إسلاميات, بحوث هامة، حول الزكاة, لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز، رئيس الجامعة الاسلامية، بالمدينة المنورة

Share

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده ، وعلى آله وصحبه . .

أما بعد فان الباعث لكتابة هذه الكلمة هو النصح والتذكير بفريضة الزكاة التى تساهل بها الكثير من المسلمين فلم يخرجوها على الوجه المشروع مع عظم شأنها وكونها أحد أركان الاسلام الخمسة التى لا يستقيم بناؤه الا عليها لقول النبى - صلى الله عليه وسلم : ( بنى الاسلام على خمس : شهادة أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله ، واقام الصلاة ، وايتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت ) متفق على صحته ، وفرض الزكاة على المسلمين من أطهر محاسن الاسلام ، ورعايته لشؤون معتنقيه لكثرة فوائدها ومسيس حاجة فقراء المسلمين اليها ، فمن فوائدها تثبيت أواصر المودة بين الغنى والفقير لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن اليها ، ومنها تطهير النفس وتزكيتها ، والبعد بها عن خلق الشح والبخل كما أشار القرآن الكريم الى هذا

المعنى في قوله تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) ومنها تعويد المسلم صفة الجود والكرم والعطف على ذوى الحاجة ومنها استجلاب البركة ، والزيادة ، والخلف ، كما قال تعالى : ( وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين ) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح ، يقول الله عز وجل : ( يا ابن آدم انفق ننفق عليك ) الى غير ذلك من الفوائد الكثيرة ، وقد جاء الوعيد الشديد في حق من بخل بها أو يقصر في اخراجها ، قال الله تعالى : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم ، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ) فكل مال ، لا تؤدى زكاته فهو كنز يعذب به صاحبه يوم القيامة ، كما دل على ذلك الحديث الصحيح عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال

( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدى حقها الا اذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فاحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه ، وجبينه ، وظهره كلما بردت أعيدت له فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله اما الى الجنة واما الى النار ) ثم ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - صاحب الابل ، والبقر , والغنم الذى لا يؤدى زكاتها وأخبر أنه يعذب بها يوم القيامة ، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - انه قال : ( من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا اقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم ياخذ بلهزمتيه - يعنى شدقيه - ثم يقول : أنا مالك أنا كنزك ، ثم تلا النبى - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية :

( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) .

والزكاة تجب في أربعة أصناف : الخارج من الأرض من الحبوب ، والثمار ، والسائمة من بهيمة الانعام والذهب ، والفضة ، وعروض التجارة ، ولكل من هذه الأصناف الأربعة نصاب محدود لا تجب الزكاة فيما دونه ، فنصاب الحبوب ، والثمار ، خمسة أوسق ، والوسق ستون صاعا بصاع النبى - صلى الله عليه وسلم - فيكون مقدار النصاب بصاع النبى - صلى الله عليه وسلم - من التمر ، والزبيب والحنطة ، والأرز ، والشعير ، ونحوها ثلاثمائة صاع بصاع النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو أربع حفنات بيدى الرجل المعتدل الخلقة اذا كانت يداه مملوءتين .

وأما نصاب السائمة من الابل ، والبقر ،

والغنم ، ففيه تفصيل مبين في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفى استطاعة الراغب في معرفته سؤال أهل العلم عن ذلك ، ولولا قصد الايجاز لذكرناه لتمام الفائدة .

وأما نصاب الفضة ، فمائة وأربعون مثقالا ، ومقداره بالدرهم العربى السعودى ستة وخمسون ريالا ، ونصاب الذهب عشرون مثقالا ، ومقداره من الجنيهات السعودية أحد عشر جنيها وثلاثة أسباع الجنيه ، والواجب فيهما ربع العشر على من ملك نصابا منهما ،

أو من أحدهما وحال عليه الحول ، والربح تابع للأصل فلا يحتاج الى حول جديد ، كما ان نتاج السائمة تابع لأصله فلا يحتاج الى حول جديد اذا كان أصله نصابا ، وفي حكم الذهب ، والفضة الأوراق النقدية التى يتعامل بها الناس اليوم سواء أسميت درهما أم دينارا أم دولارا أم غير ذلك من الاسماء اذا بلغت قيمتها نصاب الفضة أو الذهب وحال عليها الحول وجبت فيها الزكاة ، ويلتحق بالنقود حلى النساء من الذهب ، والفضة خاصة اذا بلغت النصاب المتقدم وحال عليها الحول فان فيها الزكاة وان كانت معدة للاستعمال أو العارية في أصح قولى العلماء لعموم قول النبى - صلى الله عليه وسلم - :

( ما من صاحب ذهب ، ولا فضة لا يؤدى زكاتها الا اذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار ) الى آخر الحديث المتقدم ، ولما ثبت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى بيد امرأة سوارين من ذهب فقال : أتعطين زكاة هذا . قالت : لا . قال : أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار . فألقتهما وقالت : هما لله ولرسوله . أخرجه ابو داود ، والنسائى بسند حسن ،

وثبت عن أم سلمة - رضى الله عنها - انها كانت تلبس أوضاحا من ذهب فقالت : يا رسول الله أكنز هو ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( ما بلغ أن يزكى فزكى فليس بكنز ) مع أحاديث أخرى في هذا المعنى .

أما العروض وهى السلع المعدة للبيع فانها تقوم في آخر العام ، ويخرج ربع عشر قيمتها سواء أكانت قيمتها مثل ثمنها أم أكثر أم أقل لحديث سمرة قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذى نعده للبيع . رواه أبو داود ، ويدخل في ذلك الأرض للبيع ، والعمارات ، والسيارات ، والمكائن الرافعة للماء ، وغير ذلك من أصناف السلع المعدة للبيع .

أما العمارات المعدة للايجار لا للبيع فالزكاة في أجورها اذا حال عليها الحول ، أما ذاتها فليس فيها زكاة لكونها لم تعد للبيع ، وهكذا السيارات الخصوصية ، وسيارات الاجرة ليس فيها زكاة اذا كانت لم تعد للبيع وانما اشتراها صاحبها للاستعمال ، واذا اجتمع لصاحب سيارة الاجرة أو غيره نقود تبلغ النصاب فعليه زكاتها اذا حال عليها الحول سواء أكان أعدها للنفقة أم للتزوج أم لشراء عقار أم لقضاء دين أم غير ذلك من المقاصد لعموم الادلة الشرعية الدالة على وجوب الزكاة في مثل هذا .

والصحيح من أقوال العلماء أن الدين لا يمنع الزكاة لما تقدم ، وهكذا أموال اليتامى ، والمجانين تجب فيها الزكاة عند جمهور العلماء إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول ، ويجب على أوليائهم اخراجها بالنيابة عنهم عند تمام الحول لعموم الادلة ، مثل قول النبي - صلى

الله عليه وسلم - في حديث معاذ لما بعثه الى أهل اليمن ( ان الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من اغنيائهم وترد في فقرائهم )                *         *         *

والزكاة حق الله لا تجوز المحاباة بها لمن لا يستحقها ، ولا أن يجلب الانسان بها لنفسه نفعا أو يدفع ضرا ، ولا أن يقى بها ماله أو يدفع بها عنه مذمة ، بل يجب على المسلم صرف زكاته لمستحقيها لكونهم من أهلها لا لغرض آخر مع طيب النفس بها والاخلاص لله في ذلك حتى تبرأ ذمته ويستحق جزيل المثوبة والخلف .

وقد أوضح الله سبحانه في كتابه الكريم أصناف أهل الزكاة فقال تعالى :

( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ) وفي ختم هذه الآية الكريمة بهذين الاسمين العظيمين تنبيه من الله سبحانه لعباده على أنه سبحانه هو العليم بأحوال عباده ، ومن يستحق منهم الصدقة ، ومن لا يستحق وهو الحكيم فى شرعه وقدره فلا يضع الاشياء الا فى مواضعها اللائقة بها وان خفى على بعض الناس بعض أسرار حكمته ليطمئن العباد لشرعه ويسلموا لحكمه .

والله المسؤول أن يوفقنا والمسلمين للفقه فى دينه ، والصدق فى معاملته ، والمسابقة الى ما يرضيه ، والعافية من موجبات غضبه انه سميع قريب ، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه .

اشترك في نشرتنا البريدية