مقالات خاصة بمجلة (( المنهل )) بجدة
( ١ ) ( الخطب )
تقتضى أحوال الأمم ، في نهضاتها وحركاتها الاستقلالية أن تكون الخطابة احدى أدوات دعوتها وسلاحها المعنوي ، ولذا رأينا ازدهار الخطابة في العصر الأموي ، حين تفرقت الامة شيعا واحزابا بين أموية وخوارج وزبيرية وشيعة ، وكان لكل فريق خطباء يدافعون عنه في مراميه وسياسته وخططه ، وفي كتب أدبنا القديم حشد كبير من هذا التراث ، ولم يخل عصر من عصورنا الادبية والسياسية من الخطباء المصاقع يؤثرون في الشعب التأثير البعيد . فالعصر الجاهلى عرف الخطابة على شكل من أشكال الكلام ، والعصر الأموى والعباسى والأندلسى وعصر الانحطاط أيضا . وكانت الخطابة وما زالت عنوانا دينيا في الاسلام فهي قرينة الصلوات في الجمع والعيدين والحج وغير ذلك ، وكما كانت الخطب سياسية في الأعصر السابقة فكذلك كان أمرها في العصر الحديث فاصبحت أداة بالغة في أيدي الوطنيين والسياسيين .
عرف العصر الحديث خطباء كانت لهم خطب مؤثرة في الجماهير ، غلبت عليها السياسة والدعوات الوطنية والقومية ، ففى
القطر المصري ، كان للخطابة أثر كبير في الحركة الوطنية منذ سنة ١٩١٩ . وكان طبيعيا أن يكون حداء المظاهرات هو الخطب الحماسية ، وأن تلهب مشاعر الحفول الوطنية خطب الزعماء المصلحين .
وقد شهدت مصر خطباءها الأفذاذ وفيهم زعماؤها هصطفى كامل ، وسعد زغلول ، ومحمد فريد ، فكانوا يهزون النفوس هزا ويؤثرون في النهضة التحررية .
وقد وقفوا في الطليعة أمام المستعمر يناضلونه ، فتحملوا النفي والسجن وضروب العذاب .
وظهر في سورية خطباء رافقوا حركاتها القومية وجلادها مع المستعمر وتحملوا الشدائد في سبيل ذلك ، منهم الزعيمان عبد الرحمن الشهبندر ، وفوزى الغزي ، وشهدت البلاد العربية في نهضتها الوطنية خطباء سياسيين وزعماء وطنيين ورؤساء للحكم خطبهم مواكبة للاحداث الزمنية وأيام المجد والذكريات اللاحقة .
يبدو أسلوب هذه الخطب سهلا سائغا للجماهير . وقد يعتمد أصحابه - حسب تفاوت قوتهم في البلاغة - على فنون لفظية وصور معنوية تجعل الخطب في طبقة دون طبقة .
وهناك خطب أدبية قالها أصحابها لوجه الفن يصلحون بها المجتمع اصلاحا ثقافيا ، وسنرى في دراستنا لنموذجين من الخطب ، واحد أدبى وآخر سياسى ، ما يبين الفرق في الأسلوب بين خطبة أدبية وخطبة سياسية .
(( الا أنه لم يشق أحد في هذا الوجود شقاء اللغة العربية ، ولم يعان أخو بؤس من زعازع الدهر ولم يعاين ما عاينته .
(( ولو أن ما تلقى يصيب متالعا أو الركن من سلمى اذا لتضعضا))
ولم يذل عزيز من عزازته ذلها ، ولم يضم كريم عند قومه - اذا لؤموا - ضيمها.
ولم يزهد جاهل مطبوع على قلبه في أكبر مآثر سلفه زهد قوم هذه اللغة في لغتهم . ولم تعب حسناء خلصتها القدرة الالهية من كل شين كما عيبت هذه اللغة العربية ، بل الحوراء الرضوانية .
ويقول فيها : جاء صاحب شريعتنا الاسلامية فجاء أبلغ عربى ، وأفصح ناطق باللسان العادى ، جاء مع هذا النبي العظيم ، كتاب كريم ، بلاغة العرب الخلص العرباء ، وفصاحة مصاقع الخطباء . .
الى أن يقول : وانظر كيف استجدت منثور الأدباء والشعراء الاسلاميين والمولدين ومنظومهم
لما كان القوم من الهائمين بمأثور العرب الأقدمين ومن المفتشين عن أسراره والمتدربين به . ))
ومن الواضح في أسلوب هذه الخطبة ترادف الجمل بمعان متقاربة وانطلاق الخطيب مع استعمال لبعض السجع بأسلوب تسيطر عليه اللهجة المنبرية .
وخطب الزعيم مصطفى كامل في الإسكندرية سنة ١٩٠٧ فقال : (( أيها السادة : يفاخرنا الانكليز على الدوام بأنهم أغنوا البلاد وملأوها ذهبا حتى حدثت الأزمة الأخيرة وخفت هذا الصوت الذى صمت من سماعه الآذان أعواما طوالا.
فما قيمة الثروة التى يفاخرون بها بجانب الحرية الشخصية والحرية العامة وسيادة المصرى في بلاده واستقلاله في وطنه. ومن من المصريين لا يفضل أن يكون أفقر الناس جميعا وحكومة بلاده قائمة على العدل الصحيح ، على أن يكون أغناهم وأثراهم ويهدد من المحتلين بعقوبة دنشواي ؟!
فهل يستطيع الانكليز أن يدعوا أنهم رقوا الفلاحين ونشروا أنوار المعارف بينهم وهم الذين سدوا أبواب المدارس في وجوههم وقالوا لهم : حكمنا على أولادكم بأن يكونوا فقراء تعيسين وأن لا يتسلحوا أبدا بسلاح العلم ؟ ))
وكأن الخطيب الوطني مصطفى كامل كان يرى بلحظ الغيب استقلال مصر ، فقال في الخطبة : (( ان العامل الواثق من النجاح يرى
النجاح أمامه كانه أمر واقع ، ونحن نرى من الآن هذا الاستقلال المصري ، ونبتهج به، وندعو له كأنه حقيقة ثابتة ، وسيكون كذلك لا محالة ، فمهما تعددت الليالى وتعاقبت الايام ، وأتى بعد الشروق شروق وأعقب الغروب غروب ، فاننا لا نمل ولا نقف في الطريق ولا نقول أبدا : لقد طال الانتظار ، اننا وجهنا قلوبنا ونفوسنا وأعمارنا الى أشرف غاية اتجهت اليها الأمم في ماضي الايام وحاضرها ، وأعلى مطلب ترمي اليه في مستقبلها ، فلا الدسائس تخيفنا ، ولا التهديدات تقفنا في طريقنا ، ولا الشتائم تؤثر فينا ، ولا الخيانات نزعجنا ، ولا الموت نفسه يحول بيننا وبين هذه الغاية التى تصغر بجانبها كل غاية . )) * * *
ونحن حين نسمع هذه الخطبة متمثلين مصطفى كامل (٢) يخطبها ، نشعر شعور أولئك الذين سمعوها وأثرت فيهم حماستها الواقدة . ويظهر لك اختلاف الاسلوب بين هذه الخطبة وخطبة النشاشيبى ، فتلك في سبيل اللغة والأدب ، وهذه في سبيل السياسة ، وقد ظهر عليها الانطلاق من كل
كلفة فراحت تطوي سبيلها الى قلوب سامعيها .
ولكل نوع من أنواع الخطابة روح تمثله في الأسلوب . وأفضل أساليبها السهل الممتنع الذي تتفهمه الجماهير اذ الغالب عليها التوسط في الثقافة ، ولا بد للخطيب من رباطة الجأش وحضور الذهن وفصاحة اللسان .
(٢) ( الرسائل )
للرسائل أساليب سنتبينها في نصوصها الآتية ، وهى اما أن تكون شخصية من كاتب الى قارئ أو هى بعض النثر في موضوعات الادب في القصة المعاصرة فان بعض القصاصين في الادب الحديث يدخلون الرسائل فى قصصهم ثم يعودون الى السرد الروائى أو الوصف والتحليل . فتوفيق الحكيم وهو أحد البارعين في هذا الفن الحديث من الادب العربى وضع رواية ( الرباط المقدس ) وأدخل فيها فصولا شائقة سماها ( الكراسة الحمراء ) وهى رسائل وجدانية وعاطفية ضمن الرواية .
وقد شاع فى الادب الغربى المعاصر أدب الرسائل بين الكتاب ، كما عرف ذلك في الآداب الغربية القديمة ، وكان ادبنا العربى القديم غنيا بها ، فألف الادباء رسائل كانت تجئ في كتب وتنسب الى صاحبها ولكن في هذا العصر الادبى الحديث ما زال هذا النوع من الادب محتاجا للظهور كأدب جديد .
والمقصود بأدب الرسائل الكتب المتبادلة بين الاصدقاء وما اشبه أن تكن الرسائل التى كان يكتبها الاقدمون فسميت بهذا الاسم كرسائل الجاحظ أو رسالة الغفران ورسائل أبى العلاء المعرى ورسائل الصاحب ابن عياد والخوارزمى وغيرهم . وقد شاع فى عصرنا ضرب من الرسائل مخصوص بما يقدم الى الجامعات من البحوث لنيل شهادتها . وشاقت رسائل الاقدمين بعض الادباء المعاصرين فكتب الاستاذ أحمد أمين ثلاث رسائل سماها (( عكاظ والمربد )) و (( ثقافة الجاحظ )) و (( الفتوة في الاسلام )) .
وبحسبنا أن نرى رسالة كتبها أحمد أمين الى احد اخوانه وهى من اديب كبير جليل .

