا نأتى على قصة انهيار مدينتى ( المنارة ) و ( العدينة ) ، وتتلخص هذه القصة فى ان اولاد الشريف خالد القطبى ، قاموا بزيارة الشيخ محمد بن على البلاح ساكن قرية ( الريان ) وكان رجلا له مكانته الكبرى فى نفوس رجال ذلك العهد ، لما تميز به من عقل راجح وورع وزهد والى جانب هذه القرية ، المدينتان التاريخيتان ( المنارة ) و ( العدينة ) يسكن بها شعب عريق له سطوته وبأسه وهم السادة ( المهادية ) . وما ان علم الشباب الطائش فى هاتين المدينتين بخروج اولاد الشريف خالد القطبى ، حتى هبوا وكمنوا لهم فى
الطريق وقتلوهم .
واحس الشريف خالد القطبى ان خطرا يهدده من هذا الشعب ، فاستنجد ببنى عمه (الشطوط) وكانوا يسكنون فى عبس بمدينة تسمى ( باغتة ) فاقبلوا يهرعون تدفعهم عصبيتهم وحميتهم .. وخير الشريف القطبى السادة المهادية فى امرين : اما استعدادهم لخوض معركة عنيفة يكون فيها الفصل بين الفريقين ، واما خروجهم من هاتين المدينتين .. وهذا يدلك على شخصية الشريف القطبى الفذة ، فقد استطاع عقله ان يسيطر على عواطفه ، فملك اعصابه واكتفى بخروجهم من ديارهم بدلا من سفك الدماء .. ولم يكن فى وسع السادة المهادية مقاومة الاشراف ، فآثروا الخروج وفعلا خرجوا الى شمال وادى ضد وسكنوا مدينة تسمى ( الزرقاء )
العصر الذهبى وبهذا استطاع الشريف القطبى . ان يملك زمام النفوذ والقوة الى جانب الحلم والدهاء ، الشئ الذى مهد لقيام صرح مملكة قطبية شاهقة .. فتسلم أولاده من بعده فى أوائل القرن التاسع هذه المملكة الفتية .
وبإمكانياتها الطبعية والاقتصادية استطاع اولاد قطب الدين ، ان يجعلوا منها مملكة ذات أبهة وجمال، وقد بلغت فى عصر واسطة عقد آل قطب الدين الشريف أحمد المهدى ، عصرها الذهبى
الرائع .. كان الشريف المهدى أخاذا بجاذبيته الشخصية ، و يدلك على رهافة ذوقه ورقة عواطفه ، حبه للشعر والشعراء حبا يدفعه عن نفس تفيض كرما ونبلا ، ان يجيز الشعراء كرائم خيله العتاق ..
والخيل الاصائل فى نظر العربى العريق ، تعلو مكانتها على كل جوهر من نفائس الحياة .. واصدق مثل يدلك على هذا القصيدة الغراء المسمطة التى تدفقت غزلا ووصفا ممزوجين بالجزالة والرصانة والحكمة .. من منطق هذا الشاعر العربى الموهوب ( الهبى الصعدى ) فى ممدوحه هذا الشريف احمد المهدى ، وهى القصيدة الغزيرة التى يقول فى مطلعها :
يا مربع الحى بذات الرند
بالله خبر كيف كنت بعدى
هل وقفت فيك الحداة تحدى ؟
واحر اكبادى وطول وجدى
نوحى ودمعى فيك اقصى جهدى
جاذبية القصيدة ولهذه القصيدة قصة طويلة مذكورة فى التواريخ ، ويسرنى ان اذكر لك بهذه المناسبة ، أنى أولعت بها وقد دفعنى هذا الولع ، الى ان أشرحها فى كتاب مستقل ، سميته : ( المداد الوهبى بشرح منظومة الاديب الهبى ) ويسرنى أيضا ان اذكر لك ،
اطلاعى فى رحلتى الى ( تعز ) سنة ١٣٧٠ ه على كتاب كبير ذى مجلدات عدة ، للسيد العلامة المتضلع محمد زيارة ، يسمى ( نشر العرب لنبلاء اليمن بعد الالف ) ومن هؤلاء النبلاء المذكورين فيه . هذا الشاعر ( الهبى ) وهو مؤلف ضخم ، توسع فيه مؤلفه بتحليل يضم الاخباريات والتاريخيات والوفيات .. يدلك على سعة اطلاع المؤلف وولوعه بالتاريخ .. اطلعت على هذا المؤلف وهو لا يزال فى دور التكوين ، وفى طريقه الى الكمال .. واذا ما قدر له ان يطبع فلا يمكن تحصيله بالثمن السهل (١)
س : هل لفضيلتكم معرفة سابقة بالعلامة زبارة ؟
ج : كنت اعلم عنه ويعلم عنى بالشهرة ابان الحكم الادريسى ، وقد كتب لى العلامة عامل شدا السيد محسن بن احمد ابو طالب الامام ، قبل زيارتى الى اليمن عام ٧٠ ، بان العلامة زبارة قد ترجم لى فى منظومته ( نبلاء اليمن ) وعدنى من وفيات اربع وثلاثين بعد الثلاثمائة والالف وذلك فى قوله :
(( ومات بالعام تقريبا بصقع تهامة المحقق عبد الله نجل على فرع العمودى وهو الحضرمى خطيبهم بميدى قاضى الفصل فى الجدل .. ))
وذكر لى السيد محسن بانه كتب للعلامة زبارة يصحح مفهومه بانى
لا أزال باقيا ، وانى كنت فى ميدى قاضيا وخطيبا ..
اعلام وشعوب وادى بيش س : قلتم اثناء حديثكم عن سليمان ابن طرف الحكمى : ان مبلغ ارتفاع خراجه خمسمائة دينار عثرية .. فماذا تعنون بكلمة ( عثرية ) .. ؟
جـ - انها دقة ملاحظة منكم ستفضى بنا الى بحث لذيذ ممتع حول اعلام وشعوب وادى بيش .. اعنى بالدنانير العثرية ، نسبتها الى عاصمة المملكة السليمانية ( عثر) بسكون الثاء على وزن ( بحر ) .. وهى مدينة لها عزتها ونفوذها وحركتها العمرانية والاقتصادية حينذاك .. تقع على ساحل وادى بيش ولاتزال معالمها التاريخية حتى الآن ، اما كلمة (عثر) بتشديد الثاء على وزن (بقم) المشهورة فى اشعار العرب فهى مأسدة مخيفة تقع فى طرف وادى بيش الشرقى ، فبين المأسدة والعاصمة فارق ، فالمأسدة بالتشديد والعاصمة بالتخفيف ..
وهذه المأسدة هى التى يعنيها بعض المؤرخين فى المعاجم بقولهم : والى جارة عثر بالتشديد تنسب الاسود التى يقال لها أسود عثر واسود عتود )
وعتود هذه من بواديها من ساحل الدرب - درب ملوح - ووادى بن بيض وفى المثل : ( سد عليكم ابن بيض الطريق ) وقد ذكر هذه المأسدة بن
مقبل فقال :
جلوسا بها شم العجاف كأنهم أسود بترج أو أسود بعتود وترج هذه مأسدة بناحية الغور ، وفى المثل : ( هو اجرى من الماشى بترج ) وكل هذه الاعلام قريب بعضها عن بعض .. ووادى بيش هذا ، له من الشعاب التى ترد فيه سبعمائة شعب حسب الاستقراء لها بدون حصر اما كيف عرف هذا .. ففى عهد السيد الامام الادريسى رحمه الله ايام ولايته على هذا المخلاف فقد كان لعظمة مياه هذا الوادى الزاخرة حافز قوى للسيد الادريسى فى معرفة شعابه التى يستمد منها قوته وكبرياءه .. وفعلا انتدب قاضيه العلامة محمد بن ابراهيم السمان الجارى ، نسبة الى قريته ( الجارة ) من قرى وادى بيش الاسفل ، مع رجال خبراء خريتين وقد بذلوا مغامرين جهودا كبيرة وحصروا شعاب الوادى كما ذكرتها آنفا
ومن هذه الشعاب شعب يسمى ( بيشة ) وهو مأسدة مخيفة ، وقد جاء عن العرب ذكر ( مأسدة بيشة ) ويعنون بها هذا الشعب الذى هو احد شعاب وادى بيش دون بيشة النخل المجاورة لبلاد شهران من الحجاز
الشريف أبو نمى س : متى انقرض حكم الاشراف القطبيين ؟ جـ : فى أواخر القرن التاسع ،
وذلك بتوالى حوادث كبيرة على دولتهم من الترك ، وغيرهم من الملوك فخربت المدينة وزال بيت المجد (درب النجا)
وفى سنة خمس ومائة والف وصل شريف من مكة يدعى ( ابو نمى ) يستنجد بامام ذلك العصر وهو الامام الناصر صاحب ردا ع - على اصحابه بمكة .. فأطلق عليه الامام هذا المخلاف فشغف به الشريف ، واعاد بناء القلعة العظيمة ، واستطاع ان يمسك بزمام الامر فى هذا المخلاف ، ثم اعلن مخالفته على الامام الناصر ، وبعد معارك وقتال شديدين ، حوص هذا الشريف فى نفس هذه القلعة ثم استسلم فقبض عليه الامام الناصر ، وكان حليما عاقلا فأعاده الى مكة مبجلا معظما .
تاريخ الظاهر ومعجبة والبرشاء س : ما سبب انقراض الآثار التاريخية فى ابو عريش ؟
جـ : الآثار فى ابو عريش تنقسم الى ثلاثة اقسام ، لكل قسم منها تاريخ مستقبل ، أما الاول فهو القلاع الامامية ولم أعثر على سبب انقراضها فى التاريخ قط ، فقد يكون انقراضها لحوادث معينة لم تدون من قبل المؤرخين .
أما القسم الثانى فهو معاقل الشريف حمود بن محمد الثلاثة : ( الظاهر ) و( معجبة ) و( البرشاء ) الواقعة فى المركز الغربى من ابو عريش وسبب انقراضها يرجع الى خلاف
نشب بين الشريف حمود بن محمد وبين ابن أخيه الشريف على بن حيدر وذلك فى سنة ثلاثين بعد المائتين والالف ، فقد خرج الشريف على بن حيدر مغاضبا لعمه ، ومعه الشريف منصور بن ناصر صاحب صبيا آنذاك فاتصل بمحمد على باشا بمكة ، فى الوقت الذى كانت فيه نجد تعانى محنة قاسية فى تاريخها من زحف محمد على باشا ، وطلب منه مددا يخضع به عمه ، فأبقاه بقوز أبو العير بوادى حلى ، ثم جهز معه فرقة من الترك ، بنظارة خليل باشا ، وكان هذا بعد وفاة الشريف حمود وبعد ان تولى على الحكم ولده الشريف احمد بن حمود ، فوصل الشريف على بن حيدر ومعه الترك ، واطلقوا عليه اليمن ، وامروه بهدم معاقل الشريف حمود فهدمها عن آخرها وابقوا عنده رتبا من الترك . كان هذا فى سنة ثلاث وثلاثين بعد المائتين والالف ، وتولى بعد الشريف على بن حيدر ولده الشريف الحسين ، ثم طلب الى السلطان عبد المجيد ، فقام بالامر بعده اخوه حيد بن على فعارضه ابنا اخويه الحسن بن محمد والحسن بن حسين فتخلى الشريف حيدر بن على عن الامر
تاريخ الشامخ ومن هنا نأتى على تاريخ القسم الثالث من الآثار وهو الشامخ وهو المعقل الضخم الذى بناه الشريف الحسن بن محمد الذى تنازع على الحكم مع ابن عمه الحسن بن حسين فقتله ، واستقل بالحكم مدة حتى نزل الامير
محمد بن عائض فقضى عليه وهدم المعقل واستولى على المدينة العريشية وجعل من طرفه اميرا عسيريا
انقراض حكم آل عايض س : كيف انقرض حكم آل عايض فى ابو عريش ؟ .. جـ - بعد ان قضى محمد بن عايض على الحسن بن محمد ، وبعد ان هدم معقله الضخم ، جهزت الدولة التركية على محمد بن عايض ، طابورا تركيا من الحديدة ، برئاسة سليمان باشا ، فقبضوا ابو عريش وجازان وطردوا من بهما من آل عايض .
ولم يتضعضع ابن عايض، بل حمل حملة عنيفة استولى بها على ابو عريش وجازان ، واشرف على الحديدة فطرد الترك ، ثم وقعت معارك عنيفة وطاحنة فشل بعدها من الاستيلاء على الحديدة فعرج الى الجبانة وهى قرية ذات نخل على سيف البحر ، تبعد عن الحديدة بثلاثة فراسخ تقريبا ، وهناك اصاب جنده الوباء فهلك اكثره ولم يبق الا اقله ، فعزم على الرجوع الى الشام ، وفى طريقه عرج بجنده على الزيدية فأباحها ووصل أبها واراد مهاجمة حاميتها ، فجهزت عليه الدولة العساكر الشاهانية فتملكوا بلاد عسير بعد القبض على الامير وقتله وقتل اسرته ومن هنا تقلص ظل آل عائض ، وصفا الجو للدولة ، وذلك فى سنة ثمان وثمانين بعد المائتين والالف ، فقسمت الدولة التركية اليمن الى ولايتين ، ولاية أبها عسير .. وولاية
صنعاء اليمن وما زالوا بها حتى خرجوا منها فى الحرب العالمية الاولى عام اثنين وثلاثين بعد الثلاثمائة والالف
س : هل اطلع احد من اعلام المخلاف السليمانى المعاصرين على تاريخكم هذا ( اللامع ) ؟
جـ : اطلع عيه كثير من مشاهير الخلاف ، واذكر منهم العلامة السيد احمد عبد الفتاح صاحب العريش ، وشاعر جازان الاديب محمد بن احمد عيسى وقد مكث عندهما الايام والاسابيع لدراسته دراسة تقص وامعان ، وممن اطلع عليه ( بامهير ) ، ذلك الرجل الانسانى الذى كان سببا فى تفجير عين جازان من بين أنامل مولانا صاحب الجلالة الملك المعظم ، وقد زارنى بامهير هذا واطلع على تاريخى ( اللامع ) ووعدنى باتخاذ الوسائل الايجابية لطبعه ..
س : ما هى المصادر التاريخية التى اعتمدتم عليها فى اخراج تاريخكم اللامع الى حيز الوجود ؟
جـ - له مصادر تاريخية عدة وقد ذكرتها على وجه التقريب على غلاف اللامع فى منظومتى هذه :
بحمد الهى تم تاريخى الذى غدا بين اهل العصر اعجوبة الدهر تلقيت فيه عن مصادر من مضى من العلماء أهل الرسوخ ذوى القدر
س : ما هى أمنيتكم العزيزة بالنسبة لفضيلتكم كبحاثة ومؤرخ ؟ جـ : امنيتى العزيزة التى لا ازال اترقبها بكل لهفة .. هى ذلك المخطوط الرائع ( ديوان بن هتيمل ) الذى اخذه منى عارية قاضى ابو عريش الاسبق ( عبد العزيز العقيل ) وقد ذهب معه لنجد إلى غير رجعة ، ولكنى لا ازال اثق فيه كأخ نبيل كريم وانى لانتظر اللحظة السعيدة المباركة التى اتسلم فيها منه هذا الديوان المخطوط
وبهذا ايها القارئ تصرف فى ابو عريش ابسط كوخ من اكواخها المتواضعة الغبراء يحتفظ الى جانب ما يتميز به من فلسفة الحياة السلفية المستقيمة بمدرسة فنونها الشريعة والادب والتاريخ ..
جازان

