ألم يأن للبشرية أن تسمو؟

Share

ما نغص على الانسان العيش. وعكر عليه صفو الحياة. وحرمه من جنى ثمارها الطيبة الشهية فى هدوء وامان وجعله عرضة للشرور والمفاسد. وهدفا للكوارث والملمات. ومحلا للبلاء والمحن. سوى هذه النزعات المادية الدنيئة. والميول الحيوانية المنحطة التى تعتلج بها نفسه الامارة بالسوء.

وما اعجل ما تنمو هذه الميول وهذه النزعات. وما اسرع ما تستفحل في نفوس البشر اذا ما تهيأت اسباب اذ كأنها وتوفرت عوامل اشعالها حتى لا يبقى للعقل سلطان. ولا للروية ميدان ولا للطيبة سبيل ولا للانسانية منجى من شرورها الساحقة وبلائها الجارف ونكبتها الدهماء. وكأن النفوس ما هدأت الا لتثور والميول ما كبتت الا لتنفجر والاهواء ما اختفت الا لتأتي باعصار يشيب لهوله الولدان والا لماذا؟ لا يكاد يحدو بالناس حادي الجهالة ويزعق فيهم منادي الضلالة حتى نرى صفات الشر والاذى تحل محل خصال الخير والطيبة بسرعة مدهشة فى الافراد والجماعات فاذا الصدور السليمة تغلى بالحقد: والقلوب الرحيمة تنبض بالموجدة. والنفوس الكريمة تتوثب للنقمة. وفي اقل من لمح البصر تستولى هذه العوامل على ذوى العقول الكبيرة. والافكار المستنيرة. والاعصاب الهادئة فاذا هم لا يفكرون الا فى الدس، ولا يعملون الا للكيد، ولا يقيمون وزنا الا للجبروت. ويميلون مع الهوى انى يسيرهم. فلا يأنسون بحديث سوى احاديث الاثرة، ولا تتفتح نفوسهم الا لاقاصيص القسوة ولا يحفلون الا بمنطق القوة. ولا يرتاحون الا اذا اعنتوا ولا يهدأون الا اذا استطالوا وارهقوا. اما الوقوف عند حدود الحق والتقيد بمبادئ العدل، والعطوف الى

سبل الرحمة فذلك ما لا يمكن ان يفهموه، ولا يتسنى لهم ان يتصوروه، حتى يخيل اليك ان الحق لفظ لا معنى له الا في مملكة الاحلام. وما النبل والشرف والرحمة والعطف الا رسوماً صماء ازدانت بها صفحات المعاجم لتتلهى بها افكار الحالمين.

وتلك نكبة ما كان للبشر ان يمنوا بها لولا تلك الميول المادية الدنيئة التى قدمنا، وتلك النزعات الحيوانية المنحطة التى ذكرنا واستجابتهم لها وعدم تمكنهم من اكباتها واخمادها. وهي التى اعمتهم عن طرائق الخير وحادت بهم عن سبل الرشاد.

ولا يدرأ عنا شرور تلك الميول والنزعات ويدعها تتزاوى فلا تبدو وتختفى فلا تظهر وتضعف حتى تموت سوى العمل على اكباتها واخمادها وحمل النفس على عدم الاستجابة اليها ولا يتسنى لنا ذلك الا بالحب: نعم بالحب: الحب الذي عناه المبعوث رحمة للعالمين في قوله ( احب لاخيك ما تحب لنفسك ) او كما قال: ان فى هذه الكلمة الموجزة مبدأ من اسمى المبادئ الانسانية التى تفيض بالخير والسعادة على بني الانسان اذ فيها ضمان للاستقرار في هذه الحياة وتمكين للسلام بين الأفراد والامم والشعوب.

ان هذا الحب إذا عمرت به القلوب. واضاءت به الجوانح وتغلغل سناؤه فى النفوس واستنارت بهديه العقول واشرقت بلألائه الافكار. ماتت دواعي الشر وفنيت عوامل الاذى وشاع التفاهم بين البشر وعم الدنيا الرخاء والهناء ونعم الناس بالخيرات واستمتعوا بالطيبات وتوثقت بالحب صلاتهم وزهت بالامن حضاراتهم اذ لا قوي يغدر بضعيف ولا ذئب يسطو على حمل.

ان ( احب لاخيك ما تحب لنفسك ) تزيل المخاوف وتؤلف بين الاضداد لان النفوس اذا اتسعت للغير لا تتحدث بالاسواء. والخواطر إذا اتجهت للخير لا تختلف بها الانواء. اذ لا مناوأة على حقير من الامور ولا مجافاة على تافه من المغانم ولا بيات على ضفنيه ولا لجاجة فى خصومة.

على الله والناس ان لا سبيل اضمن للسلام والاستقرار من ( احب لاخيك ما تحب لنفسك ) ولكن الانسانية لم تردهما لنفسها ولو ارادتهما ما كان لماضيها

ان ينجلي عما انجلى عنه من مخزيات وموبقات ولا لصحفها ان تنكشف عما انكشفت عنه من سخائم مزريات. ولا لتاريخها ان يتحدث عما تحدث عنه من فجائع مبكيات ولا لحياتها ان تظل مشوبة بالرنق ولا لمعيشتها ان تكون ممزوجة بالكد وبالرنق ولا لحاضرها ان يطالعها بما هى فيه من شر. ولا لمستقبلها ان ينوح لها بما هو ادهى وامر. كما هو المتوقع والمنتظر.

وما كان اغناها عن كل ذلك لو اتخذت من " احب لاخيك ما تحب لنفسك " قاعدة تسير عليها ومبدأ لا تحيد عنه اذاً لضمنت لنفسها السعادة والرده من اوسع الابواب ترى الانسانية لا يحلو لها العيش الا اذا كان محفوفا بالمكاره. او لا تطيب لها الحياة على وجه الارض الا اذا حدقت بها الاخطار او ان الناس لا يريدون من الحياة الا ان تكون حربا عليهم ليروها كيف يكون الكفاح؟

ان كان ذلك كذلك فلماذا نراهم يولولون من الكوارث ويتشكون من الحوادث وينشدون الامن ويتلهفون على السلام فهل آن الا وان لان يثوب البشر الى رشادهم ويتخذوا من " احب لاخيك ما تحب لنفسك " مناراً يضئ لهم فى الظلمات ودثاراً يقيهم شرور النكبات ام سيظلوا فى الجهالة سادرين. وعلى الغواية عاكفين الى ان يحكم الله بينهم وهو احكم الحاكمين:

مكة

اشترك في نشرتنا البريدية