الحمد لله الذي أمر بالجهاد ف سبيله ، ووعد عليه الأجر العظيم والنصر المبين ، وأشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه الكريم : (وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) ، وأشهد ان محمدا عبده ورسوله وخليله أفضل المجاهدين وأصدق المناضلين وأنصح العباد أجمعين - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وعلى أصحابه الكرام الذين باعوا نفوسهم لله وجاهدوا في سبيله حتى أظهر الله بهم الدين وأعز بهم المؤمنين ، وأذل بهم الكافرين رضي الله عنهم وأكرم مثواهم وجعلنا من أتباعهم باحسان إلى يوم الدين .
أما بعد : فان الجهاد فى سبيل الله من أفضل القربات ، ومن أعظم الطاعات ، بل هو أفضل ما تقرب به المتقربون وتنافس فيه المتنافسون بعد الفرائض ، وما ذاك الا لما يترتب عليه من نصر المؤمنين واعلاء كلمة الدين ، وقمع الكافرين والمنافقين وتسهيل انتشار الدعوة الاسلامية بين العالمين ، واخراج العباد من الظلمات الى النور ونشر محاسن الاسلام وأحكامه العادلة بين الخلق أجمعين ، وغير ذلك من المصالح الكثيرة والعواقب الحميدة للمسلمين ، وقد ورد فى فضله وفضل المجاهدين من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ما يحفز الهمم العالية ، ويحرك كواهن النفوس الى المشاركة فى هذا السبيل ، والصدق فى جهاد أعداء رب العالمين وهو فرض كفاية على المسلمين اذا قام به من يكفي سقط عن الباقين ، وقد يكون فى بعض الأحيان من الفرائض العينية التى لا يجوز للمسلم التخلف عنها الا بعذر شرعي كما لو استنفره الامام أو حصر بلده العدو أو كان حاضرا بين الصفين ، والادلة على ذلك من الكتاب والسنة معلومة ، ومما ورد في فضل الجهاد والمجاهدين من الكتاب المبين قوله تعالى : ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون ، لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لا تبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم انهم لكاذبون ، عفى الله عنك لم اذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ، لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم
بالمتقين ، انما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ) . ففي هذه الآيات الكريمات يأمر الله عباده المؤمنين أن ينفروا الى الجهاد خفافا وثقالا أى شيبا وشبانا وأن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، ويخبرهم عز وجل أن ذلك خير لهم فى الدنيا والآخرة ، ثم يبين سبحانه حال المنافقين وتثاقلهم عن الجهاد وسوء نيتهم ، وأن ذلك هلاك لهم بقوله عز وجل : ( لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لا تبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ) الآية ، ثم يعاتب نبيه - صلى الله عليه وسلم - عتابا لطيفا على أذنه لمن طلب التخلف عن الجهاد بقوله سبحانه : (عفي الله عنك ثم اذنت لهم ) ، ويبين عز وجل أن في عدم الأذن لهم تبين الصادقين وفضيحة الكاذبين ، ثم يذكر عز وجل أن المؤمن بالله واليوم الآخر لا يستأذن فى ترك الجهاد بغير عذر شرعى لأن إيمانه الصادق بالله واليوم الآخر يمنعه من ذلك ، ويحفزه إلى المبادرة إلى الجهاد والتفير مع أهله ، ثم يذكر سبحانه ان الذى يستأذن فى ترك الجهاد هو عادم الايمان بالله واليوم الآخر ومرتاب فيما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفي ذلك أعظم حث وأبلغ تحريض على الجهاد فى سبيل الله ، والتنفير من التخلف عنه ، وقال تعالى فى فضل المجاهدين : ( ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا فى التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعده من الله فاستبشروا سعيكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ) .
ففى هذه الآية الكريمة الترغيب العظيم في الجهاد في سبيل الله عز وجل وبيان أن المؤمن قد باع نفسه واله على الله عز وجل وأنه سبحانه قد تقبل هذا البيع وجعل ثمن أهله الجنة وأنهم يقاتلون في سبيله فيقتلون ويقتلون ، ثم ذكر سبحانه أنه وعدهم بذلك فى أشرف كتبه وأعظمها التوراة والانجيل والقرآن ، ثم بين سبحانه أنه لا احد أوفي بعهده من الله ليطمئن المؤمنون الى وعد ربهم ويبذلوا السلعة التى اشتراها منهم وهى نفوسهم وأموالهم في سبيله سبحانه عن إخلاص وصدق وطيب نفس حتى يستوفوا أجرهم كاملا في الدنيا والآخرة ، ثم يأمر سبحانه المؤمنين أن يستبشروا بهذا البيع لما فيه من الفوز العظيم والعاقبة الحميدة والنصر للحق والتأييد لأهله وجهاد الكفار والمنافقين وإذلالهم ونصر أوليائه عليهم وإفساح الطريق الانتشار الدعوة الاسلامية في أرجاء المعمورة ، وقال عز وجل : ( يا ايها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار ومساكن طيبة فى جنات عدن ذلك الفوز العظيم ، وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين . )
ففي هذه الآيات الكريمات الدلالة من ربنا عز وجل على أن الايمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله هما التجارة العظيمة المنجية من العذاب الأليم يوم القيامة ، ففي ذلك أعظم ترغيب وأكمل تشويق إلى الإيمان والجهاد . ومن المعلوم أن الإيمان بالله ورسوله يتضمن توحيد الله والخلاص العبادة له سبحانه : كما يتضمن أداء الفرائض وترك المحارم ، ويدخل في ذلك الجهاد فى سبيل الله تكونه من أعظم الشعائر الاسلامية ومن أهم الفرائض ، ولكونه سبحانه خصه بالذكر لعظم شأنه ، وللترغيب فيه لما يترتب عليه من المصالح العظيمة والعواقب الحميدة التى سبق بيان الكثيرمنها . ثم ذكر سبحانه ، كما وعد الله به المؤمنين المجاهدين من المغفرة والمساكن الطبيبة فى دار الكرامة ليعظم شوقهم
إلى الجهاد ، وتشد رغبتهم فيه ، وليسابقوا إليه ويسارعوا فى مشاركه القائمين به ، ثم أخبر سبحانه أن هن ثواب المجاهدين شيئا معجلا يحبونه وهو النصر على الأعداء والفتح القريب على المؤمنين ، وفي ذلك غاية التشويق والترغيب .
والآيات فى فضل الجهاد والترغيب فيه وبيان فضل المجاهدين كثيرة جدا ، وفيما ذكر سبحانه فى هذه الآيات التى سلف ذكرها ما يكفى ويشفى ويحفز الهمم ويحرك النفوس الى تلك المطالب العالية والمنازل الرفيعة والفوائد الجليلة والعواقب الحميدة ، والله المستعان.
اما الاحاديث الواردة في فضل الجهاد والمجاهدين ، والتحذير من تركه والاعراض عنه فهي اكثر هن ان تحصر ، وأشهر من ان تذكر ، ولكن نذكر منها طرفا يسيرا ليعلم المجاهد الصادق شيئا مما قاله نبيه ورسوله الكريم عليه من ربه افضل الصلاة والتسليم في فضل الجهاد ومنزلة أهله ، ففي الصحيحين عن سهل بن سعد - رضي الله عنه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ) رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وها عليها ، ووضع سوط احدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها . والروحة يروحها العبد في سبيل الله ، أو الغدوة خير من الدنيا وها عليها ( ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ) مثل المجاهد في سبيل الله - والله اعلم بمن يجاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم . وتوكل الله للمجاهد في سبيله أن توفاه أن يدخله الجنه او يرجعه سالما مع اجر او غنيمة . اخرجه مسلم في صحيحه ، وفي لفظ ته : ) تضمن الله لمن خرج فى سبيله لا يخرجه الا جهاد فى سبيلي وايمان بي وتصديق برسلي فهو على ضامن ان ادخله الجنة أو ارجعه الى مسكنه الذى خرج منه نائلا ما نال من اجر او غنيمة ( ، وعن ابي هريرة - رضي الله عنه قال قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم - : ) ما من مكلوم يكلم في سبيل الله الا جاء يوم القيامة وكلمه ينهى اللون لون الدم والريح ريح المسك ، متفق عليه
وعن أنس - رضي الله عنه - ان النبى صلى الله عليه وسلم - قال : ( جاهدوا المشركين بأموالكم وانفسكم وألسنتكم ) رواه أحمد والنسائى وصححه الحاكم ، وفي الصحيحين عن النبى - صلى الله عليه وسلم - انه سئل : أي العمل أفضل ؟ قال : ( ايمان بالله ورسوله ) قيل : ثم ماذا ؟ قال : ( الجهاد في سبيل الله ) قيل : ثم ماذا ؟ قال : ( حج مبرور ) متفق على صحته ، وعن أبى عبس بن جبر الانصارى - رضى الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار ) رواه البخارى في صحيحه ، وفيه ايضا عن أبى هريرة رضي الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن في الجنة مائة درجة اعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والارض ) ، وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضي الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من هات ولم يغز ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من نفاق ) ، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( اذا تبايعتم بالعينة واخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه شئ حتى ترجعوا الى دينكم ) رواه أحمد وابو داود وصححه ابن القطان ، وقال الحافظ في البلوغ : رجاله ثقات .
والاحاديث في فضل الجهاد والمـجاهديـــــــــن وبيان ما اعد الله للمجاهدين الصادقين من المنازل العالية ، والثواب الجزيل ، وفى الترهيب من ترك الجهاد والاعراض عنه كثيرة جدا . وفي الحديثين الاخيرين ، وما جاء فى معناهما الدلالة على أن الاعراض عن الجهاد وعدم تحديث النفس به من شعب النفاق ، وان التشاغل عنه بالتجارة والزراعة والمعاهلات الربوية من اسباب ذل المسلمين وتسليط الاعداء عليهم كما هو الواقع ، وان ذلك الذل لا ينزع عنهم حتى يرجعوا الى دينهم بالاستقامة على أمر الله والجهاد في سبيله ، فنسأل الله أن يـمن على المسلمين
جميعا بالرجوع الى دينه وان يصلح لهم البطانة ويـجمع كلمتهم على الحق ويوفقهم جميعا للفقه في الدين ، والجهاد في سبيل رب العالمين حتى يعزهم ويرفع عنهم الذل ، ويكتب لهم النصر على اعدائه واعدائهم انه ولى ذلك والقادر عليه .
المقصود من الجهاد
الجهاد جهادان ، جهاد طلب ، وجهاد دفاع ، والمقصود منهما جميعا هو تبليغ دين الله ودعوة الناس اليه واخراجهم من الظلمات الى النور ، وإعلاء دين الله في أرضه وان يكون الدين كله لله وحده كما قال عز وجل فى كتابه الكريم من سورة البقرة : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) ، وقال في سورة الانفال : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) ، وقال عز وجل في سورة التوبة : ( فاذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتـموهم وخلوهم واحضروهم واقعدوا لهم كل مر صد فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ان الله غفور رحيم ) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة ، وقال النبى - صلى الله عليه وسلم - : ( أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا الله وأن مـحمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فاذا فعلوا ذلك عصموا منى دعاءهم وأموالـهم الا بـحــــــق الاسلام وحسابـهم على الله عز وجل ) متفق على صحته عن حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - ، وفى الصحيحين عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله فاذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم على الله ) ، وفي صحيح مسلم عنه ايضا - رضى الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله ويؤمنوا بى وبما جئت به ) وفى صحيح مسلم أيضا عن طارق الاجشعى - رضى الله عنه - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - : ( من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ما له ودمه
وحسابه على الله عز وجل ) ، والاحاديث فى هذا المعنى كثيرة ، وفي هذه الآيات والاحاديث الدلالة الظاهرة على وجوب جهاد الكفار والمشركين وقتالهم بعد البلاغ والدعوة الى الاسلام ، واصرارهم على الكفر حتى يعبدوا الله وحده ويؤمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ويتبعوا ما جاء به ، وانه لا تحرم دماؤهم واموالهم الا بذلك وهى تعم جهاد الطلب ، وجهاد الدفاع ، ولا يستثنى من ذلك الا من التزم بالجزية بشروطها اذا كان من اهلها عملا بقول الله عز وجل : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) ، وثبت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - انه أخذ الجزية من مـجوس هجر ، فهؤلاء الاصناف الثلاثة من الكفار وهم اليهود والنصـــــــــ ارى والمجوس ثبت بالنص أخذ الجزية منهم فالواجب أن يجاهدوا ويقاتلوا مع القدرة حتى يدخلوا فى الاسلام أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، أما غيرهم فالواجب قتالهم حتى يسلموا في أحد قولى العلماء لان النبى - صلى الله عليه وسلم - قاتل العرب حتى دخلوا فى دين الله أفواجا ، ولم يطلب منهم الجزية ،
ولو كان اخذها منهم جائزا تحقن به دماؤهم واموالهم لبينه لهم ، ولو وقع ذلك لنقل . وذهب بعض أهل العلم الى جواز اخذها من جميع الكفار لحديث بريدة المشهور في ذلك المخرج في صحيح مسلم ، والكلام في هذه المسألة وتحرير الخلاف فيها وبيان الادلة مبسوط فى كتب أهل العلم من أراده وجده ، ويستثنى من الكفار في القتال النساء والصبيان والشيخ الـهــــــــــرم ونـحـوهم مـمن ليس من أهل القتال ما لم يشاركوا فيه فان شاركوا فيه او ساعدوا عليه بالرأى والمكيدة قوتلوا كما هو معلوم من الادلة الشرعية ، وقد كان الجهاد في الاسلام على أطوار ثلاثة ، الطور الاول :
الاذن للمسلمين في ذلك من غير الزام لهم به كما فى قوله سبحانه : ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير ) ، الطور الثانى : الامر بقتال من قاتل المسلمين ، والكف عمن كف عنهم .
وفي هذا النوع نزل قوله تعالى : ( لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) الآية ، وقوله تعالى : ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) ، وقوله تعالى : ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين ) فى قول جماعة من أهل العلم وقوله تعالى فى سورة النساء : ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم اولياء حتى يهاجروا فى سبيل الله فان تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتـموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ، الا الذين يصلون الى قوم بينكم وبينهم ميثاق او جاؤوكم حصرت صدورهم ان يقاتلوكم او يقاتلوا قومهم ولو شاءالله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فان اعتزلوكم فلم يقاتلوكم والقوا اليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ) والآية بعدها ، الطور الثالث : جهاد المشركين مطلقا وغزوهم فى بلادهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ليعم الخير أهل الأرض وتتسع رقعة الاسلام ويزول من طريق الدعوة دعاة الكفر والالحاد وينعم العباد بـحكم
الشريعة العادل ، وتعاليمها السمحة وليخرجوا بهذا الدين القديم من ضيق الدنيا الى سعة الاسلام ، ومن عبادة الخلق الى عبادة الخالق سبحانه ، ومن ظلم الجبابرة إلى عدل الشريعة واحكامها الرشيدة . وهذا هو الذي استقر عليه أمر الاسلام وتوفى عليه نبينا محمد - عليه الصلاة والسلام - وانزل عليه فيه قوله عز وجل في سورة براءة وهى من آخر ما نزل : ( فاذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) الآية ، وقوله سبحانه : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) والاحاديث السابقة كلها تدل على هذا القول وتشهد له بالصحة ، وقد ذهب بعض اهل العلم الى ان الطور الثانى وهو القتال لمن قاتل المسلمين والكف عمن كف عنهم قد نسخ لانه كان فى حال ضعف المسلمين فلما قواهم الله و كثر عددهم وعدتهم امرهم بقتال من قاتلهم ، ومن لم يناتلهم حتى يكون الدين لله وحده أو يؤدوا الجزية ان كانوا من اهلها ، وذهب آخرون من اعل العلم الى ان الطور الثانى : لم ينسخ بل هو باق بعمل به عند الحاجة اليه ،
فاذا قوى المسلمون واستطاعوا بدء عدوهم بالقتال وجهاده في سبيل الله فعلوا ذلك عملا بآية التوبة وما جاء ، فى معناها ، أما إذا لم يستطيعوا ذلك فانـهـــــــــم يقاتلون من قاتلهم وتعدى عليهم ، ويكفون عمن كف عنهم عملا بآية النساء وما ورد في معناها ، وهذا القول أصح واولى من القول بالنسخ وهو اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية - رحمه الله - .
وبـهذا يعلم كل من له ادنى بصيرة ان قول من قال من كتاب العصر وغيرهم ان الجهاد شرع للدفاع فقط قول غير صحيح والادلة التى ذكرنا وغيرها تـخالفه . وانما الصواب هو ها ذكرنا من التفصيل كما قرر ذلك أهل العلم والتحقيق ، ومن تأمل سيرة النبى - صلى الله عليه وسلم - وسيرة اصحابه - رضى الله عنهم - فى جهاد المشركين اتضح له ما ذكرنا وعرف مطابقة ذلك لما أسلفنا من الآيات والاحاديث ، والله ولى التوفيق .
وجوب الاعداد للاعداء
وقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين ان يعدوا للكفار ما استطاعوامن القوة وان يأخذوا حذرهم كما في قوله عز وجل : ( واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) وقوله سبحانه : ( يا ايها الذين آمنوا خذوا حذركم ) وذلك يدل على وجوب العناية بالاسباب والحذر من مكائد الاعداء ويدخل في ذلك جميع انواع الاعداد المتعلقة بالاسلحة والابدان ، كما يدخل في ذلك اعداد جميع الوسائل المعنوية والحسية وتدريب المـجاهدين على أنواع الأسلحة وكيفية استعمالها وتوجيههم الى كل ما يعينهم على جهاد عدوهم والسلامة من مكائده فى الكر والفر والأرض والجو والبحر وفى سائر الاحوال لان الله سبحانه اطلق الامر بالاعداد واخذ الحذر ولم يذكر نوعا دون نوع ولا حالا دون حال وما ذاك الا لان الاوقات تختلف والأسلحة تتنوع ، والعدو يقل ويكثر ويضعف ويقوى والجهاد قد يكون ابتداءا وقد يكون دفاعا فلهذه الامور وغيرها أطلق الله سبحانه الامر بالاعداد وأخذ الحذر ليجتهد قادة المسلمين واعيانـهم ومفكروهم فى اعداد ما يستطيعون من القوة لقتال
اعدائهم وما يرونه من المكيدة في ذلك ، وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انه قال :( الحرب خدعة ) ومعناه : ان الخصم قد يدرك من خصمه بالمكر والخديعة فى الحرب ما لا يدركه بالقوة والعدو وذلك مجرب معروف ، وقد وقع في يوم الاحزاب من الخديه للمشركين واليهود والكيد لهم على يد نعيم بن مسعود - رضي الله عنه - باذن النبى - صلى الله عليه وسلم - ما كان من أسباب خذلان الكافرين وتفريق شـملهم واختلاف كلمتهم ، واعزاز المسلمين ونصرهم عليهم وذلك من فضل الله ونصره لاوليائه ومكره لهم كما قال عز وجل : ( ويمكرون ويمكن خير الماكرين )
ومـما تقدم يتضح لذوى البصائر ان الواجب امتثال امر الله والاعداد لاعدائه وبذل الجهود فى الحيطة والحذر ، واستعمال كل ما أمكن من الأسباب المباحة الحسية والمعنوية مع الاخلاص لله والاعتماد عليه والاستقامة على دينه ، وسؤاله المدد والنصر ،
فهو سبحانه وتعالى الناصر لاوليائه والمعين لـهـــــم اذا أدوا حقه ، ونقلوا أمره وصدقوا في جهادهم وقصدوا بذلك اعلاء كلمته وإظهار دينه . وقد وعدهم الله بذلك فى كتابه الكريـم واعلمهم أن النصر من عنده ليثقوا به ويعتمدوا عليه مع القيام بجميــــــع الاسباب قال تعالى : ( يا ايها الذين آمنوا ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم ) وقال سبحانه : ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) وقال عز وجل : ( ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوى عزيز ، الذين ان مكناهم فى الارض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور ) . وقال عز وجل : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين عن قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدوننـى لا يشركون بى شيئا ) الآية . وقال تعالى : ( وان تصبروا وتنقوا لا يضركم كيدهم شيئا ان الله بما يعملون مـحيط ) وقال سبحانه : ( اذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم انـى مـمدكم بألف
من الملائكة مردفين وما جعله الله الا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر الا من عند الله ان الله عزيز حكيم ) ، وقد سبق فى هذا المعنى آية سورة الصف وهي قوله تعالى : ( يا ايها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وانفسكم ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون ، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الانـهار ومساكن طيبة فى جنات عدن ذلك الفوز العظيم واخرى تحبونـها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة ، ولما قام سلفنا الصالح بما امرهم الله به ورسوله وصبروا وصدقوا فى جهاد عدوهم نصرهم الله وأيدهم وجعل لهم العاقبة مع قلة عددهم وعدتـهم وكثرة أعدائهم كما قال عز وجل : ) كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بأذن الله والله مع الصابرين ) ،
وقال عز وجل : ( ان ينصركم الله فلا غالب لكم وان يـخذلكم فمن ذا الذى ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) ، ولما غير المسلمون وتفرقوا ولـم يستقيموا على تعاليم ربـهم وآثر اكثرهم اهواءهـــــم أصابـهم من الذل والهوان وتسليط الاعداء ما لا يـخفى على أحد ، وما ذاك لا بسبب الذنوب والمعاصى ، والتفرق والاختلف وظهور الشرك والبدع والمنكرات في غالب البلاد ، وعدم تحكيم اكثرهم الشريعة كما قال الله سبحانه : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ويعفو عن كثير ) وقال تعالى : ( ذلك بان الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) . وقال عز وجل : ( ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت ايدى الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) ، ولما حصل من الرماة ما حصل يوم أحد من النزاع والاختلاف والاخلال بالنفر الذى أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم - بلزومه جرى بسبب ذلك على المسلمين من القتل ، والجراح ،
والـهزيـمة ما هو معلوم ، ولما استنكر المسلمون ذلك انزل الله قوله تعالى : ( او لما اصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم انى هذا قل هو من عند انفسكم
ان الله على كل شئ قدير ) ولو ان احدا يسلم من شر المعاصى وعواقبها الوخيمة لسلم رسول الله - صلي الله عليه وسلم - واصحابه الكرام يوم أحد وهم خير اهل الارص ويقاتلون في سبيل الله ومع ذلك جرى . عليهم ما جرى بسبب معصية الرماة التى كانت عن تأويل لا عن قصد للمخالفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتهاون بأمره ، ولكنهم لما رأوا هزيـمة المشركين ظنوا ان الامر قد انتهى وان الحراسة لم يبق لها حاجة وكان الواجب عليهم ان يلزموا الموقف حتى يأذن لهم النبى - صلى الله عليه وسلم بتركه ، ولكن الله سبحانه قد قدر ما قــ ر وقضى ما قضى لحكمة بالغة وأسرار عظيمة ، ومصالح كثيرة قد بينها فى كتابه سبحانه وعرفها المؤمنون وكان ذلك من الدلائل على صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه رسول الله حقا ، وانه بشر يصيبه ما يصيب البشر من الجراح والآلام ونـحو ذلك ، وليس باله بعبد ، وليس مالكا للنصر ، بل النصر بيد الله سبحانه ينزله على من يشاء ، ولا سبيل الى استعادة المسلمين مـجدهم
السالف واستحقاقهم النصر على عدوهم الا بالرجوع الى دينهم والاستقامة عليه وموالاة من والاه ، ومعاداة من عاداه ، وتحكيمه في أمورهم كلها ، واتحاد كلمتهم على الحق وتعاونهم على البر والتقوى كما قال الامام مالك بن انس - رحمة الله عليه - : ( لن يصلح آخر هذه الامة الا ما اصلح أولـها ) ، وهذا هو قول جميع أهل العلم . والله سبحانه انما اصلح أول هذه الامة باتباع شرعه والاعتصام بحبله والصدق فى ذلك
والتعاون عليه ، ولا صلاح لآخرها الا بهذا الامر العظيم . فنسأل الله ان يوفق المسلمين للفقه فى دينهم وان يـجمعهم على الهدى وان يوحد صفوفهم وكلمتهم على الحق وان يـمن عليهم بالاعتصام بكتابه وسنة نبيه - عليه الصلاة والسلام - وتـحكيم شريعته والتحاكم اليها ، والاجتماع على ذلك والتعاون عليه انه جواد كريم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
