فتح جديد يساق الى عالم الأدب والشعر الحديث . . فمن هو - يا ترى - مفتتح العهد الجديد ؟
اذا كنت - ياصاح - ممن قرأوا ديوان ) الهوى والشباب ( فقد ادركت بطبيعة الحال انه ناظم الديوان صديقنا الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار
وكانت اولى الخطرات التى عرضت لى حينما فرغت من دراسة الديوان أن الحجاز - في شخصية ديوان العطار قد قام باحدى وثباته المفاجئة العجيبة ، فاجتاز مسافة شاسعة كان يظن انها تعيق قافلة تقدمه أمداً من الزمن مديداً . . وبهذا الصنيع . . وبهذا الصنيع وحده سما من درك الى قمة ، وأرتفع من هوة الى ذروة ، وساير النهضة الشعرية الحديثة فى بلاد العروبة .
هنا اذن ميلاد فجر جديد . ستثلوه ( اشراقة ) الضحى، فتتفتح آفاق الشعر لحى، وينكشف الغطاء عن مواهب ( العبقرية ) الخالدة الكمينة، فليهتف الزمن إذن بميلاد هذا الفجر المشرق اللماع .
أجل ها هو الزمن قد بدأ يصلح قيثارته ليزجى أناشيد الصباح ، وهاهو عالم الفكر العربى الحديث - ممثلا فى زعيم الأدب العربي طه حسين - بدأ يحتفى أول من يحتفون بميلاد ) الفن ( الجديد في البلد العظيم القديم ، فقد أرسل كلمته مدوية فى الآفاق ، عن هذا الديوان .
ولكن مابال ) نهر ( الخطرات لا يكفكف عن الانهمار . لابد أن وراء الافق ما وراءه ... ها هى الخطرات المزجاة سائرة بسرعة عجيبة متسلسلة متدافعة ... ثم هاهي ، وقد دنت من الشاطئ الجميل يخفف من حدة سرعتها ثم هاهو الشاطئ المزدهر الذي يمثل ) نقطة ( التحول ، قد اشرقت جواؤه . . هنا ستقف سفينة الخطرات هنا ستشاهد اروع الساحات ، وابهى المناظر .
ما هى اذن نقطة التحول هذه البهيجة اللامعة ؟ . إنها ديوان شاعرنا العطار ! ثم انظر ... انظر أمامك ياصاح هاهو ) طاووس ( الشعر البديع يرفرف من جديد على اجوائنا بعد ان هجرها عدة قرون . اذن لقد بدأ المرعى يخصب وبدأ الجو في التحسن والطائر الحبيب اليف لهذا الجو ، حبيب إليه هذا الجو فمنه دلف إلى شتى الاجواء فليحلق طائرنا الجميل ، وليغرد ماشاء له التغريد ، فكل ما فى هذا الجو يضفى عليه الوان الحفاوة والتقدير .
وكنت مسترسلا فى هذه الخطرات الشعرية اللذيذة فما شعرت الاو وأنا أضع كلمة ) اذن عندنا حافظ إبراهيم ( عنوانا على ) مفرق ( هذا المقال !
يقول الأستاذ أحمد امين فى مقدمته على ديوان حافظ إبراهيم : ) الشعر الجيد فيضان من شعور قوى سمابه الخيال وحلاه اللفظ ووقع على نعمات الاوزان فهو لابد ان تتجمع فيه عاطفة وخيال وصياغة وجمال . . وقد سلم لشاعرنا من هذه الامور ثلاثة : قوة العاطفة ، وحسن الصياغة وجمال الوسيقى واعوزه امر منها وهو قوة الخيال ( . ويقول الدكتور طه حسين فى قسمنه على ديوان العطار : ) فى شعره رصانة اللفظ ، وعمق المعنى ، وعذوبة الوسيقى ، وحسن الانسحام ، و حرارة العاطمة ،وأصدق الشعور ( . كلا الناقدين لتنظيمي وصف شاعره فى ظرفين متباينين فجاء الوصفان متفقين فبرهن على أنها في اصول فني الشاعرين وإذ فرق بينهما الزمان ولكن ...
فى شعر العطار من سهولة شعر حافظ ، ومن انسجامة ، ومن حرارته وعمق معناه ، و عذوبة موسيقاه ، فلا يدع اذا قلنا ان عندنا حافظ إبراهيم ونقرل الحق اذا قلنا ان ديوان حافظ اوسع مدى فى أفاق الشعر السياسي والوصفي والمديحي بنوعية والاجتماعي من ديوان العطار ، وتلك ميزة الظروف المواتية والعمر المديد والصيت المدوى والمناسبات القائمة والقول الحر الطليق ، على أن شاعرنا لا يزال فى مقتبل العمر واذ امتدت به الحياة راقى بعض ما لقى من الوسائل المهيئة لاتساع القول فى فنون الشعر فانه لن يطيش سهمه فى هذا
الباب ، فله من فيض العاطفة وقوة التصوير ودقة الملاحظة ما يجعلنا فتفرس له بمستقبل ان لم يضاه ماضى حافظ إبراهيم فلن يهبط عنه مكانة
وشاعرنا أقوى خيالاً من حافظ ابراهيم فلقد مر بنا قول الآستاذ أحمد. أمين عن نضوب خيال حافظ . وقصيدة العطار عن ) شهر زاد الجديدة ( مليئة بالخيال الباهر الساحر . اسمع ما يقوله عن شبابها :
أخلت شبابك مثل الربيع اذا رث جدد من بعد عام
فيبتسم الروض بعد العبو س وتحب الحياة ويذكر الضرام
وتنطلق الطير وثابة تغرد تغريدة المستهام
وتستقبل الارض افرراحها وتصحو الطبيعة بعد المنام
اذا غشى الارض نور الربيع تجد الشبيبة بعد البلى
ويرتد للأرض اغراؤها ويمسى منيع الحمى مسجلا
ولكن شبابك ان مزقت حواشيه ما وجدت مغزلا
فى هذه الآبيات خيال مجنح ، قورنت فيه صورة بصورة ، ومنظر بمنظر مقارنة فيها الافتنان والأشراق
. ولن تجد مثل هذا الخيال المستفيض عند الشاعر الكبير حافظا إبراهيم . وقصيدة العطار : ) الحياة فوق الذرى ( من الشعر المفعم بالحيوية ورفعة التخييل . وفيها يقول :
رأيت السنا من شعاع القمر يمد الى القلب خيط الرجاء
ويسكب فيه الوف الصور ويغمره بالمنى والضياء
يقول الأستاذ أحمد أمين: ( يتميز الشعر بإن له لغة حاصة غير لغة النثر ، وللشاعر ملكة لا يمكن توضيحها تمام الوضوح ، يستطيع بها ان يخير من الفاظ اللغة ما يرى انها ابعث على اثارة المشاعر ، وافعل فى نفس السامع ، ثم هو يضعها فى اساليب خاصة )
وبهذه الملكة اقتنص العطار من قاموس اللغة كلمة ) يكب ( و ) ناعورة الرياض ( من الشعر المشجى برنات مثانيه ومثالثه وله قصيدة في ) الحرب ( ، يقول فيها :
ما اعجب الانسان فى حربه يطلق كالذئب طباع الاذى
لو كان هذا العقل يحمي الورى ما كان هذا العقل يفنى الورى
والبيت الاخير جمع ضروبا شتى من معاني الحكمة المثلى. ولندلل على ضعف الخيال لدى حافظ وقوته لدى العطار نقارن بينهما فى قصيدتين لهما قيلتا كلتاهما عن ( الحرب )
قال حافظ إبراهيم يصف أهوال الحرب العالمية الأولى :
لاهم ان الغرب اصبح شعلة من هولها أم الصواعق تفرق
العلم يذكر نارها وتثيرها مدنية خرقاء لا تترفق
وتنازلوا فى الجو حين بدالهم أن البسيطة عن مداهم أضيق
نفسوا على الحيتان واسع ملكها فتفننوا فى سلبة وتأنقوا
ملكوا مسابحها عليها بعد ما غلبوا النسور على الجواء وحلقوا
وقال العطار في وصف أهوال الحرب العالمية الثانية :
وارحمنا للبلد الأهل اسى طعاماً للمردى الصائل
لج به التدمير مستبسلاً يقذف بالنيران كالوابل
فاندثر العمران من عسفه حتى غداً كالطلل الزائل
لو كان هذا العقل يحمى الورى ما كان هذا العقل يفنى الورى
بني لهدم الكون آلاته تقذف بالويلات ترمى اللظى
فالبحر يا للبحر مستوحش مذ جانب الرواد شطآنه
واقفر الجو فلا طيره يطفر أو يرسل والحانه
والجو قد أمسى لظى موقداً يرمي على العالم شهبانه
والطائرات الحمق من ظلمها تنافس التحليق عقبانه
حافظ إبراهيم يصف اهوال حرب عالمية مبيرة شاهدها فيقول ان بلاد الغرب قد اشتعلت بنارها والذي اضرمها على الغرب هو العلم والمدنية الخرقاء التى لا تترفق . . وقد جعل المتحاربون الجو ميداناً لحربهم لضيق الارض عنهم وسلبوا الحيتان فى البحر والنسور فى الجو ملكها صورة عارية عن اهاب الخيال
الفضفاض مع أن الموضوع عالمي ، وفيه تجد قريحة الشاعر مجالاً خصباً لارسال القول عن سعة . وذلك ما لاحظته شاعرية العطار فوفت القول حقه ؛ وادت للتصوير الفنى مقتضى الحال فالحرب كما يقول قد قوضت معالم العمران ومضرمها العقل الذي يستكشف خبايا العلم الكونى ليدمر بها ذوويه وما حشدوا . ولقد استوحش الكون من اهوالها المروعة فى البحر واقفر الجو من اطياره المغردة التى تزجى البهجة الى النفوس فقد استولت على هذه المملكة الغناء الطائرات الحمقاء فالمفت مباهجها
هذا تصوير فنى جمع بين شمو النظرة وسمو الفكرة . على أن لشاعرنا قصيدة أخرى حدث فيها عن اهوال الحرب العالمية الثانية لا تقل عنها روعة
وله ) ميلاد الشاعر ( قصيدة كل ما ينبض فيها بالسحر الحلال والعطار الوصاف خير من حافظ الوصاف فى بعض الأحيان وخصوصاً حينما يعرضان لوصف مظاهر المدنية الحديثة
سافر حافظ إبراهيم إلى ايطاليا في رحلة بحرية على الباخرة ) اسبيريا ( فابدع فى وصف طبيعة البحر المهتاجة وصفاً منقطع النظير ولما عرج على باخرته بردت حرارة خياله فسقط معنى فكان كل ماجادت به قريحته ان دعا للسفينة بان تفديها السفن ، فاسبيريا من بينها عروس البحار فهي لذلك اهل لأن تزينها البحور بالدرر ، وهي لذلك تستأهل ان تكتسي من ثنائيه عقداً تتشهاه نحور الحسان .
اذا حلل هذا الوصف على مشرحة الفن وجد موبوءاً بالكثير من الأمراض الفنية . واليك قوله :
ايه ) اسبيريا ( فدتك الجوارى منشآت كأنهن القصور
يا عروس البحر انك اهل ان يحليك بالجمان البحور
لسببي اليوم من ثمانى عقدا تشهيه من الحسان النحو
" . مثل هذا الموقف من سيارته ) او عداءته ( كما يسميها أجاء النظرة واستجاب لنفحات الفن من كل صوب ، وقارن بين . . والحمل السطبئ الذي كان الى عهد قريب وسيلة النقل الوحي رجاء هذه البلاد قبل دخول السيارة . قال :
كنت قبل اليوم بإعداءتى اركب الانعام ان رمت السفر
لست ادرى امشت ام وقفت فكلا الامرين القبول النظر
إن ارم مصر او الشام ففي اشهر من عمرى الفذ تفر
ثم ينثى الى عداءته فيخاطبها واصفاً مرحلة الانتقال موضحا مزايا العهد الحديث
كنت قبل اليوم بإعداءتى اركب الانعام ان رمت السفر
غير انى اليوم قد انكرتها فهى رمز للقديم المندحر
انا ان آثرتك اليوم فحسبى سنوات قد اضيفت للعمر
تقطعين الشهر فى يوم ، وقد تقطعين اليوم في لمح البصر
ويدخل فى الوصف الغزل ، وقد ضرب فيه الشاعر بسهم وافر
وفي الديوان ما ادعوه ) طراوة ( الفن ويدعوه غيرى ) طلاوته ( وللفن لرفيع طراوته التى يحببه الى النفوس ويحبب النفوس اليه وما الفن الا ) باقة زهر ( جميلة تبقى لها نضرتها وعطرها ما بقيت طراوتها ، فاذا جفت ذهب عنها لجمال وغادرتها الجاذبية وفارقها الآريج الحبيب والديوان طرى الفن ، غضه ، وفيه من الاريج واللمعان ما يحبب المطالعة فيه والاقتباس من ازهاره
وفيه بعض الطبيعات الواضحة للقارئ ، وقد صححها ناظمه فى ملحق للديوان والتطبيعات لا يخلو منها أى كتاب مهما بولغ فى العناية بتصحيح نماذجه ) بروفاته ( .

