أدبنا المعاصر ( * )

Share

كتبت فى مثل هذا الوقت من السنة الماضية بعدد المنهل الممتاز مقالا عن الادباء المعاصرين واكتب اليوم عن حقيقة أدبنا المعاصر ، اهو ادب حق ام انه ما يزال بينه وبين الأدب الصحيح مراحل يجب أن يجتازها حتى يكون عندنا ادب صحيح ؟

اما أن عندنا ادبا فذلك لا شك فيه ؛ الا ان ما يستحق أن يطلق عليه لفظ (( أدب )) قليل جد قليل ، وهذا القليل ليس ادبار فيما ممتازا وان كان لا يخلو منه ؛ وهو

يتمثل فى انتاج نفر من الادباء لا يعدو اصابع اليد الواحدة عدا، وليس كل انتاج هذا النفر جيدا ،

بل الذى يستحق ان يسمى ادبا يسير محدود يدل على وجود الموهبة اكثر مما يدل على النضج والاستواء

وليس عندنا حتى اليوم - الاديب الذى نستطيع ان نضعه فى الصفوف الاولى - لا مع ادباء العالم الممتازين - بل مع ادباء مصر وسوريا ولبنان والعراق ولا اقصد بادباء هذه البلدان ، الممتازين منهم ، بل ليس عندنا الاديب الذى يستطيع أن يمشى بجانب ادباء الناشئة الممتازين بهذه البلدان العربية ، هذا إذا استثنينا بضعة نفر من الزملاء

قلت : ان ما عندنا من ادب يدل على وجود الموهبة اكثر مما يدل على النضج والاستواء ،وهذا حق، لان الاستعداد الطبيعى لا يكفى لايجاد اديب ممتاز ، بل لابد أن يكون الجو مهيأ خارج نفس الاديب لتلقى ما ينتجه ، ولابد من الثقافة الواسعة الضخمة التى تمده بما يحتاج .

نعم لا يوجد عندنا الاديب الذى نستطيع ان نضعه فى الصف الاول مع ادباء العالم امثال شكسبير وبرنارد شو وإقبال وتاجور

وعلى كل حال فان لدينا ما نستطيع أن نسميه(( أدبا)) وان كان هذا الأدب مهيض الجناح ضيق الأفق محدود النظرة ؛ قريب الاطراف ؛ ذا لون واحد وطعم غير لذيذ إلا نادرا ...

أما أسلوب هذا الادب ففيه إشراق وجمال وخفة ولمعان ، لأنه يمثل روح الادب الحجازى المطبوع على الظرف والرقة وخفة الظل ، ولكنه غير مستقل بل تطل منه أرواح أدباء مصر الكبار ، ويظهر ذلك واضحا فى شعرهم وتفكيرهم ونثرهم .

غير أن أدبنا مهما كان لونه وطعمه ومظهره فانه يدل على التطور الذى حدث هنا ؛ وعلى أننا بدأنا نشعر شعور الاحياء ، وانى لمطمئن الى أن أدبنا سيزدهر فى المستقبل القريب .

وقد عالج أدباؤنا فنون الادب المعروفة كالقصة والمقالة والترجمة والشعر ، ورأينا نماذج كثيرة من هذه الفنون ، إلا أنها ما تزال فى (( طور )) المحاولات والتمرين ، وذلك باستثنائنا بعض نفر استطاعوا أن يجتازو هذه المرحلة بكثير .

إن أدب القصة ما يزال عندنا جديدا ، فليست لدينا الرواية التى تستطيع أن تدخل مباراة القصة فى العالم العربى - مجرد دخول - وما أظن أن الوقت حان لذلك ، لأن الثقافة القصصية ضئيلة بل تكاد تكون مفقودة ، والجو لم يهيأ بعد لأدب القصة ، ثم ان القصة تأتى فى آخر مرحلة من مراحل الأدب لصعوبتها ولحاجتها الى زمن حتى تنضج .

وقد ألف بعض أدبائنا روايات هى فى حقيقتها حوادث وحكايات ليس بها روح الفن ولا روح الفنان الأصيل ، وأظن أن مرد هذا الى الجهل بمعنى الرواية وحقيقتها .

إن الرواية تصوير دقيق وافر لفترة من الحياة بكل ما فيها من آلام وأحلام وخير وشر وحق وباطل ، وتعبير عن هذه الفترة تعبيرا صادقا صحيحا جميلا ولا حدود لسعتها ، فقد تضم من  الشخصيات سواء أكانت أصلية او ثانوية عدد

كبيرا ، وتتناول الحوادث التى ألمت بها بالتفصيل لا الاجمال ، وتتناول الملابسات تناولا واسعا فيه شرح وإسهاب .

أما القصة فتقوم على شخصية واحدة أو عدد محدود من الشخصيات ، ولا تتسع لتفصيلات حياة هذه الشخصية ولا كل الملابسات والحوادث الدقيقة الجزئية التى تتسع لها الرواية فى ثنايا السياق ، ومن القصص التى عندنا (( فكرة )) للاستاذ أحمد سباعى .

والأقصوصة تصوير لحالة نفسية مفردة أو رسم سريع لشخصية أو فترة من الزمن من خلال حادثة كبيرة أو عديد من الحوادث الصغيرة ، تلتقى فى الشخصية أو فى الزمن .

والاقصوصة غير قابلة - كالقصة - لتعدد الشخصيات ولا تتسع - كالرواية - لخطوط سير الحوادث ، ولا تشترط فى الاقصوصة الحادثة ولا ان يكون لها بدء ونهاية فى حدود الزمان ، لأنها قد تكون مجرد تصوير لحالة نفسية مفردة .

وقد عالج الأقصوصة عندنا عديد من أدبائنا ، ولكن الأفغانى بلغ فيها مبلغا طيبا جديرا بالاعجاب ، كما أن السرحان يعد من خير من يرسم الرسم السريع لشخصية أو فترة من الزمن ويصور حالة نفسية مفردة تصويرا دقيقا ناجحا .

أما المسرحية فلم يعالجها إلا اثنان أو ثلاثة عندنا ، ولكن العلاج لم يكن موفقا ولو ترك السرحان الشعر واهتم بالقصة لكان خيرا له وللادب أو على الأقل لو اهتم بالقصة اهتمامه بالشعر لأتانا بالعجب . والسرحان قاص أكثر منه شاعرا .

وعلى كل حال فان أدب القصة عندنا ما يزال فى دور التكوين ، والأدباء الذين أشرت اليهم فى مجال القصة ما يزال فى إنتاجهم القصصى على ضآلته نقص كبير وضعف وجمود .

أما الأدب الذى نضج عندنا فهو أدب المقالة ، وليس عندنا غير ذلك ، وعندنا طائفة من الأدباء استطاعت أن تحلق فى هذا الجو وترينا نماذج صالحة منها ، وفى وسع أدب المقالة عندنا أن يرفع رأسه لأنه استوى ونضج ؛ إلا ان الذى نفاخر به منه قليل محدود .

وأما الترجمة وأقصد بها ترجمة الشخصيات ترجمة تقربها من نفس القارئ وتصورها أمام عينيه تصويرا دقيقا حتى لكأنه يحس انه عاشرها وساجلها الشعور فان لدينا نموذجا صالحا ، وعلى سبيل المثال أشير الى كتاب (( السيد أحمد الفيض آبادى )) للاستاذ الانصارى ؛ وهو كتاب ادب أكثر منه كتاب تاريخ ، لأن مؤلفه استطاع رسم الشخصية وتصويرها فى أسلوب لامع جميل ؛ ولو خلا هذا الكتاب من بعض فصوله التى تشبه (( التقارير )) لكان خيرا كثيرا للأدب ، وعلى كل فانه لكتاب جميل .

وأشير فى شئ من والتقدير الى الاستاذ العريف الذى وفق فى رسم بعض ظلال الشخصيات التى تناولها بجريدة البلاد السعودية .

أما الشعر فانه متأخر عندنا لأنه أقرب إلى (( العمليات )) الذهنية منه الى تجارب الشعور ، وما يزال كثير من الشعراء عندنا كأسلافهم يقدمون الشعر فى (( قوالب )) غير شعرية ويقدمونه على طريقة القواعد وأعمال المنطق والفكر ، ومتى استطاع شعراؤنا تقديم الفكرة فى (( قوالب )) الاحساس والانفعال فانهم يصبحون شعراء حقا .

إن الشعر متأخر عندنا ؛ والجيد منه قليل ؛ والذى دعا إلى تأخره أنه مايزال ينهج نهج القدامى فى طريقة الاحساس وطريقة التعبير ، وأوتاره هى أوتاره الأولى القديمة ، وانه فاقد القدرة على الاتصال بالحياة والكون والانسانية والتغلغل فى صميمها ، وانه لا يستطيع - إلا فى النادر - أن يجعل الفكرة تنساب فى الشعور فيحدث فينا الانفعال الذى يشعرنا بأننا نساجل الشاعر شعوره ، ونحس أن وراء شعره قلبا انسانيا كبيرا وذخيرة من الشعر لا تنفد هذا هو أدبنا المعاصر قد أوجزت الرأى فيه ؛ لأن المجال لا يتسع للشرح الا اننا قد فصلناه تفصيلا فى كتابنا (( رجال الأدب )) الذى سيطبع قريبا .

اشترك في نشرتنا البريدية