أدبيات، أدب الرافعي

Share

-١-

كان الأدب العربي قد مر بفترة ركودوجمود امتدت مند سقوط بغداد حتى اوائل القرن التاسع عشر تقريبا . . ثم كانت الانطلاقة الأولى التى أزالت جزءا من ذلك الجمود وبعثت الحياة فى الأدب العربى ، وكان من قادة هذه الانطلاقة الادبية :

أحمد فارس الشدياق ، وبطرس بستاني ، وناصيف اليازجى ، ورفاعة الطهطاوى ،

وقد عمل هؤلاء على دفع عجلة الأدب الى الأمام وانتشاله من الأوحال التي غرق فيها ، ورغم كل ما بذلوه فقد ظل جانب من الجمود يخيم على الأدب حتى كانت النهضة الحديثة حيث استطاع قادة الادب من أمثال جبران والرافعى وطه حسين وميخائيل نعيمة ، ومحمد مهدى البصير ، والعقاد ، ومصطفى جواد النهوض بالأدب العربى وتطويره والخروج به من القوقعة التى كان فيها (*) . وفي هذه الدراسة الموجزة سنعرض لأدب أحد هؤلاء القادة ألا وهو المرحوم مصطفى صادق الرافعي .

يعود الرافعي بأصله الى اسرة عربية عريقة

كانت تقطن طرابلس الشام ، وكان أول من نزح من أفرادها الى مصر هو محمد طاهر الرافعي الذي قدمها في سنة ١٢٤٣ ه ليتولى قضاء الحنفية بأمر من السلطان (١) ، وقد عمل معظم أفراد أسرة الرافعي في القضاء والافتاء ، وكان والده عبدالرزاق الرافعي رئيسا للمحاكم الشرعية في كثير من الأقاليم (٢) وكان رجل علم وتقوى وصلاح وفي هذا الجو الديني نشأ الرافعي الذي لم يتلق من الدراسة النظامية غير الابتدائية فقط . . أما مدرسته الحقيقية فقد كانت في مكتبة والده العامرة بمختلف الفنون . .

وقد نهل منها الرافعي بشغف ولم تستطع الوظيفة التى التحق بها ولا الأسرة التى ارتبط مصيره بها أن تقطع صلته بالمطالعة والقراءة . . فظل يقرأ ويحفظ ويدرس ما يقرؤه ، واستطاع وهو في العشرين من عمره أن يستظهر كتاب " نهج البلاغة " المنسوب لعلى بن ابي طالب رضي الله عنه .

وقد كانت الموهبة تساند الشغف على الاطلاع عند الرافعي الذي برز فيما بعد كأديب من أبرز أدباء العربية ، وصاحب أسلوب مميز حاز على اعجاب جمهرة كبيرة من المثقفين فى عصره، وما بعده حتى هذا اليوم . واتجاه الرافعي في ميدان الادب كان نحو الشعر فى البداية فنظم القصائد والأبيات ، وقطع مرحلة لا بأس بها وحصل على مكانة مرموقة بين شعراء عصره وأنتج

عدة دواوين شعرية منها " ديوان الرافعي " ويقع في ثلاثة مجلدات وديوان " النظرات "

. . ولكن الرافعي لم يخلق للشعر . . لذلك نراه يعدل عنه الى النثر فامتلك ناصيته وقبض على زمامه وتمكن أن يصول في ميدانه ويجول كل ذلك بفضل ثقافته اللغوية الواسعة وبفضل اطلاعه الواسع في الأدب القديم ، وهذه الثقافة اللغوية والأدبية الواسعة مكنته من أن يصبح صاحب أسلوب قوى متين وصفه أحدهم قائلا : " تجد في عباراته قوة الصخر " (٣) ولهذا نجد أن قراء أدبه قلة .

وقد نهج الرافعي في كتاباته طريقة جديدة واخترع له أسلوبا خاصا به واتفق على ذلك الذين درسوا أدب الرافعي ومن هؤلاء محمود ابو رية الذي كانت بينه وبين الرافعي مراسلات استمرت سنوات عديدة ، يقول أبو رية متحدثا عن أسلوب الرافعي : " لقد تعاون درسه المحيط للأدب العربي وملكته النادرة في البلاغة وذوقه البياني الدقيق على ابتداع أسلوب في الكتابة العربية لم يستو لسواه ولم نر مثله " (٤)

ويرى نفس الرأي الزيات حيث يقول : " رحم الله الرافعي لقد كان في الكتابة طريقة واحدة وحسب الكاتب مزية ألايكون لاسلوبه ضريع في الأدب " (٥)

وبعد دراسة توصل المقدسي الى نفس النتيجة فقال : " لقد حاولت أن أقابله ببعض الكتاب الأقدمين وعبثا حاولت ذلك فليست طريقته طريقة صدر الاسلام ولا هو كابن المقفع أو الجاحظ ولا هو يجرى مجرى أهل الصنعة والمترسلين أمثال القاضى الفاضل بل يجمع أطرافا من كل ذلك

ويسلك بها طريقة خاصة كل ما يمكن ان يقال فيها انها رافعية " (٦). أما الطريقة الرافعية فيشبهها المقدسى " برجل مصعد فى جبل صعب المرتقى لا يكاد يبلغ غايته حتى يكون قد نضح عرقا وشغلته وعورة المسلك عن التمتع بجمال المنظر " (٧) ،

وكلام المقدس فيه مبالغة فأسلوب الرافعى ليس بمثل هذه القسوة في كل ما يكتبه فهو فى مقالاته يميل الى السهولة والبساطة والوضوح وهذا النوع كثير . ومعظم مقالات " وحي القلم " هو من هذا النوع . أما الكتب التى ينطبق عليها كلام المقدسى فهى كتب الرافعى التى وضعها في فلسفة الحب والجمال ومقالات اخرى قليلة .

ومن الذين عرضوا لأسلوب الرافعي

ودرسوه دراسة موضوعية : حارث طه الراوي الذي يقول في مقال له : " ان الذى يدرس أسلوب الرافعي دراسة عميقة شاملة بعيدة عن الهوى والتحييز يقف على حقيقة راسخة هى أن الرافعي جاحظ القرن العشرين . فبين الاديبين العربيين شبه في الاسلوب من حيث البلاغة العربية العالية ، وشبه في المزاج من حيث التفنن في السخرية والمرح ، وشبه في الالمام الواسع بعلوم العربية وشبه في الغيرة المشبوبة على كل ما هو عربي واسلامي من تراث خالد ، ولا يتبادرن الى ذهن القارىء ان الرافعي يقلد الجاحظ في كل ذلك ، ذلك لان الرافعي لو أقدم على التقليد وطرق باب المحاكاة مرغما أو مختارا لما اصبح مدرسة قائمة بذاتها فقد تأثر الرافعى بما تأثر به الجاحظ من قبل الا وهو أسلوب القرأن الكريم وقد اتاح له ذكاؤه المتوقد وفكره الثاقب ان يتذوق ما في القرآن من بلاغة معجزة ويحيط بروعة بيان الرحمن الذى لا يضاهيه بيان انسان (٨) .

اشترك في نشرتنا البريدية