عنوان يفرضه الاستاذ الصديق عبد القدوس الانصاري ، وما أثقل ذلك على الكاتب ! في هذه المواضيع تفرض عليه ، فهى والسابقة التى يحدد موضوعها قيد لا يحب الاديب التقيد به . فالأدب انطلاق للفكر ، لا يقبل التقيد ولكن فكرة اليوم تقبل ، مادام ان فيها تزجية لوقت رخيص يذهب هباءا ، ومادام ان فيها حشوا لفراغ مجلة ارادت ان تبيض صفحتين منها فى هراء مثل هذا الذي اكتب الآن إما لانها تريد الراحة في عناء الصيف ، أو لأنها تريد مجاملة المسئول ليكتب موضوعا قد لا يجهده . ولئن كانت هذه ، فقد فاتها أن الفكرة الجيدة تأتي عفوا فلا ترهق كاتبها . اما الفكرة التافهة ان الزم بها . فستجهده ايما اجهاد .
هذه مقدمة ابدو فيها ، وكاني غير طفل كبير . ازعم لنفسي اني قد بلغت الاربعين لأظهر للناس رجلا عاقلا ومعقولا ، وما انافى واقع الامر فى ادني حدود انسانيتي او علاها ، الا طفل كبير بهذه العواطف التى ركبت في او ركبت عليها فتشهى صنوف الآكال والوانها ، والتطلع الى الرياش الفخم ، تطلبها النفس ويسيل لعابها . أثر من آثار الطفولة في الانساق . يحب امتلاك ما لا يملكه ، ويجري وراء سراب لا يدركه ، اقل ما فيه عناء وتعب للفكر وارهاق للعصب . فالرجال الذين اكتملوا يصدفون عن ذلك . ولئن طلبوه يسعوا لادراكه في حدود طاقتهم ، والادعاء بأني خير من فلان ، اوادني منه ، فيه شئ كبير الطفولة تعتز باتفه ما فيها حينا ، وتتطامن لمن تراه اقوى منها في ثوب كل رجل طفل ، وفي نفس كل طفل رجل اعرف رجلا يدعى معرفة كل شئ حتى انه لو ذكر امامه استاذ رياضي نظرية فى حساب المثلثات او الجبر ،
لقال اني قد قرآتها . وجادلت فيها استاذنا الخياط ولكن نسيتها ولو عقل أن ما نسيه لا يعلمه ، وما لا يعلمه لا ينبغي ان يدعيه . ولكنها الطفولة تاخذه بسرحة كأنه فى غفوة فيقول ما يقول غير منتبه الى خطئه . ولقد جادل مرة نجارا فى تركيب نافذة ، حتى الزمه بان يركبها عوجاء ، لانه يراها كذلك احسن ، بحجة ان اباه انتصر على نجار في تركيب نافذة ، فلما ركبها النجار ، قال : الا يعلم ان اباه كان مصيبا . وهو مخطئ ، فهو لطفولته قلد اباه فى المعارضة للنجار ، ولم يقلده فى حسن التصميم .
وقال مرة لسائق سيارته ، أليست سيارتنا احسن من سيارة فلان ؟ فقال السائق : - لا فضرب السائق كفا لا تقل لا - انها احسن واحسن فانا ما شريتها بهذا الشكل الا لانها مثل سيارته . وهى الان احسن لاني لا اعيرها لاحد . ولا اجعل غيرى يركبها ، فقال السائق : نعم هي احسن لانها جديدة . ولكن ضربك لى اثر بالحجر بعج الديتر - فنقب لهذا فان سيارة ذلك احسن ياعمى من سيارتك - فالسائق رجل كبير لأنه اراد تأديب عمه لئلا يضربه مرة اخرى . والعم طفل كبير لأنه تأدب بمثل هذا الحجاج الذي يأخذ من العصب والعاطفة اكثر مما يأخذ من العقل .
هذا مثال للرجل الطفل . اما الطفل الرجل ، فقد وجدته ممثلا فى قول طفل أعرفه . حتى لكان هذه المعرفة تجعله أمس الناس بي بل لعله اقربهم الى طفل لم يتجاوز العاشرة ، وفي السنة الثانية الابتدائية ، كان الاول فى فصله او صفه فجاء الاختبار فانتزعت منه الاولية . فقال له خاله - وهو طفل مثله - ويه ، وبه . سقطت ! فأجابه بكلمة ، كان فيها وازع كبير لي وعقل عقلت به عواطف جامحة فى نفسا لا اريد ان اكون الاول الآن فهذا يشغلني عن درسي . ويولد حزازات فى نفوس اخوانى . لا لأني اولهم . بل لأن الاساتذة يكلفوني بالمراقبة ويسألوني عن الخطايا . كأنى معاون استاذ لا تلميذ صغير فهذه المشاكل التى يولدها اني خليفة عريف الكتاب ما دمت الاول ، هي التى تجعلني ازهد فى الاولية ، لاسترخ من تكليف المدير والاساتذة ، واستريح من عداء
التلامذة ، واستريح من هم نفس يجلبه هذا التكليف على . ثم ان النجاح فى المدرسة قد يأتيني بالأولية فى مجال العمل والحياة ، فالاستاذ والاساتذة الذين يسيرون بفكرة شيخ الكتاب ، فيكلفون الاول بمهمة العريف قد جعلوا من هذا الطفل رجلا كبيرا بهذه الفكرة ، ولئن سار على هذه الخطة يمتحن الايام والحوادث ويستخرج منها العبر فسيكون رجلا كبيرا رغم طفولته ، والذين لا يفعلون ذلك اطفال صغار رغم كبارتهم مقاما او سنا ، اظن هذا ما تريده يا صديقي فيه شئ من الافكار الجديدة وفيه شئ من الرأي القديم وخبر ما فى الامرين اني لا اعرف ان كنت مصيبا او مخطئا . وساكون رجلا عاقلا لاني تركت الحكم لك وللقراء .
