أزياؤنا في القديم والحديث

Share

وان كل لبس شرف له                    فما للسيف الا غمده والحمائل وفي الناس من يرضى ميسور عيشه       ومركوبه رجلاه ، والثوب جلده

ما أوسع مجال القوى فى هذه الناحية الهامة من مظاهر حياتنا العامة وهي بدورها تستتبع اتجاهات شتى ذات علاقة مباشرة بها و ( ما لا يدرك كله فلا يترك جله ) كما قال الأولون .

كنا الى ما قبل ربع قرن من الزمن نعتاد من الأزياء ألوانا وأشكالا لم تتفق الا فى نوح محدودة من حيث وحدة السمت واختصاص فريق من الناس بزي تلقاه الخف عن السلف كما لو كان حتما مفروضا - وكانت الظروف الاجتماعية والعاد المتوارتة مجتمعه تمليه وتدعو إلى التمسك به وكل خروج عليه أو منافاه له لا يكون لها معني الا الاستهانة بالمسلك الذي ينتمي اليه من يجعله شذوذه محل الزراية بالاستكار

فهناك المظهر العلمي - بطيلساناته اللامعة وأ كمامه الواسعة وعماماته المكورة ، ولفاته المدورة ، وأخفاقه الصفراء ، و ( شيلانه ) لحمراء ، و ( شايانه ) البيضاء . ولا مشاحة انه كان عصره الذي تواضع عليه الناس اكمل ما تقدم عليه العين ويحترمه لجمهور - اولا ما فيه من عنت وتكليف ؛ وما طرأ عليه من اندماج غير اهله فيه طلبا للتأسى أو مخادعة للابصار ولا يكاد يكون في مجموعه عدى ما ندر منه - الا صورة لا تختلف عن ( قوس قزح ) إذا اتشح بألوانه المصطبغه أديم السماء . وهو بلا ريب ثمرة التفاعل والازدواج بين ما اختارته فارس والروم ، والتتر والمغول ، واصطلحت عليه الهند والسند

واستحسنه الابيض والأسود ! ! ويأتي بعد ذلك ما يمكن أن يعبر عنه بانه كان زيا عاما بين جميع الطبقات من اصحاب الحرف والصناعات وهو كما ادركناه - وكما هو حتى الآن اقل مصرفا وأخف مؤنه وأبعد عن التصنع وأكثر ملاءمة للحركة والعمل - ثوب و ( سروال ) وقميص وحزام وكوفية وإحرام وصديرية ذات أخطاط ونعل - كنا نطلق عليه ( حاشا المقام ) !

كان ذلك هو السمت العام للغالبية الساحقة التى كان عليها مدار الحركة العمرانية والنشاط اليومي والدأب المتواصل دون انقطاع اللهم الا ما لاحيلة لنا فيه من اختلاف ازياء المجاورين والمهاجرين الذين احتفظوا بكل ماجاؤا به من أقاصى المعمور منذ اقدم العصور ، وهو ما لا بد من ترك الحرية لهم فيه ما داموا يحنون اليه ويغتبطون به وقد كان من بركات الله على بلادنا التى هى العين الباصرة والقلب الخافق من بلاد العرب ان ساد الزي العربي الخالص على كثير من سكانها فى المدن الكبرى فاتخدت ( العباء والعقال ) زيا قوميا غلب على الموظفين ومن هم بسبيلهم من رجال العمل والإدارة والمال وتلاشى لذلك السرف ؛ لانتحال والاحتيال

ويتلو فينك السمتين صمت أبناء البادية الذين اصطنعوا لهم زيا ينسجم مع بيئاتهم وأمزجتهم واخلاقهم وفي ظني انه لم يتبدل في جوهره خلال القرون الطويلة - ان لم يكن هو عينه الذي عرفه الجاهليون في اسواقهم ومحافلهم والمخضرمون - في قصائدهم ومواسمهم والاسلاميون بعد انتشارهم فيما وراء الأفاق وفي اعماق المشرق والمغرب وجزائر ( واق الواق ) !

أما أن زيهم كان منسجما مع مقتضات معيشتهم وطبيعة أجوائهم وتقلب طقوسهم حتى يوم الناس هذا . فذاك ما يمكننا اقامة لدليل عليه بقول شاعرهم

من كان ذابت فهذا بتي     مصيف - مربع - مشتى !!

ولسيت أزعم أن ( البت ) هو ما نسميه اليوم ( البشت ) ولكنه على كل حال لم كبر غيره فى مقاطعه وتفاصيله - إنه الشملة الاولى التى كان يرد بها الماء اعرابينا - حينما ارتجز بقوله :

أوردها سعد - وسعد مشتمل        ما هكذا يا سعد تورد الابل

وعلينا أن نعترف أن تعاقب الاحقاب قد جعل من ذلك ( البت ) هذا ( المشلح ) الذي ازدان جانباه بالقصب المطرز ، و ( البند ) المعقود على ناحيتيه وانتقل به من الوبر الخام الى هذا الذى تفاضل نسجه - واختلفت ألوانه - وغلت أثمانه - وما برح الناظر يلقي متى شاء وحيث استعرض الازياء ما يمت بالصلة الى عهود يتغلغل بها القدم فى جميع الامم والشعوب ومحال أن تنتقل أمة بحذافيرها مما اصطلحت عليه الى غيره الا ان تطفر وتسقط ، أو أن تنضج نضبوجا يتمشى معه التطور فى كل مظاهر الحياة ومقوماتها البارزة . دون قفز أو وثوب ، وقد قص علينا التاريخ كثيرا من أنباء الخلفاء والزهاد وكانت الازياء تأتلف وتختلف بحسب المناطق والأمصار والاثرة والأيثار ، فمن عهد صدر الاسلام كان احدهم يمشى فى الاسواق راجلا وعليه القميص الخلق المرقوع الى نصف ساقه وفي رجله ( تاموعة ) وفي يده درة ، خشونة فى الزي والعيش وتقلل في ، المطعم و الملبس . وفي حديث عمر رضي الله عنه - يوم جاءته برود اليمن ففرقها على المسلمين فكان نصيب كل رجل برد واحد وكان نصيبه منها كاحدهم قيل ففصله عمر ثم لبسه وصعد المنبر فامر الناس بالجهاد فقام اليه رجل - قال ( لا سمعا ولاطاعة ) قال ولم ذلك ؟ قال : لا نك استأثرت قال : بأى شئ ؟ قال : ان الابراد اليمانية لما فرقتها حصل لكل واحد من المسلمين برد واحد والبرد الواحد لا يكفيك ثوبا ، ونراك قد فصلته قميصا تاما وانت رجل طويل ! فلو لم تكن قد أخذت اكثر منه لا جاءك منه قميص ! فالتفت عمر إلى ابنه عبد الله وقال يا عبد الله أجبه عن كلامه فقام عبد الله بن عمر وقال : ان امير المؤمنين عمر لما اراد تفصيل برده لم يكفه فناولته من بردي ما اتمه به فقال الرجل اما الآن فالسمع والطاعة

تم ماذا ؟ فتح الله عليهم كنوز الأرض وخزائن كسرى وقيصر وتطورت بهم الحال الى ما كان فى العهد الاموى والعباسى من ظاهر البذخ والترف وزخارف الحياة وزينتها فاستعملوا الخز والديباج ، وريش النعام وأصابع العاج

ومن الطرف التى تحكى فى صدد زي الخلفاء المتتأرين ما رواه الاصمعى - قال - كنت نادم هارون الرشيد فجري حديث اصحاب التهم ؛ فقلت : كان سليمان بن عبد الملك شديد التهم ، وكان اذا آتاه الطباخ بشواء تلقاه فاخذه با كمامه ! فقال الرشيد ، ما اعلمك يا أصمعي بأخبار الناس لقد اعترضت منذ ايام جباب سليمان فوجدت اثر الدهن فى أكمامها فظننته طيبا قال الاصمعي ثم امر لي بجبة منها . اهـ

و من ذلك نستطيع ان نجزم بان ( الجبة ) ليست من محدثات القرون العشرة الاخيرة ، وانها كانت الزي الرئيسى لعلية القوم وكبار العلماء والخلفاء وذوى المكانة المرموقة فى المجتمع العربي المتحضر ، خصوصا وقد جاء فى الأثر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس في غزوة ( تبوك ) جبة رومية ضيقة الكمين فكان اذا اراد الوضوء نزع كمية واخرج ذراعيه فغسلاهما ثم أعادهما ..

وما من شك ان التطور سنة لا محيص من أن يخضع لها حياة الإنسان والحيوان وحتى النبات والجماد وما كان الزي إلا احد هذه المظاهر المتأثرة بالامتزاج والاختلاط والقدرة والأسوة ولمحاكاه والمجاراه - وقد اشار علاما التاريخ الاجتماعي ( ابن خلدون ) فى بعض فصول مقدمته - فيما اذكر . الى ان كل أمة مغلوبة على أمرها لا تبرح منساقين تيار لاشعوري ، وباستهواء خفي غير ما طرأ عليها من جديد تأسيا بالفاتحين وتقربا من التغلبين وذلك شان الحواضم العربية التى اندمجت هي غمار الغزاة ، الاعاجم من كل عصر وجيل ، فأثرت بهم فى اغلب الصفات والأخلاق والمظاهر والأزياء ، وترنحت تحت ضربات القهر والاستخدام ، واندفعت في موجات صاخبة وراء ما هو غريب عنها لا ما كمن فى اصولها عقيدة وسعها المصبم ومعارف السليمة من مناعة لم تقو على تحطيمها الرياح الهوجاء والاعاسير الكاسحة

تلك هي لخطوط التى نتبين بها كيف أصبحت أزياؤنا فى مختلف البلدان التى تنطق بالضاد - متباينة الاشكال ، مشعثة الأوصال ضافية الأديال لاغربية ولا شرقية ..

وإلمامة بسيطة بما سرده الرحالون فى القرون الوسطى كابن جبير وابن بطرطة وناهيك بهما محققين وصافين في اسلوبهما الفاتن تدلنا على أن الزى البدوى فى قلب الجزيره العربية كان الى عهدهما هو هذا الذي يقع عليه البصر صباح مساء سيان في ذلك منهم من استبطن الأودية او استقل الهضاب والشعاب ، أو من هبطت به التهائم او ارتفعت به الانجاد فهم فيه سواء . وانشد معي أيها القارئ بيت القانع المستر ذلك الهاجس الذي اختلج له فؤاد ( ميسلون ) وهي فى قصور الخلافة المطلة على غوطة دمشق الفيحاء

لبيت تخفق الأرواح فيه             احب الي من قصر منيف

ولبس ( عباءة ) وتقر عيني         احب الي لبس الشفوف !

ولتدرك معى كم هو هذا الأعرابي في غاية المشتجر ، وقبضه المستعر و رمضائه المتوقدة ، وأسماله البالية ، وعيشه المتواضع اكثر قناعة وأعلى خلقا وأسعب مراسا واشد صرامة وأقوى عزما ، وامنع اباء من كل من جعلت منه الحضارة قنا لمفاتنها وعبدا لشهوا ودمية أشبه ما تكون بربات الحجال

وبعد فعلى رسلك . يا صاحب المنهل ، - تريدني أن اتكلم عن الأزياء وقد يضيق صدرك بهذا الاستطراد استبقاء لصحائفك أن تتسع لأبحاث ممتعة يتلهف القراء على الظفر بعددك الممتاز . وما عسى أن افعل وأنت تنطلق على متن الجو في رحلتك الى نجد - وبترشح مداد قلمك ، لمعجب المطرب من مشاهدتك خلال الرياض والجداول وسال والوعاء ، تبيح لنفسك من فنون القول وروائع الوصف ما يصدر لباب يمهر لا ظهر

فان لا يك بد من أحرز . بعض مضب فلا فل من أو رأى بحس التفكير فيه ! ذلك أن تنهمر بكثير ممن يتأسر في الاسم والاحذ وضدك الذي لا بمعنى إن من الامثال حتى ما لم تزل لا سمعة  نتداولها مند جيل فرغم : ( كل ما يعجبك والبس ما يعجب الناس ) وهذا صح جدا المثل بعض الادوار أو ملونها ا لمصور المغارة . فانى اراه اليوم أكثر انطباقا وابلغ حكمة - وأبعد غاية منه فيما مضى مع تفاوت فى فهمه بين راويه الاول وسامعه الاخير :

كان ذلك المثل صادقا وكان الناس يتغالون في كثير من الأبهة والخيلاء فيمعن الفقير فى محاكاة الغنى ، ولو كلفه ذلك " عرق القربة " وحمله من الديون ما ينوء به كاهله ، وكان ذلك والبواعث اليه تتجدد بالترف تارة وبالتقليد تارة اخرى ، وكان ذلك ونظام الطبقات يتفاوت بها ويشعر البعض بتفوق البعض الآخر عليه مادام هو أزهى لباسا وأميز ميزة ، وأكثر إدلالا بكسائه الفاخرة وفروه الثمين .

اما اليوم - وعصرنا الذي نعيش فيه - عصر عملي لا مجال للكسل فيه ، تدور فيه العجلات ، وتضطرب الآلات . وتتزاحم الاقدام ، وتتنافس العقول والاجسام - فان أليق الأزياء بأمة عاملة تنشد الحياة في هذا المعترك الهائل بين أبناء آدم وحواء . انما هو الذي تتوفر فيه الشروط الآتية :

١ - يسر الحركة للتعبد والعمل ونمو البدن وضمان الصحة أو سهولة الرياضة وجمال المظهر في بساطة وادب واتزان ، ودون شذوذ يصهرنا في بوتقة لا تنافى أذواقنا وبيئاتنا الخاصة

ب - رخص الثمن ، وملأمة الجو ، ومجافاة الرياء ، ونبذ الخيلاء ولا بأس من ان يكون لعلمائنا الاعلام ورجال القضاء والحكام ، وطلبة الجامعات وتلامذة المدارس ، واساتذة المعاهد ، واعضاء المجالس ، وجنود الشرطة وضباطهم والجيش واقامه ازياء ذات علامات فارقة كما هو الشأن فى كل بلاد العالم ، وقد أعلن أخيرا ان حكومة سوريا الشقيقة قد وضعت نظاما خاصا للزي العلمى والديني لرجال العلم والدين بحيث تسهل معرفتهم ولا يلحق بهم من لم يكن منهم ، لما فى ذلك من مصلحة راجحة وهدف منشود !!

أما الأزياء النسوية وما يتصل بالجنس اللطيف - فليس امامنا ما نتبعه فيها غير مانزل به كتاب الله الكريم : ( وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) . وفي ذلك منجاة من غوائل السفور وعواقب الغرور وهذا المنقب العبدي يصف عقائل العرب في اخبيتهن بقوله :

ظهرن بكلة - وسدلن اخرى         وثقبن الوصاوص للعيون

واجاد النميري اذ يقول :

تضوع مسكا بطن نعمان اذمشت                   به زينب فى نسوة خفرات

يخبئن اطراف البنان من التقى                       ويخرجن نصف الليل معتجرات

ولما رأت ركب النميري اعرضت                     وكن من ان يلقينه حذرات

وهنا يجدر بنا ان نروي ما قيل في الأدب القديم عما يسمونه اليوم ( بالموضة ) ، وما ينعتونه بالدعاية او الاستهواء التجارى : انشد شاعر مرة هذين البيتين :

قل للملية في ( الخمار الاسود )          ماذا فعلت بناسك متعبد ؟ !

قد كان شمر للصلاة ثيابه                 حتى وقفت له بباب المسجد ؟ !

قالوا فانطلق نساء البلد الى حوانيت البزازين يشرين كل ما هو اسود الجلباب نابغي الاهاب ! فما هي ( الموضة ) وما هو ( الاغراء ) الا ما اشاعه هذا الداعية الفنان ؟ ! وكم يا ترى بذل له تجار زمانه من مقابل لترويجه سلعهم التى نسج عليها العنكبوت خيوطه ؟ ! وكذلك كان فقد تقاضى اجره على هذه ( الدعاية ) الأولى من نوعها .

وبعد ذلك كله اترك لأصحاب الرأى من كل فريق حسن الاختيار لكل نوع وما يتفق مع مهمته ومهنته وواجبه وما لا غنى له عنه من مختلف المنسوجات واحجامها واشكالها والوانها وشاراتها ، ولا يمنع ذلك ان تكون للمشاهد والمواسم والجمع والاعياد أزياء ممتازة لا سرف فيها ولا تقتير

ومن الضرورى ان لا نتعجل التنفيذ حتى تضطرنا الأسباب التى تحملنا على السعي في ظلال العلم ، والحركة فى حدود ما شرع الله لنا من مقومات الحياة بعزة الدين وعزة المؤمنين ، وحتى نضع بايدينا الاساس الصحيح للانتاج الوطني في الحقلين الزراعي والصناعي وهو ما بدأنا نشعر بالحاجة اليه ونعمل للحصول عليه وكل من سار على الدرب وصل . و " غثك خير من سمين غيرك " والله الهادي الى سواء السبيل .

ولا يفوتني أخيرا أن اجيب على سؤال قد يتوجه به من يشتبه عليه القصد من هذا المقال ، فلا أدع الحرج يتسلل الى صدره فله ان يقول : أتدعو الى وحدة الزى بشروطك الآنفة لتتخذ ليا سمتا ينافى ما قد تعودناه أو نحاكي به غيرنا دون سبب عرفناه ؟ ولي أن اعقب عليه بأن أول ما يجب ان نحافظ عليه هو ما يدعونا اليه كتاب الله وسنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه ، وان نتخذ زينتنا عند كل مسجد ، وان لا نتشبه باليهود ولا بالنصارى ، وان نختار بعد ذلك ما تنفتل به السواعد ، وتنطلق الاقدام وتتحرر النفوس ، ويفتضح به الدخيل ويتميز الأصيل ، وقديما فعل العرب ذلك حين أعوزهم فى الثياب فاتخذوه فى غيره من موانع الارتياب فكان لهم ما ارادوا ( يوم تحلاق اللمم ) وحسبك ذلك . برهانا على انهم أباة الضيم وحماة الذمار وانهم السابقون في حلبات المجد وفي كل مضمار ، والمضفرون قبل سواهم بأكاليل الفخر لا العار .

اشترك في نشرتنا البريدية