آثار المملكة العربية السعودية, كل شئ عن ظلم ومنجمها !!

Share

* فى عام ١٣٥٤ ه أتيح لكاتب هذه السطور ان يرتحل الى شرق المدينة المنورة، رحلة تنزهية استجمامية فدونت جميع المعلومات الخاصة بتلك المنطقة الفيحاء، معتمدا على المعاجم وكتب السيرة والتاريخ، وعلى المشاهدة وتطبيق الاخبار المروية بالمشاهدات .. ثم القيت فى عام ١٣٥٦ ه محاضرة عن بعض تلك المعلومات بندوة جمعية الاسعاف بمكة، وقد نشرت المحاضرة فى كتاب (محاضرات الأسعاف) بعنوان: (الآثار حول المدينة المنورة) وأبقيت الجزء الاهم لكتاب (آثار المملكة العربية السعودية) .

* ورد فى تلك المحاضرة أول بحث ينشر فى هذه البلاد عن اسم جبل (ظلم) الواقع فى المنطقة التى كنت تجولت بها. وها انا انقل هنا حرفيا ما كنت قلته عن ظلم فى المحاضرة: (١)

"واما ظلم فهو هذا الجيل الأسود الذى يقع فى شمال غرب جبل غزال يفصل بينهما وادى غزال .. وظلم هذا لم تظلمه السنة البادية فيما ظلموه بالأيام الخالية .. وقال الاصمعي فى تعريفه: انه الجبل الأسود الذى هو لعمرو بن كلاب ، وهو احد الأجبل الثلاثة التى تكتنف الطريق فيما قال عرام .. وهذا الوصف ينطبق على جبل ظلم هذا، فان الطريق الى "حائل " والى " نجد" يقع بجنوبه هو وجبل "كشر" .. اما "ضبع": الجبل الثالث ، فان الطريق تقع بشماله ."ام

* هذا ما حاضرت به اذ ذاك عن ظلم فاذا رجعت الى مسودة نتائج بحوثي فيما يتعلق بتلك الرحلة فانى اجد ما يلى : "وهذا الوصف ينطبق ايضا على ما اورده المؤرخون من كون جبل ظلم يقع فى طريق الحاج العراقي. و"ظلم " ليس علما على جبل واحد فى بلاد العرب .. فهو كثور. علم مشترك . ففي مكة (جبل ثور) وفي المدينة جبل

ثور وهذا من دأب العرب فى وضع اسماء مشتركة لمسميات مختلفه سواء كانت اناسى او حيوانا او جمادا ومثل ذلك العقيق فليس علما لعقيق المدينة وحده بل له زملاء ثلاثة كل منها عقيق .. ومثله ثنية الوداع بمكة والمدينة وعلى ذلك يوجد جبل آخر باسم ظلم فى قرب الدفينة بنجد، وغيره

* فاذا طبقنا ما أشير اليه على القفر الاجرد والسبسب الذى يقع فيه المنجم المعروف اليوم بمنجم ظلم، والذى اكتشف فى عهد الحكومة العربية السعودية واهتم باستخراج الذهب الوفير منه معالي وزير مالها الشيخ عبد الله السليمان وبدأ به العمل فعلا باشراف الحكومة وحدها. إذا طبقنا ذلك على هذا المنجم، وعلى ماثبت عنه من انه يقع وسط صحراء قفر جرداء ولا يقرب منه اى جبل ما، وانما يقع بعيدا عنه جبل ظلم، فان لنا ان نقرر ان نسبة المنجم الى جبل ظلم، مع ان جبل ظلم بعيد عنه، انما هي من باب نسبة الشىء الى اقرب شئ معروف اليه تمييزا له عن غيره بهذه الاضافة.

* ويبدو مما كتب عن هذا المنجم انه من اقدم المناجم فى العالم، ويدل على قدمه نسيانه واهمال شأنه طيلة امد مديد .. وقد زاده اهمالا اضطراب حبل الأمن فى الازمان الغابرة خصوصا فى مثل هذه المنطقة الموغلة فى صحراء الجزيرة، والموحشة، والتي لا توجد بها مياه عذبة، ولا يسكنها الاجفاة الاعراب ان قدر لهم ان يسكنوها .. وهم مكشوفون للغارات على كل حال ما يجعلهم ينأمون عنها فى اول فرصة تمكنهم من ذلك

* على ان المنطقة قد احتفظت باسمها نتيجة حب الاعراب لمواطنهم القديمة كما احتفظ اعراب شمال شرق المدينة باسماء اعلام منطقتهم ومنها جبل ظلم وجبل غزال وجبل كشر .. فلا تزال بظلم حفنة من البادية ترحل هنا وهناك على ما رواه المشاهدون .

* وبعد منجم ظلم عن مكة بحوالى ٤٤٧ كيلو مترا . ويبعد عن المويه بـ٦٥ كيلو مترا، وعن الخرمة بـ٩٥ كيلو مترا .

* ولامياه عذبة فى المنطقة .. هى مشكلة ستحلها باذن الله تعالى يد العلم الحديث والعمل الحثيث، وستمد بالماء النمير بوساطة الانابيب من مسافة ٦٣ كيلو مترا . اما مياهها الملح فهي قريبه جدا من سطح الأرض .

* منطقه ظلم سطحها صحراء وهى سهل متسع، ولكن تحت هذه السطحية منطقة صخرية، والمنجم بداخل هذه المنطقه الحجرية الصماء .

* كانت طريقة استخراج الذهب القديمة ساذجة بدائية، وتتخلص فى تفتيت الحجارة الكبيرة وكسرها، ثم فى ادارة الأرحية عليها كما تستحيل الى ذرات ثم يجرى تصفية الذهب من التراب بالماء .

* ويبدو من مباحث المستشرقين والباحثين حول هذه المنطقة ان منجمها الذهبى عرف منذ قدماء الفينيقيين فى العصر البرنزي وقالوا إن تاريخ سكناهم بهذه المنطقة يرجع اما الى الألف الثانية أو الثالثة قبل الميلاد (١) ولظهور مبان قديمة وبجموعة من الرحي حول المنجم فائدة قيمة فى استكشاف حياة الأولين وطريقة مزاولتهم للأعمال اذا ما اجريت الحفريات الفنية هنالك، وقد غطت الرمال جانبا كبيرا من المنجم القديم، وقد تكون رمال أخرى هناك شكلت تلالا فى تلك المنطقة، كما هو الشان فى المناطق المجاورة .. وهذه التلال قائمة على مدن ومقابر وآثار ممعنة فى القدم، ولن يكشف حقيقة أمرها الا أعمال الحفر الأثرى فيها .

* لقد اشار الى هذه الرمال التى تشكل تلالا داخل صحراء نجد بعض المستشرقين والباحثين ومنهم (فلبى) وقد قالوا انها مقابر الاولين من الفينيقيين على ما يرجحون، وقالوا انه يبدو من وجودها فى محلات صحراوية بعيدة عن مواضع العمران وفى اماكن لا يقيم فيها الناس ان هذه المناطق كانت مأهولة قبل الاسلام، وانها كانت ذات تاريخ قديم جدا، وان سكان المناطق السهلة منها - ومنها هذه المنطقة : (منطقة ظلم) - كانوا من المزارعين المستقرين (٢) على ان الباحثين يقررون انه لا يمكن الجزم بتعيين تاريخ هذه المقابر الا بالحفريات الدقيقة (٣)

* وقد اشار أولئك الباحثون الى منطقة (المويه) وقالوا انها تبعد عن مكة بــ ١٤٣ ميلا وانها تقع فى شمال شرقها ... ونرى ان منطقة المويه، تشمل من ناحية الآثار والتلال والحياة الاجتماعية القديمة - منطقة ظلم ، فلابد أن تكون المدن او القرى

متجاورة بين ظلم والموية . وما حولهما فى ذلك الزمن السحيق ولابد ان هذه المنطقة كانت زراعية صناعية، وقد كان منجم الذهب يمدها بالترف والثراء، وكان سكان المنطقة يروحون ويـجيئون هانئين ... وكانوا على اتصال وثيق ببعضهم وبالعالم من طريق القوافل التجارية التى كانت تنقل صناعاتهم وذهبهم وزراعاتهم الى انحاء الجزيرة وما وراءها والى ارجاء العالم المحتاجة المتطلبة لأنتاجهم ... خاصة ان الفينيقيين الذين كانوا سكانها - على ما يرجح كانوا من انشط الأمم ومن اوائل بناة الحضارة البشرية . وبهذا تتأيد النظرية القائلة بأن جزيرة العرب هى مهد الحضارة ، وقد ايد هذا ، قول بعض الأثريين الباحثين عن مطقتنا هذه انها كانت مسكن الفينيقيين قبل رحيلهم الى لبنان (١). اذن كان هنا خصب ونماء وصناعة وعمران وازدهار ، وقد بدل ذلك بالجدب والجفاف، وجاءت العوامل الطبعية والجوية والبشرية فطمرت هذه المدنية المزدهرة، ثم لفتها فى برود النسيان والاهمال قرونا بعد قرون .

* أما الآن وقد بدأ المبضع العلمى، والعملى، يصل الى تشريح احشاء ارضنا الذهبية فاننا نود ان نعلق - بهذه المناسبة - بان هذه أمنية قديمة طالما تمنيناها فيما كتبناه وفيما اذعناه وفيما نشرناه . وسار جدا ان تتولى حكومة جلالة الملك رأسا، اعمال استخراج الذهب من منجم ظلم، وبذلك يعيد التاريخ نفسه، وسار ان تؤلف من قبلها لجنة علمية وان يضم اليها بعض من لهم علاقة بالبحث الاثرى من المواطنين ليعيدوا فتح هذا السجل الملىء الذى طالما طوى صحائفه العر الثمينة عوامل الزمان والانسان ولاريب ان سيكتشف فى جوف الأرض من الكنوز والمعادن والآثار ما يفوق الكثير مما فى الدنيا ان شاء الله .

* هذا واخال انه ليس بابيا ان اروى قصة بعض الآثار العادية التى كنت شاهدتها . مماثلة لتلك التى تحدث عنها المستشرقون فى (المويه)، وظلم، والأحساء .. فقد كنت فى سنة ١٣٥٣ ه احاول استكشاف المعالم المجهولة العريقة فى القدم من تاريخ المدينة المنورة ، على ضوء البحث والدراسة المحسة والمشاهدة ..

فقمت ذات يوم من قرية قباء مبكرا وامتطيت حمارا اكثربته ، وسلكت طريق الرسول عليه السلام فى هجرته الى المدينة المنورة وهو المعروف اليوم فى المدينة بطرق الجصة ، ومضيت في طريقى حتى سامت جبل عير وهو الى الشمال منى ثم خلفته ورائى، وما اكملت زهاء اربع ساعات فى السير حتى لاح لى فى ضياء الشمس الوهاج - الى ناحية الجنوب من طريقي - جبيل اسود حرى متطامن ، ولكنه كان يفيض بريقا ، ولمعانا ، واشراقا ، يكاد يخطف البصر ، وكم كنت مبتهجا ؛ إذ خيل الى انى اكتشفت منجم ألماس، واقبلت مسرعا الى الجبيل، والتقطت كثيرا من حجارته البراقة .. فاذا هي ما يدعى بحجر المدينة الذي تعمل منه فصوص الخواتم بها .. هو ابيض براق كالألماس ولكنه ليس به .. ثم صعدت قليلا على سفح الجبيل فراعتني هذه القباب السود اللاطئة المرصوصة بجنباته رصا منظما .. وعمدت الى قبة من القباب فرفعت بعض حجارتها المتوسطة الحجم واطللت على ما فى جوفها فاذا عظام وهياكل بشربة قديمة ضخمة ممددة .. وهي ناصعة البياض .. ولكنها ظلت سليمة طيلة هذه الدهور التى مرت بها ، بحكمة هذه القباب وكشفت غطاء قبة مجاورة فاذا المنظر يتكرر ... هنا ادركت ان هذه مقبرة أثرية عادية .. وقد ادركت من ذلك ايضا انه كانت تقوم بالقرب من هذه المقبرة الغريبة مدينة كانت فى سالف الحقب الممعنة فى القدم ، آهلة بالسكان المتمدنين . ولكن اين هي المدينة ؟ ومن هم سكانها ؟ واين آثارها ؟ إنى لم تمكن من اجراء البحث عن ذلك اذ ذاك لانى كنت مجهدا ونائيا عن العمران ، وكان الحر لافحا ، فنجوت بجلدى ، وعدت ادراجي موقنا انى كنت على باب كشف علمى هائل لو هيئت لى وسائله .. وبقيت فى قرارة النفس نية مبيتة تتمثل فى اثارة فى هذا البحث فى يوم من الأيام. وقد جاءت المناسبة - فى العناية المبرورة بمنطقة ظلم، فها انا اثيره الآن وآمل ان تكون فى اثارته إثارة للاهتمام بهذه الناحية الاثرية المهمة من قبل من يهمهم الأمر، لا فى منطقة ظلم ولا فى منطقة جبيل الجصة وحدهما بل فى سائر انحاء المملكة اجمع .

اشترك في نشرتنا البريدية