أدباؤنا فى الجيل الماضى والحاضر

Share
[ الاستاذ كاتب هذا البحث الطريف غنى بأدبه وشهرته عن التعريف ، وقد جمع الله له بين موهبتى الشعر والنثر ، ولنثره روعة ، وفيه قوة وجزالة الى سهولة ومرح ، فلا يمل قارئ من متابعة ما تفيض به يراعته الفياضة هما اطنب : وقد احال هذا البحث الغامض الشائك الى روض شائق يتنقل معه القارىء فيه من فتن الى فتن ]

هذا هو الموضوع الذى دعانى للكتابة فيه استاذنا الكبير صاحب ( المنهل ) ولست ادرى وأنا امسك القلم بيمينى لأمتثل رغبته واحقق رجاءه ما يعنيه فى ارساله هذا العنوان على علاته مع ما فيه من سعة آفاق ، وقيد واطلاق وهو يعلم كيف انه يجعلني فى حرج شديد لأتبين قصده الأول أو هدفه الذى يرمى اليه ؟؟!

فأى الماضيين يعنى - القريب ؟ أم البعيد ؟ وأى الجيلين - القديم أم الجديد ؟ وأى الأدبين الطريف ام التليد ؟ وأيا ما كانت الغاية التى ينشدها عبقرينا البحاثة فان فى شرطه أن لا يتجاوز الكلام أربع صفحات من حجم ( المنهل ) الأغر ، ما يحملنى على الايجاز والاقتضاب ويعفينى من العنت والاسهاب .

وقبل الشروع فى الموضوع - أجد من الحق علي - ان ابتدأ البحث بالشكر لله تعالى ثم لصديقى صاحب هذه المجلة التى أخذت مكانها واحتلت منزلتها بين امهات ( المجلات العربية ) فهو بلا شك أول من تغلب على الصعاب ولم يدخر جهدا فى السمو بمجلته الى المستوى الذى تفاخر به بلادنا رغم كل ما اعترض سبيله من عقبات مادية وآلية وثقافية .

مشى بها تحبو حبوا ، فمط البعض شفاههم وظنوا انها ( سحابة صيف عن قليل تقشع ) كأنهم لم يعلموا أن اسرع وسائط المواصلات فى عصرنا الحديث ( الطيارة ) - وما كانت لتستطيع ان تقفز قفزا فى ( مطارها ) قبل أن تأخذ مداها فى التدرج ولاستجماع ، فاذا بها محلقة دون النجوم وفوق الغيوم - هذا وهى مستكملة اسبابها الفنية ومحركاتها اللولبية !! أما ( المنهل ) فلم يطل به الأمد حتى شهدناه على ضعف وسائله يتحدى الآفاق البعيدة ويسابق الزمن ويتغلغل بين أسفار العلم وتجاريب الحياة واسرار الملكوت ويجلو لقرائه عرائس الفكر ونفائس الكنوز ومشاهد الحضارة وذخائر الحكمة والخلق والدين .

أما انه كان الاول فى الحلبة والغرة فى الناصية فما على القارئ إلا ان يرجع البصر كرتين الى العدد الاول حين طلع على الناس فى سذاجة وتواضع ؛ وصمد للعوائق يتغلب عليها حتى ليبدو للناظر الآن فتيا يتدفق ماء الشباب بين أعطافه وتترقرق صفحاته الزاهية بالورود العبقة والباقات الشذية ؛ والنفثات الساحرة !

وإذا قلت هذا فى (( المنهل )) فما أحرى أن يتجه ثنائى الى البيئة التى احتضنته والتى استساغته ؛ والمواهب التى أمدته ؛ ولو لم يكن الحال كما ذكرت لتعثر خطوه ورجع الى القهقرى وانطوى فى سجل الغابرين .

صحيح أنه فى حاجة الى اضطراد عزمه وازدياد حجمه والى الكثير من وسائل التفوق - والمباراة مع لداته واترابه فى البلاد العربية التى غمرتها مظاهر الحضارة وأسعفتها ثقافاتها المتقدمة والمتأخرة قبلنا بكل ما نحن فى إبانه بعد مرور مائة عام و أكثر ، وعلى الاصح بعد قرون عدة كنا خلالها فى نجوة عن العالم باسره ، اللهم إلا من يتصل بنا ونتصل بهم من مختلف أجناس البشر فى (( موسم الحج )) حيث لا تلبث المواكب الاياما معدودات ثم تغادرنا ونقبع وراء الصخور وفى جوانب الدور ، ونستعرض ما ليس فيه جدوى من أحداث محلية لا تعدو ان تكون ملهاة عن الجد ، أو جدا من اللهو ، حتى أذن الله بالصاخة تقرع أسماع الأرض من أعماق السماء فاذا بنا غيرنا بالامس تنشق بنا الاجداث عن أمة تريد الحياة وتسعى لها سعيها واذا الطرق أمامنا شاسعة والخيار متعذر و (( البقاء )) محتوم ، وهكذا قدر لنا أن نصحو بعدم نوم ، وننشط بعد عقال ونبلغ بعض ما نريد ولما يمض على انتفاضنا ربع قرن ، وما هو بالشئ المذكور فى أعمار الشعوب وحيوات الامم .

اذن - فالمنهل فى عدده هذا الممتاز وسنته ( الثامنة ) يعتبر بحق دليلا ساطعا وبرهانا قاطعا على ان البلاد قد قطعت اشواطا بعيدة فى حياتها العلمية والثقافية والأدبية . وان كل مخضرم أدرك ماقبل عصرنا السعودى وقارن بين ما يعرفه من نخبة الادباء والشعراء والقراء حينذاك وبين أمثالهم الاكثرين فى مرحلتنا - الحاضرة ليستطيع أن يرفع رأسه عاليا مباهاة بالطبقة بعد الطبقة والجيل بعد الجيل والرعيل بعد الرعيل من هؤلاء واولئك الأفذذ الذين اقتحموا ميادين العمل ، وما كان لهم به من عهد - واحتلوا ارفع المناصب واحتملوا أخطر المسئوليات ، وتجشموا أشق الرحلات وخاضوا عباب البحر وزاحموا بواشق الطير واضطلعوا بالخدمات العامة وهم بعد لم يخلعوا أردية الصبا ولا زهدوا فى ملاعب الفتيان .

واذا كان لى أن أشيع الغبطة فى قلوب مواطنى : الشيوخ منهم والشبان فيلسمح لى صديقى الانصارى أن أشير فى مرح وفرح عظيمين الى ان بوادر النهضة المحسوسة الملموسة قد ظهرت جلية واضحة فى تحول الاخلاق من الضعف الى القوة ومن الكسل الى نشاط من الطفولة الى الرجولة ومن الميوعة ، الى الفحولة ، وما كان قبل أعوام متواضعا عليه أو مغضوضا عنه أو متهاونا فيه من العادات والتقاليد البالية ، قد أصبح بحكم التطور الملح معتاضا عنه بما هو أشبه بالحق وأدنى الى الصواب وابعد عن السخف ؛ ولا ينبئك مثل خبير !!

والآن اشعر أن من القراء من يتساءل ؟؟ أين هذا الاستطراد الطويل الممل من موضوع أدباء الجيل الماضى والحاضر ؟ واراه على حق فى تساؤله لولا اننى جبلت على ان أرى الأدب والأدباء بعينين لا يفترق امامهما الأدب عن الواقع الا ان يكون خيوطا من نسج العنكبوت ! فما عهدنا بالأدب فى مراميه وأهدافه يوم نشانا اغرارا الا ان نتلمظ رسائل ( بديع الزمان الهمذانى ) ونتهجى ( مقامات الحريرى ) ونستمع الى اساطير ( ابى زيد الهلالى ) و ( عنترة العبسى ) و ( سيف بن ذى يزن ) ، ونترنح من بيتى ( الرقمتين ) ونصغى الى تشاطير وتخاميس فى الغزل اشبه ما تكون بالسراب يتلمسه الظمآن حتى اذا جاءه لم يجده شيئا ! !                                                                      ٤٥٥

كنا - نستمع الى مرثية (( بديوى )) فى ممدوحه - وهي ذات المطلع الذى سارت بذكره الركبان :

الملك لله والدنيا مداولة              وما لحي على الايام تخليد

الناس زرع الفنا والموت حاصدهم   وكل زرع اذا ما تم محصود

ونتفرس فى وجوه المتدين حولنا فلا ينى جميعهم من الاخبات والخنوع وكأنما هذا الشاعر قد استهواهم بمعانيه واسرهم بقوافيه فكلهم يردد ما قال وكلهم السائب المخزومى حين انطلقت به احشاء المدينة وحدائق (( العقيق )) وهو يتغنى ببيت العرحى :

فتلازما عند الفراق صبابة     أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر

ولا نكران أن قصيدة (( البديوى )) بالنسبة لبداوته وثقافته التى ما كان يتاح له اكثر منها ، بالغة حد الاجادة تمس اعشار القلوب ومناط الأفئدة مما تعرضه عن الفناء وجلال الحى الذى لا يموت ، وماتبعثه فى النفوس من يقظة واستذكار وعبرة واستبصار وكنا نصغي الى ما ينسب الى (( عبد الواحد الاشرم )) من نسيب وتشبيب وناهيك بما كان مضرب الامثال من قوله :

على جيد هذا الظبى فلينظم الدر    والا فما للدر فخر ولا قدر

فيترنح له المغنون والمطربون ؛ وفى ظنى ان السر فى تأثير الشاعرين واثرهما فى نفوس معاصريهما انما هو مضمر فى ملابسات الحالين وشمولهما لرهبة الموت فى الاول ودهشة الجمال فى الثانية اكثر مما هو فى عبقريتهما أو تفوقهما !!

ويشتد بنا الاسف اننا لا نكاد نظفر يديوان مخطوط او مطبوع لهما ولا لسواهما ممن سبقونا او أدركناهم من رجال الادب فقد كان فى كل من مكة والطائف وجدة والمدينه المنورة وفى البوادى المنبسطة بينهما عدد ليس بالقليل من الادباء والشعراء الذين ضربوا بسهم وافر فى الادب الفطرى والتقليدى ، ومنهم الاستاذ العلامة (( الراضى )) و (( الأسكوبى )) و (( عبد الجليل براءة )) و (( عبد الحميد قدس )) و (( عمر الكردى )) و (( الصحاف )) وغيرهم ولهذا لاخير على اكثاره مطالع ومقاطع قلما تتفق للمتأخرين .

واذا امعنا قليلا فى الرجوع الى ما قبل القرن الذى نحن فيه وتجاوزناه الى القرن الحادى عشر وما بعده نجد بين الفينة والفينة نفسا عاليا وأسلوبا باهرا ومحاكاة لا تخلو من التناسق والمطابقة والانسجام .

وسأذكر من ذلك على سبيل التمثيل قطعة من شعره (( ابن علان )) لاديب الشاعر المكى وقد تولى السفارة إلى ملوك الهند فى سنة ١١٣٧ هـ ، أوردها صاحب (( نزهة الجليس )) لمكى وهى الاولى والاخيرة من نوعها فى وصف ما كانت البلاد المقدسة تعانيه فى تلك الفترة من فتن وغارات ، وترات و ثارات ؛ قال رحمه الله تعالى :

سمى لوابل الوسمى مرتجس الحيا               ربى ( المنحنى ) ما طاب فيه بكور

وروى ضواحى السفح من ( شعب عامر )      غمام جهام ما لديه سفور

وحيا الحيا ما ضمن ( الخيف من منى )       ومن حل فيه ما أفاء ( ثبير )

إذا أرزمت ( بالمازمين ) غمامة                 فاي فؤاد لا يكاد يطير

وان هينمت ريح النعامى سحيرة              لدى ( عرفات ) فالغرام غزير

فياليت أياما هناك نقيمها                     نعوض من مضمونهن شهور

عشية يلقى كل مسعار لوعة                  مساغ شجاه ما عليه خفير

هراكيل أمثال البدور تقلها                    غصون نقى ، أحقافهن تمور

يجررن أذيال المروط تبخترا                    فيعبق بين ( الأخشبين ) عسير

متى من ما بين ( الاجارع ) فاللوى           عليهن من ربط الحياء ستور !!

كأن الظباء العفر تعطو سوانحا               تراآى لها روض هناك نضير

من اللآء ما باشرن يوما خيانة                وعف حيا ذيل لها وضمير

فلا وصلة لاونى وأصابع                       يشابهها العناب حين تشير

ولن يلتقى الجثمان منا ويلتقى                الى قلبها قلبى الشجى سفير

من الحول حتى يخلف الحول مثله           نراقب نجم الوصل حيث ينير

وكم من ظلام بت فى طى جنحه              يؤرقنى فيه جرى وزفير ؟!

فتخذ لى زهر النجوم لانهما                     تسير - وابقى بعدهن أسير ؟!

ومن فجر يوم راعنى وهو طالع                كأن على الآفاق منه غدير !!

كأن النجوم الزاهرات بلجة                  وقد غض من أضوائهن زهور

ونحن نشاوى صبوة لا يروعنا           زمان ولا وال هناك يجور

الى أن أتت تلك السنون فنالنا         بأسبابها خطب ألد خطير

فأودى بها قوم لشدة قحطها            مأكلهم فيها ( جرى ) ووبور !!؟

ومازال فينا القحط يمتد عمره           الى أن خلت منه ( قرى ) و ( قصور )

ووالت علينا شدة بعد شدة              إذا ما مضت هذي ! فتلك تزور

صبرنا على ( أيوب ) (١)  صبر سميه  الى أن أتته الدائرات تدور

ولم يبق منا وافل فى شبابه             أخو غبطة ؛ الاعلاه قتير

نصالى بها الحرب العوان مواليا         يغار علينا تارة - ونغير

فتحسبها ايام بكر وتغلب              غداة ( كليب ) فى الدماء يخور

ولا سيما يوم على ( ربع ذاخر )       كأن شب فى الآفاق منه سعير

ويوما ( بسفح المنحنى ) حين حومت به الروس فى ضمن الطيور تطير

فلم ترمنه العين أكثر مقتلا             وكم فيه مطعون اللهى وعقير

و ( بالزاهر ) الميمون يارب غارة      أصاب بها صم الصلاد فطور

فكم من قتيل ليس يعبا بقتله          تحوم عليه فى الفلاة نسور ؟؟

وعن كنه ( يوم العابدية ) لا تسل     لقد خرجت للقوم فيه صدور

ويرى القارئ فى هذا النسق المتهلل ما لا يقل روعة ولا تصويرا فى أسلوبه المتين ومعانيه الفاتنة وإشراقه الباهر وقافيته الشرود عن رائية ( الحسن بن هانئ ) ومطلعها :

اجارة بيتينا ابوك غيور     وميسور ما يرجى لديك عسير ورائية ( ابن دراج القسطلى ) ومطلعها :

ألم تعلمى ان الثواء هو التوى     وان بيوت العاجزين قبور كأنما هى منهما أوهما منها فى مثل الحلقة المفرغة !!

ويجد المطلع عليها أسماء امكنة ومواقع لم تزل حتى اليوم واضحة الآثار قائمة المعالم تتنفس الصعداء ؛ وتنطق بما لاقت من عنت وبلاء ، وتحمد الله

على ما أبدلها به من نعمة الأمن والطمأنينة والهدوء والسكينة . وإذا انحدرنا الى القرن الثالث عشر وما بعده حتى قبيل النهضة الحديثة فاننا لا نكاد نظفر بمثل هذا الأسلوب المشرق والحيوية الزاخرة ومن طريف ما يروى عن ( ابن علان ) هذا انه قال ، وقد هاجر الى بلاد الهند عام تسع وعشرين بعد الالف والمائة :

ولو أن أرض الهند ياصاح جنة     وسكانها حور وأملكها وحدي

لما قوبلت عندى ببطحاء مكة     ولا اخترت عن ليلى بديلا هوى هند

ومن قبل ما ذكرناه آنفا من وصف ابن علان لحوادث القتل والنهب والسلب فى طرق الحج ومسالكهم - ما عثرنا عليه لشاعر مكة وأديبها المعلم الشيخ زين العابدين وهو من أعيان أخريات القرن الماضى وهو قوله فى قصيدة رفعها لامير مكة إذ ذاك :

مولاى : قد جد أحوال مكدرة           قد أورثت للورى يا سيدى حزنا

مذ غبتم غاب عنا الامن أجمعه          والنهب قد صار جهرا ظاهرا علنا

قرب البلاد (( عداوى )) ليس نعهدها   حتى تخوف من يصعد لنحو (( منى )) !!!

(( بدرب جدة )) نهب ثم زاد الى          ان الزعانف يعدو فى الطريق هنا !!!

الى أن قال :

(( فيوم حدة )) ، مشهور ، وكم لكم أمثاله من مغازى أورثت مننا أما الفرق الشاسع بين الاسلوبين ، فلا غضاضة فيه على غير المبرز أو المتفوق فكذلك كان الشأن فى العصرين ، والرواج للادبين ، وفيه دليل واضح على أن الجودة والرداءة والحسن والقبح والجزالة والرقة يختلف تقديرها باختلاف الأجيال والعصور ونضوج الجمهور القارئ أو ما نسميه اليوم بالرأي العام - ولكل مجتهد نصيب ، وفى هذه المقابلة ما يغنى عن الاطالة ، ولا يعزبن عن البال فى هذا المقام قول الشاعر :

بغاث الطير أكثرها فراخا     وأم الصقر مقلاة نزور

ولا بأس أن أشير الى فكاهة فى أدب القوم لم تبرح وهينة الطرس ، ذلك

ان أحد الشعراء فى نفس المدة وقد أعفيناه من اعلان اسمه ... قدم قصيدة الى الأمير جاء فيها قوله :

وانى فى الدنيا لفى ضيق عيشة      رمتني سهام الفقر من كل جانب

وكيف يبات المرء والمرء عاطش     وبحركم ورد وعذب للشارب

ولما رأيت الناس أملوا بدارهم       أتيت ووعلى بين كتفى وجانبى

فأرجو من الاحسان تقرير سيدى    أكون على (( الجاوات )) ناظر وكاتب !!!

أنال من المعلوم (( ستين فضة ))   وأيضا كذا ستين فى كل راكب

لقد ضاع فى ذا العام والله موسمى   وإنك يا مولاي غاية مطالبى !!

ولست أزعم ولا أجزم ان هذا هو كل ما فى الأدب القديم من غث وسمين فقد خفي علينا الكثير جدا منه ، ولعلنا نحظى بالالمام به متى تكاتفت جهود أصحاب الغيرة على نشر ما انطوى حتى الآن من آثارنا المطمورة وخزائننا المعمورة ؛ وأؤكد أن هناك ذخائر ونفائس لا تقوم بثمن ؛ وكل آت قريب .

اما اليوم - وعلى السواء ما كان من الأدب نثرا او نظما - فانه على الاقل لا يجد له ( زبونا ) مشتريا ولا قارئا محتفيا ، ولا يتفرغ له مشغول ؛ ولا يستوعبه ملول إلا ان يكون خلجة قلب او زفرة فؤاد او صيحة زاجرا ومأساة بائس او باقة فنان ، !! والا فهو صرخة فى واد ؛ ونفخة فى رماد !!! وقليل هى الصحف المبرزة النابهة الممتازة التى تجد لها بين ( المثقفين ) عشاقا يتهافتون على التهامها كلما حان موعد صدورها فما هو السر الباعث على هذا الالتهام ؟!

انها تحمل اليهم ويحملون اليها فى وقت واحد مشاعل المعرفة ؛ وتتواثب بالنزعات التى تخفق بها قلوبهم والآلام التى يئنون تحت كلكلها ؛ والآمال التى ينشدونها وهى الصدى المتردد باشجانهم واللوحة التى ترسم ما يتقلبون فيه من نعيم ؛ وما يصبون اليه من كرابة وتكريم ، وما يجب ان يتحاشوه من مزالق وينشئوه من مرافق . انها المظهر الصحيح والرائد الصادق ، والنجوى المستجنة ؛ والهمسة الحائرة والاتون المشتمل والمثل الرائع والحكمة الشاردة ، والسجل المحفوظ .

وبالجملة فهى بمثابة ( عدسة المصور ) تلتقط ما يعرض لها من خير وشر وصالح وطالح وغث وسمين فلا لبس ولا خفاء ولا زيف ولا رياء ، وانما هى      ٤٦٠

الصورة ( طبق الاصل ) مهما تباينت الاشكال والازياء ، وتعددت المظاهر والاشياء      واذا شئت يا عزيزى القارئ ان اضرب لك مثلا على ذلك ، فانك لتلمسه بين بديك فى كلمتى هذه - فقد كنا قبل ثلاثين عاما نتغنى اكثر ما يجمعنا السمر بالادب الهزيل المتهافت كما لو كان - فى وقته طبعا - عصارة ما تترشح به الادمغة الكبيرة وخلاصة ما تنفح به الاخيلة المحلقة والشاعرية الملهمة ، ولا لوم علينا فى ذلك ولا تثريب . فما كان لنا ان نسبق الزمن ولا ان نطوى الابعاد ليكون لنا مثل هذا الذوق الجديد الذى يكاد لا يعجبه العجب - ولا شهر رجب - كما يقول العامة فى امثالهم

كان ذلك معرفا مألوفا دون مضض أو انكار - لماذا ؟ ! لأن الأدب نفسه كان فى الحيز المحدود الذى لا يتجاوز التفقه فى اللغة أو الصرف أو النحو أو البيان أو البديع وما الى ذلك من فنون لم تكن فى حقيقة امرها أدبا بالمعنى الذى اصطلح عليه المعاصرون وان كانت من وسائله ، وكان الأدباء على ندرتهم لا يستطيعون الايغال والتعمق فيما يعالجون من مشاكل الحياة واغراضها ومقاصدها ، وكانوا يخضعون لظروف قاهرة لا تسمح لهم بالحركة أو الانتاج الا فيما يأتلف مع دواعيها ولا يختلف عن مراميها ... !!

ولا غرابة فى ذلك كله - فقد كان المجال اضيق من سم الخياط أمام كل مفكر ومقدر ، وقديما قال الشاعر :

ومكلف الايام ضد طباعها   متطلب فى الماء جذوة نار

وسيلحظ قراء (( المنهل )) الاغر اننى تحاشيت عمدا أن أفهم ان الجيل الماضى ينتظم فى سلكه زعماء نهضتنا الادبية الحاضرة - كالصباز وعمر عرب والعامودى والآشى والانصارى وعمر البرى وعبد الحق المدنى ومن فى طبقتهم من الرجال المخضرمين وما تفاديت لوقوع فى هذ المحظور الا خشية أن اتهم بأنى أعلن عن اكثرهم انهم تجاوزوا الخمسين من أعمارهم الطويلة ان شاء الله .

وبعد فما هو من البر فى شئ أن نغمط جملة واحدة أولئك النوابغ الافذاذ الذين عاشوا محل الرعاية والتجلة والتكريم ، بين معاصريهم الذين هضموا أدبهم

واستساغوا مشربهم وقد كانوا كالواحات الوارفة الظلال بين الصحارى المجدبة - وكان لهم طرازهم الخاص فى أزيائهم ابهائهم وروحاتهم وغدواتهم وأسمارهم ( قيلاتهم ) ومآدبهم ومآتمهم - وافراحهم واتراحهم ، وآمالهم وأمانيهم - وخير ما يجب علينا تجاههم الأخذ بمحاسنهم والتأسي بفضائلهم والاحتفاظ بما خلفوه لنا من تراث صالح شهي أو خلق طيب متين وعلينا بعد ذلك أن ندرك ادراكا تاما وبعيدا عن كل تحيز وجه الحكمة القديمة التى تقول : إن ( الناس بأزمانهم اشبه منهم بآبائهم ) والا لوجب لكى ننصف الاجيال الماضية أن نحاول ان امكن ذلك ان يكون لهم مثل ما لنا من زمان ومكان وسلطان وعلم وعرفان وباخرة وسيارة وطائرة ، وظلال وافياء ، واذاعات ومطبوعات ، وبعثات ورحلات وصلات ومناسبات . وان يستبدلوا ، هم بكل ذلك ما كانوا يعانونه من القهر وملاحقة القوت ومصارعة الجهل الممقوت والشقدف المتكوسج ، والهودج المتدحرج ، والهجير المتقد والكبت المستبد ، ثم نظراينا أوسع خطى واكرم اخلاقا وارفع رأسا واقوى عضلا واهدى سبيلا ؟؟ ومن العدل ان لا نغمطهم حقهم ونشيد بما كانوا حريصين عليه من سمت ووقار وظرف وبشاشة واستبشار وانهم يبزوننا رفاهة ؛ ويشأوننا طرافة ويملكون السنتهم واعصابهم اكثر مما نملك ، وانهم انقى سريرة و تقى علانية ، واعف نفوسا واضحك سنا واكثر رمادا وارق حديثا وا كمل زيا ممن خلف بعدهم ، ولكل من الفريقين عذره الواضح فى تكوين شخصيته وتكييفها وفق بيئته وعصره الذى عاش فيه وفى جيلنا الحاضر ميزات توفرت لناشئته وأدبائه لاسباب امكنتهم منها وهم - والحق يقال - اخصب انتاجا واوضح منهاجا وامعن جدا واكثر نشاطا وازكى غربا وانمى عددا واقل اكتراثا بالمظاهر الخادعة وأدأب سعيا ورآء الكسب واصرم اخلاقا وأعنت تكليفا بتطور مطالب العيش وتعددها وما فى الحصول عليها من مشقة وعنف ورهق ؛ وما كان لهم ان يكونوا غير ما هم وسيأتى بعدهم من ينظر اليهم بنفس العين التى ينظرون بها إلى من قبلهم - فليتدبروا القول وليكونوا من المنصفين !!

اشترك في نشرتنا البريدية