أدباؤنا المعاصرون

Share

الأدب الذي نعالجه فى بلادنا لاشخصية له لأنا لا نجد فيه أثرا للبيئة ولا للتقاليد والعادات الحجازية ، ولا يجد له " علامة فارقة " تميزه عن الأدب في البلدان العربية ، واساليب الأدباء ذات مظهر يدل على انه " صورة " للاسلوب المصري في الأدب ، وهذا طبيعي لأنه لم تكن لدينا القوة التى تمكننا من إيجاد أسلوب حجازي صحيح

إن أدبنا ضعيف ، ولهذا استطاع الأدب المصرى أن يطغي عليه بأسلوبه وفكرته ومنهجه ، بل الصحيح أن ادبنا هو الأدب المصرى لأننا غذيناه وارتضيناه واتخذناه أدبا لنا

والحياة التى نحياها فكريا وعاطفيا هي الحياة التى يحياها الأدب المصرى مع فارق في الماديات والمظاهر ؛ أما الاماني والاحلام والآلام واتجاه التفكير فاننا نتفق معهم فيها غير أن للاديب المصرى فضل السعة فى العلم والأدب والثقافة لأن الحياة قد أتاحت له ما لم تتحه للاديب الحجازي

إن الأسلوب الأدبي هنا هو أسلوب الأدب في مصر ، وقل أن نجد اختلافا بينهما فى الجو والروح والظلال والأثر والجرس ، والفرق بين الاسلوبين هو الفرق بين الطبع والتكلف ، بين الأصل والتقليد ، بين الغني والفقير

ومع هذا فلم نستطع تقليد الأدب المصرى فى الفكرة والموضوع لأن الفرق بين أدبائنا وأدباء مصر عظيم ، فقد أعانت هؤلاء الوفرة فى الدراسة والثقافة والنشر والمكتبات والتشجيع وتقدمهم في العلم أجمل العون كما خذلت أدباءنا القلة والفاقة في كل ذلك إلى حد بعيد .

وهناك اسباب كثيرة قامت في سبيل نهضتنا الأدبية أهمها أن عدد المتعلمين لدينا ضئيل محدود ، فاذا ما صدر كتاب لم يستطع مؤلفه أن يجد سوقا تأكل بضاعته ، ومعظم ما يوزع هدية ودين وعارية فيخسر ويترك التأليف لأنه مجازفة بما يقيم اوده .

وعلى سبيل المثال أقول : إنني طبعت ديوان : الهوى والشباب ، فبعت الطبعة كلها فى مصر ، ولم استطع أن ابيع فى الحجاز إلا خمس عشرة نسخة وما عداها خذ منى بغير رضاي على سبيل التحية والهدية ...

ومازال كثير ممن اعرف ولا أعرف يستهديني مؤلفاتي ، وكثيرمن الناس يزورني في بيتي ويحمل معه ما يجد منها يستكتبني عليه كلمة الاهداء

ولو كان هؤلاء المستهدون فقراء ويحبون القراءة لعذرتهم ، ولكنهم ليسوا كذلك ، بل بعضهم غنى يجود بالمئات ويبخل بالاحاد في الميدان الأدبي

إن سوق التوزيع - هنا كاسدة إلى حد بعيد ، وفوق هذا نكبة " الاستهداء " وهذا يدل على الجهل بالقيم الانسانية والمعنوية او عدم الاحتفاء بها

إن طائفة الأدباء عندنا أشد الطوائف بؤسا وفاقة ، فاذا أمسك بأحدهم المرض فانه لا يجد طعامه ولا علاجه ولا يجد من يعينه او يذكره ، والصحيح منهم يعيش عيش الكفاف الذي يقتل النبوغ ويطفى الشعلة .

يجب أن لا نبحث عن أدباء فى بلادنا ، وأحرى بلائميهم أن يسكنوا ويمهدوا لهم قبل اللوم سبيل النشر والتشجيع ، فاذا صنعوا ذلك ووجدوا منهم تأخرا وجمودا فليلوموهم فانهم - حينئذ يستحقون الملامة والنأنيب .

كيف نطلب من أرض خصبة أن يجود بالتمر ونحن نضن عليها بالبذرة والسقيا ؟ وكيف ترغب من البئر أن يهبنا الماء ونحن نبخل عليها بالدلاء ؟

إن فقدان وسائل النشر والتشجيع والسوق اثر في أدبائنا تأثيرا سيئا ، فباعد بينهم وبين الانتاج الجيد الذي يعود عليهم بالربح المادي والريح الادبي ، وصار ادبهم المنشور - كثره - أدب منا سبات وتزجية فراغ اما الأدب الصحيح فلدينا منه - على رغم ندرته - ما يشرفنا ولكنه موعود ينتظر البعث والنور وعدم بعثه أفسد على الأدباء ما وراءه من انتاج جيد .

إلى الأفكار والآراء لتأسن كما يأسن الماء ، والفكر كحنفية الماء فاذا احتبس فيها أسن وإذا خرج حل محله غيره وكذلك الأفكار ، فاذا خرجت فكرة جذبت خلفها اخرى تشغل الفراغ الذي تركته وهكذا ، أما اذا بقيت في مكمنها أسنت وأصيب ماوراءها بالكلال وأصيب المفكر نفسه باللغوب .

وسبب ضعف الأدب فشو الأمية فى جميع الطبقات ، وفوق ذلك لهو المتعلمين وانصرافهم عن القراءة وفقر كثير منهم وعدم وجود السوق النافقة .

إن السوق النافقة ضرورة لازمة للأدب ، فهي التى تمد الأدب بالنشاط لأنها تعينه على الاكتساب ، وتطمئنه الى ان جهده مثمر ، وان هناك من يرقبه ويتلقاه فيخصب إنتاجه ويحلو ثمره .

وهناك أسباب أخرى تنهض في سبيل أدبائنا المعاصرين يرجع بعضها اليهم أنفسهم وأكثرها إلى غيرهم ، فالناس يريدون من الاديب ان يكون قوالا فعالا ، وهذا غير ممكن ، فهو إذا دعا مثلا إلى الأصل وإلى مكافحة الأمية والمرض لا يستطيع ان يفتح المدارس والمستشفيات ويعالج المرضى .

ولعل شأنه أن يكون كمصباح الشارع ينير للمار الطريق وهو فى مكانه لا أن يسير مع كل مار يوصله إلى بيته .

وإذا أبصروه قوالا تركوه فتركهم هو أيضا وآثر الانزواء لأنه لم يستطع ، وهو فاقد الحيلة نزر القوة ، أن يحملهم على الإيمان به ، ولأن فكرة الرجعة حالة تسود الجميع وهو وحده الذى وسعه الانفلات منها ولا يسعة ان يحل محلها الجديد أو لا يسعه أن يجعل الاجتهاد بدلها .

غير أننى أحمل كثيرا من التبعة الأدباء أنفسهم فهم السبب فى كثير مما لحقهم من الخذلان والضعف وسوء السمعة والتفرق ، وهذا راجع إلى الكسل والانصراف إلى ملاحقة " لقمة العيش " وغير ذلك مما ذكرناه في مظانه من هذا المقال . ويجب على أدبائنا أن يكونوا اخوة وان يكونوا قدوة فى أقوالهم وأفعالهم واخلاقهم ويجعلوا العفة ولين الجانب وحسن الخلق زينة السنتهم وقلوبهم ، وان لا يساموا من الكفاح والدعوة إلى الخير والحق والجمال ، وان يتحدثوا بنعمة الله عليهم ألا وهي " الأدب "

اشترك في نشرتنا البريدية