هو الثقة الحجة محيى السنة وقامع البدعة نموذج السلف وخير الخلف مولانا أبو ابراهيم خليل أحمد الايوبى الانصارى نسبا الحنفي مذهبا النقشبندى طريقة .
ولد في أواخر صفر سنة ١٢٦٩ ه بقرية « نانوتة » من أعمال بلدة سهارنفور بالهند ، وربى فى ظل والديه بقرية ( أنبهته ) وأول ما تأدب على والده الشيخ مجيد على ، وبعد أن صار يافعا ذهب الى امارة « جواليار » لتحصيل العلوم العربية ، ثم رحل الى امارة « بهوبال » وكانت تغص بالعلماء الكبار ، وحينما سمع ( بفتح دار العلوم ) ببلدة ( ديوبند ) رحل اليها وتلقى العلوم من كبار محدثيها ومدرسيها . ولما أنشئت بعدها مدرسة « مظاهر العلوم » أتى اليها وأكمل دروسه فيها وفرغ من سائر الكتب الدراسية العقلية منها والنقلية ، وأخذ عن أكبر علمائها ومنهم الشيخ محمد مظهر والشيخ رشيد الدين الدهلوى ومولانا محمد اسحاق الدهلوى .
ولما قصد الحج والزيارة لمسجد الرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم أخذ عن المحدث الشاه عبد الغني المجددى مؤلف « أنجاح الحاجة شرح مسند ابن ماجة » .
وأخذ عن كبير علماء المدينة يومئذ السيد أحمد البرزنجي والشيخ محمد عابد السندى ولما رجع للهند ذهب الى امارة « بهاولبور » ودرس في مدارسها الدينية مدة اثنى عشر عاما ، ثم رجع الى بلدة سهارنفور وعين شيخا للحديث وكان قد بلغ سن الشيخوخة فعن له أن يشرح مسند أبى داود مؤيدا بالبراهين من كتب السنة والمذاهب الاربعة فشرع فى التأليف بمساعدة تلميذه البار الشيخ محمد زكريا شارح مسند الترمذى ، فكان يصلى الصبح في مسجد دار الطلبة ويجلس مع تلميذه المذكور بمكتبة المدرسة يطالع في الكتب اللازمة في الحديث والفقه وغيرها من المراجع ، ويملى ذلك على مساعده المشار اليه فاذا أضحى النهار ذهب لبيته
القريب من المدرسة وتناول افطاره . وقد أنيطت به رئاسة المدرسة ، فكان ينظر في المعاملات الخاصة بالمدرسة ويبدى رأيه لمديرها المرحوم « عناية الهى » كما ينظر في الرسائل التى ترد عليه من أنحاء الهند للاستفتاء في المسائل الفقهية فيحيلها على مفتى المدرسة « المولوى عبد اللطيف » صدر المدرسين .
كما كانت تأتيه أجوبة من بعض البلدان بطلب عالم لمناظرة مع كهنة الهندوس فكان يحيلها على رئيس لجنة هداية الرشيد « المولولى أسعد الله » ثم يصلى الظهر ويذهب لبيته للغداء والاستراحة ، وبعد العصر يرجع الى ادارة المدرسة لتلقى ضيوفه من كل جنس ، بعضهم يطلب اجازة في الحديث وبعضهم لسماع أقواله .
وقد كنت أنا أحد الوافدين الى المدرسة من المدينة المنورة لتلقي العلم بها بوساطة
المحسن الكريم السيد أحمد الفيض آبادى الذى حبب الي ، الذهاب الى الهند بعام ١٣٤١ ه بعد أن أسس مدرسة العلوم الشرعية سنة ١٣٤١ ه زمن حكومة الأشراف فتصدى له الشيخ عبد القادر الشلبى مدير المعارف معترضا بأنها مدرسة وهابية فأغلقت بأمر الحكومة .
وبعد التحقيق ظهر أن الدروس التى تلقى فيها كلها هى كتب السنة والفقه على المذاهب الاربعة وتحفيظ القرآن الكريم فأذن له بفتحها ثانية وكان يأمل أن يتلقى العلوم الدينية شباب من أهل المدينة فكنت أنا أول من لبى الدعوة وسبقنى من مكة عبدالكريم ختن الشاه عبد الغنى ثم تبعنى بعد رجوعى السيد عمران ابن السيد محيى الدين الحسينى . . وقد تحصلت على شهادة المدرسة العالية بعد ثلاث سنوات حيث كنت درست بالمدينة بالمدرسة الابتدائية ثم الراقية .
وكان مولانا الشيخ خليل يحيطنى بعطفه ولطفه وكان يتمنى أن يفرغ من تأليف شرح أبى داود ليهاجر الى المدينة ويختمه في الروضة المطهرة ويمضى باقى عمره في المدينة ويدفن في بقيع الفرقد ، وقد استجاب الله دعاءه .
ففى أواخر عام ١٣٤٤ ه نوى الحج وتبعه الكثير من محبيه ، وكنت فرغت بدورى من التحصيل ، ولكنى تقدمت قبله لأصحب عمى الدكتور عبدالرزاق الذي كان موظفا رئيسا لمستشفى كمران المركز الصحى للحجاج . . ففارقت الشيخ من بومباى وتقدمته الى عدن فكمران ، واصطحبت عمى المذكور . وجاء الشيخ مع رفقائه وحجوا معه عام ١٣٤٤ ه فكانت سنتها حادثة المحمل التى أطفأ فتنتها الملك عبد العزيز رحمه الله بسياسته الحكيمة على أن لا يعود المحمل مرة ثانية للحج
وبعد أداء مناسك الحج جاء الشيخ الى
المدينة ونزل ضيفا مكرما على السيد أحمد الفيض آبادى بجانب مدرسة العلوم الشرعية وقد بلغه الله مناه باتمام شرح مسند أبى داود في الروضة المطهرة ، وعينت بدورى مدرسا بمدرسة العلوم الشرعية عام ١٣٤٥ ه
هذا ولمولانا خليل أحمد مؤلفات عدة غير شرح أبى داود ، منها : « البراهين القاطعة في الرد على المبتدعة » ومنها : « مطرقة الكرامة على مرآة الامامة » ورسائل عدة فى الرد على الشيعة ، وأكثر تلك الرسائل في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة ( ١ )
وكان الشيخ ربعة القوام أقرب الى الطول أبيض مشربا بحمرة كأنه من سلالة الترك ليس بالسمين ولا النحيف معتدل القامة ذا لحية صغيرة طويلة بقبضة يعتم بعمامة خضراء أو بيضاء ويرتدى قميصا مع صدرية وسراويل طويلة حديثة ، سمحا جذابا يحيط به كل يوم أتباعه ومحبوه في منزل السيد أحمد الذى خصصه له ولم يمض على حياته بالمدينة أكثر من سنة وأشهر حتى وافاه الأجل المحتوم ودفن في بقيع الغرقد قريبا من قبور أهل البيت ، لقد بلغه الله مناه . وكانت وفاته سنة ١٣٤٦ ه وعاش ما يقرب من ٧٧ سنة ، ولم يترك ذرية من بعده ، رحمه الله رحمة الأبرار .
وكان قد أجازنى في كل ما أجيز به من علوم الحديث كما تجده في الصورة المنشورة مع هذا المقال . وقد أهمل مثل هذه الاجازات علماء اليوم . اللهم الا البقية الباقية لا يعلم أكثرها . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ( * )

