سيدى الأستاذ
الموضوع الذي طلبتم الي الكتابة فيه ، موضوع خطيرينبغى لمن يخوض فيه ان يكون عالماً به ، ومختصاً فيه ، وأنا كما نعلمون لست من متخرجى المدارس اصحاب الشهادات...
وواجبي مع هذان ألبي الطلب ، وأن ارسم ماملاح بخاطرى حينما وردالي السؤال . ليست لبلادنا سياسة اقتصادية مرسومة ، ولا اعلم حتى الآن ، أن أحداً منا عنى بهذه الناحية الهامة ، والميزاق الاقتصادى فى كل بلد يتركز على معرفة انتاجه واستهلاكه ، وصناعاته ، وزراعته او صادراته واستيراده .
لقد كانت البلاد في العهد العثماني تستورد من خارجها جميع ما يحتاجه سكانها من مأ كل وملبس ، وموارد الثروة لا تعد وما ينفقه الحاج في البلد وما يرد اليه من صدقات ومرتبات ، كانت من اهم اسباب التواكل والركود
فلا انتاج ولا عمل ، حتى اذا طرأت ظروف سدت الطريق بينها وبين العالم الخارجي ضاقت الحال بابنائها فعانت اكبر الصعاب .
عند ما أعلنت الحرب العظمي السابقة ضرب الأسطول البريطانى حصراً بحرياً على سواحلنا فانقطع ورود الحجاج ، وتأخرت المرتبات والمنح التى كانت ترسلها العاصمة " الاستانة " وانقطع ورود الآقوات ، فنفد المخزون ووقعت البلاد في شبه مجاعة لم تتخلص منها الابثورة الملك حسين رحمه الله على الاتراك .
وفى العهد الهاشمي انفسح للناس باب العمل ، وبدأ يتقلص ظل البطالة واتجه الناس الى الاعتماد على انفسهم ولكن مابثت أن أوصدت الآبواب وضاقت مساحة البلاد بما كان من سياسته مع جيرانه حتى وقعت الحرب بينه وبين نجد .
وبانتهاء تلك الحرب ، وتوحيد المملكة الذي شمل الحجاز ونجداً إتسعت رقعة المملكة ، وإنفسح مجال الامل مرة أخرى ، واندمج الشعبان وتعاونا على الخير .
وعنيت الحكومة بامر التعليم ، وأطلقت الحرية للافراد فتسابقوا إلى العمل وبداوا يعتمدون على انفسهم وشجعت الزراعة ، واهتمت باستخراج خيرات البلاد ، فكان استخراج الزيت ، والتنقيب عن المعادن ، فظهر الذهب واتصلت تجارتها بالبلاد المجاورة والبعيدة ، ومازال الافق يتسع أمامها بذلك التوجيه الحكيم الذي يسوقها اليه المليك العظيم .
غير ان هذه الجهود لم تبلغ بنا بعد الى الغاية ، فمازلنا بلادا مستوردة تحتاج الى استيراد للقوت والكساء ، واحصاء الانتاج عندنا ما زال فى غير صالحنا .
ويذكر الاستاذ ماعانته البلاد في الحرب الاخيرة من نقص فى الاقوات واللوازم الضرورية مع أنا على إتصال وصداقة بالدول الديموقراطية ، ولم ندخل الحرب الا متأخرين .
والآن ، وقد إنتهت الحرب الثانية فهل فكرنا فى أمرنا لعدم تكرار الماضى ؟ أن حالة العالم اليوم تنذر بأحداث لاندرى عواقبها ، ونحن فى حاجة الى تدبير أمر أقواتنا وتدبير كسائنا .
إن كان الحجاز وادياً غير ذي زرع فليس المقصود من الآية الكريمة على ما أفهم الا - وادى ابراهيم - والأ ففي سائر المملكة أراض زراعية وعيون غزيرة لو أحسن تنظيمها لجادت بخير كثير .
فان كانت الحكومة قد شجعت المزارعين وزرعت هي بالفعل مساحات كبيرة فى منطقتى الخرج والاحساء وفي غيرهما ، فان جهد الحكومة وحده لا يكفى للنهوض بالبلد ، ولا بد أن يشعر الشعب بحاجته ويعمل على سدها ويقدر الضرر ويساهم فى دفعه بأكبر نصيب .
وإن كانت الحكومة قد أرسلت البعثات ، ومازالت ترسلها فأنما تعلم الشعب لتدفعه الى العمل ليبنى أبناؤه . صرحهم الاقتصادى بأيديهم ؛ وعليها المساعدة والتوجيه .
نحن في حاجة إلى إنتاج يسد حاجتنا إلى القوت على الأقل ، وفي حاجة الى الانتاج الصناعي والزراعي . . بل نحن في حاجة الى أن نسوق الناس قسراً الى العمل .
لقد ثبت ان بلادنا صالحة لأنتاج القطن في نجدها ، وفي تهامة من جنوبها فلماذا لا ننشئ مصانع للغزل والنسج لنضمن للفقير كساءه ؟
لماذا لا ننشيء شركات أهلية تعالج حالتنا الاقتصادية وتنظم علاقاتنا التجارية ، وتعمل على ترتيب صادراتنا ؟
لماذا لا يكون لنا مصرف أهلي يخلصنا من تحكم المصارف الخارجية ؟ أن سبيل العمل ممهد ميسور ، ولكنا مع بالغ الأسف لا نفكر ، واذا فكرنا فلا نعمل ، وإذا عملنا أضعنا اعمالنا فى الاختلاف والاهتمام بالقشور وترك للباب
والآن...وقد انطلق بي القلم في رسم الالم ، فحسبي ما ذكرته ولعل فيه ما يحفز الهمم ، وشكراً للاستاذ المتفضل بالسؤال ، وللمنهل الأغر .

